ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا(13): القصووية اليسارية كنقطة دالَة على قرب التحول اليميني العالمي

 في أيار(ماي)1978،في الذكرى العاشرة لثورة الطلاب،أجرت وسائل إعلام فرنسية مرئية ومقروءة تحقيقات حول مآلات الكثير من المشتركين بتلك الثورة،لتخلص تلك التحقيقات إلى نتائج كانت ملفتة جداً آنذاك،تمثلت في أن الكثير من أولئك،الذين كانوا يريدون في أيار1968 الوصول إلى تحقيق التحطيم الثوري الفوري والكامل للمؤسسات الدولاتية والرأسمالية والكثير من مظاهر التقاليد الاجتماعية والعائلية على الضد من “إصلاحية”و”اعتدالية”الحزب الشيوعي الفرنسي،قد انتهوا عند موقع اليمين أيديولوجياً وسياسياً بعد عشر سنوات من تلك الثورية،التي أتت خليطاً غريباً يجمع فوضوية باكونين مع ثورية تروتسكي”الدائمة”ومجالسية روزا لوكسمبورغ الرافضة لنموذج التنظيم اللينيني وثورية غيفارا المتفارقة مع الحركة الشيوعية العالمية،وتحولوا إلى مندمجين نشطين في المؤسسات البورجوازية والدولاتية القائمة.
ربما كان مصير ريجيس دوبريه ويوشكا فيشر معبّراً عن ذلك،بعد أن انتقل الأول من رفيق لغيفارا في أدغال بوليفيا إلى مستشار للرئيس ميتران،والثاني من صديق ورفيق لبنديت كوهين إلى وزير خارجية لحكومة المستشار الألماني غيرهارد شرودر.
إلا أن الأمر يبدو أبعد من المصائر الفردية ليعبر عن اتجاه عام، لم يكن محدوداً في النطاق الأوروبي الغربي.
من جهة ،كان ذلك تعبيراً عن احتجاج من اليسار على مسيرة الحركة الشيوعية العالمية،ليكون ذلك أوسع من النطاق الفرنسي،شاملاً معظم أوروبة،ليمتد أيضاً إلى أميركا اللاتينية،وبعض دول آسيا(سيلان،حيث كانت الحركة التروتسكية توازي قوة شيوعيي موسكو بالستينات )،وأيضاً لبعض الدول العربية مثل سوريا ولبنان وفلسطين وتونس والمغرب،لتبرز عبر ذلك كله ظاهرة(اليسار الجديد)،ما كان تعبيراً عن أزمة عميقة في الحركة الشيوعية العالمية،التي أخذت قوة دفعها من وقع ثورة أوكتوبر1917،وتمأسست عام1919 من خلال مؤسسة(الكومنترن):لم يكن هذا تعبيراً فقط عن احتجاج على”بيروقراطية”تلك الأحزاب،ونهجها السياسي،وإنما امتدّ إلى الفكر والأيديولوجية،وهو شيء لم يحصل خلال الخمسين عاماً السابقة التي تفصل أيار1968 عن أكتوبر1917،لما لم تستطع حركات من اليسار مثل التروتسكية أن تشكل قوة جدية في وجه الحركة الشيوعية العالمية المستظلة بظل الكرملين،فيما كان الأمر مختلفاً في  باريس1968،وبوليفيا1966-1967،وفي البيرو لمّا شكلَ التروتسكي هوغو بلانكو تحدّياً جدّياً لقوة الحزب الشيوعي هناك أواسط الستينيات عندما قاد ثورة فلاحية قوية،إضافة إلى دوغلاس برافو بنفس الوقت في فنزويلا لما أحدث انشقاقاً هزَ أركان أحد أقوى الأحزاب الشيوعية في أميركا اللاتينية وانتقل إلى أسلوب حرب العصابات:هنا،كان(اليسار الجديد)تعبيراً عن مرض عميق في الأحزاب الشيوعية العالمية،أو إذا أردنا الدقة أحد مظاهر هذا المرض،أكثر منه تشكيلاً لبديل يساري عن تلك الأحزاب،إلى أن تطور هذا المرض،خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات،للوصول إلى حدود الوفاة لكثير من تلك الأحزاب،وأولها الحزب الشيوعي السوفيتي.
من جهة أخرى،فإن هناك جانباً آخر يجب تسجيله هنا:إن المدّ اليساري العالمي الذي دشَنته ثورة أكتوبر قد وصل إلى نقطة فاصلة،كانت الستينيات هي المنعطف الذي أشَر إلى بداية مرحلة الجزر اليساري،حيث لم تكن أمثلة فيتنام1975وأنغولا1976ونيكاراغوا1979كافية للتأشير إلى عكس ذلك،لتأتي المسيرة الانحدارية لقوى الحزبين الشيوعيين الانتخابية،في فرنسة وإيطاليا النصف الثاني من السبعينيات،مؤكدة لذلك،فيما كان المؤشر الأكبر على ذلك متمثلاً في دخول البشرية عصر الثورات اليمينية،بعد أن كان اليسار،ممثلاً أولاً بالراديكالية اليعقوبية في ثورة1789الفرنسية ثم في الماركسية البلشفية بثورة1917،هو قائد التغيير الثوري خلال قرنين سابقين من الزمن.
أتى هذا أولاً من ثورة الخميني عام1979بإيران،فيما كانت ثورة مصدَق بين عامي1951-1953على الشاه والبريطانيين حصيلة تحالف بين قوى قومية يسارية وبين حزب توده الشيوعي،ثم حصل هذا ثانية في عام1980ببولندا لمّا كان بابا الفاتيكان هو العباءة الأيديولوجية لحركة التضامن العمالية ضد سلطة الحزب الشيوعي الحاكم بدعم الكرملين،ثم أتى هذا ثالثاً من اليمين الليبرالي في خريف عام1989ضد الأحزاب الشيوعية الحاكمة بأوروبة الوسطى والشرقية لما قاد الليبراليون(كمثقفين أو قوى كامنة) ثورات اجتماعية- مدعومة من الخارج الدولي- كانت مطالبها في عنوانين‘هما(الديمقراطية السياسية)و(اقتصاد السوق)،فيما وجدنا شيئاً شبيهاً،في العالم العربي بالتسعينيات،لما أرادت الأصولية الإسلامية القيام بحركات تغييرية للأوضاع القائمة في أكثر من بلد،ربما كانت جزائر1988-1992مثالها الأبرز،فيما تحولت القوى العلمانية واليسارية الجزائرية أمام ذلك إلى قوى مفضلِة لتثبيت الواقع القائم،ولو عبر انقلاب عسكري مثل الذي قام به الجنرال خالد نزار في 11كانون الثاني1992.
يعطي مسار الحركات الأيديولوجية-السياسية الكبرى علامات على المرض،وأحياناً على قرب الوفاة:كان(اليسار الجديد)كذلك بالنسبة إلى الأحزاب الشيوعية التي أتت من تحت العباءة البلشفية منذ عام1917.السؤال الرئيسي الآن:هل يكون سيد قطب،كمؤسس للتيار الجهادي الإسلامي المنشق عن التيار الإخواني الذي اتحد عبر الظواهري مع ابن لادن السلفي لتشكيل تيار(السلفية الجهادية)،من علامات المرض المؤشِر لقرب وفاة حركة الإخوان المسلمين التي بدأت مع حسن البنا في عام1928؟……………
تقرؤون في هذا الملف :

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This