حكاية المجتمع المدني في سورية

ثمة جدل متواصل بين الحكومة السورية ونقادها حول مسألة المجتمع المدني في سورية. وهو ما يبدو تجليا للخلاف المتأصل بينهما حول فكرة الإصلاح. فالحكومة السورية مغرمة بتفسير الإصلاح على أنه مسار تدريجي من التغييرات الجزئية التي تجعل النظام السوري يبدو نظاما صالحا ومقبولا، مختزلا بذلك مفهوم الإصلاح من كونه إصلاحا شاملا إلى الإصلاح الاقتصادي، ومن ثم إلى الإصلاح الإداري. وبذلك يتضاءل مفهوم الإصلاح  إلى مجرد إصلاحات إدارية تجمل الواقع السوري.

بالمقابل، فإن نقاد الحكومة السورية يرون أن الإصلاح هو كل متكامل جوهره إزالة كل العوائق السياسية والاقتصادية والقانونية والإدارية التي تعيق التطور الطبيعي للبلد. وبالنسبة لهم، فإن ركنا أساسيا من أركان الإصلاح هو المجتمع المدني. بالنسبة للحكومة تحول هذا المطلب إلى خط أحمر.

والمجتمع المدني هو مفهوم جديد بالنسبة للسوريين. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يكن موجودا كواقع. فثمة من بين المفكرين السوريين يعتقدون أن المجتمع المدني يعود في سورية إلى التشكيلات الأهلية التي عرفتها سورية العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.  ولكن الكثرة الكثيرة تعتقد أن المجتمع المدني وجد كواقع مع النهضة العربية، وما رافقها ن تشكيل لمنظمات أهلية ذات طابع سياسي حينا وثقافي واجتماعي في أحايين أخرى.

ولكن عددا من منظري المجتمع المدني في سورية يفترضون أن فترة 45 سنة من حكم بلون سياسي وحزبي وإيديولوجي واحد، ومع غياب أي شكل من أشكال العمل الأهلي الطوعي ومع حظر كلي لأي نشاط سياسي مستقل عن الحكومة، ناهيك عن القمع المستمر الذي فرضه قانون الأحكام العرفية، كان لا بد أن يؤدي إلى حرمان سورية من أي نشاط مدني. والنتيجة كانت أن الحياة العامة (والخاصة) في سورية مرتبطة بشكل كامل بالحكومة، التي كان يهيمن عليها حزب سياسي واحد، ومعتمدة عليها.

نتيجة ذلك أن الحكومة والمعارضة  مع وقعتا في خلط بين المجتمع المدني والفعل السياسي. ومن العدل القول أن فكرة المجتمع المدني، رغم تاريخها الأسبق على مرحلة الستينات، كانت إلى حد ما مشوشة (بالكسر) للكثرة من السوريين، الذين وجدوا أنفسهم، في سعيهم لتحقيق أهداف تتعلق بالمجتمع المدني، منخرطين في الفعل السياسي.

لقد كانت الطريقة الوحيدة، في الفترة التي سبقت عام 2000، لمعارضة الحكومة هي العمل تحت الأرض في مجموعات سياسية سرية صغيرة. ولكن العمل السري كان من شأنه خلق الكثير من المشاكل التي أدت إلى تراجع الحياة السياسية في البلاد وتضاؤلها، وخصوصا بالنسبة للناشطين السياسيين الذين دفعوا حياتهم أو جزءا كبيرا منها ثمنا لنشاطهم السياسي.

عل أنه منذ نهاية التسعينات ومطلع القرن الجديد، وخاصة بعد وفاة رئيس الجمهورية السابق حافظ الأسد، بدأ السوريون يتعرفون إلى شكل جديدا للتعبير عن أنفسهم، وكان ذلك عبر منظمات المجتمع المدني. وقد كانت جماعات المجتمع المدني قد بدأت بنشاط عدد من المثقفين السوريين الشجعان الذين بدؤوا  يتلمسون طريقهم للبحث في مسألة جديدة كليا في ذلك الوقت: المجتمع المدني. في عام 1992، قدم المفكر السوري جاد الكريم الجباعي محاضرة بعنوان “المجتمع المدني.” كان ذلك عملا رائدا في هذا المجال. في عام 1997، نشرت مجلة الوسط دراسة عن نهوض ظاهرة جديدة في سورية، عمادها مثقفون يسعون إلى خلق شكل جديد من أشكال الائتلاف المدني، وكانت الدراسة مبنية على لقاءات مع مثقفين سوريين بينهم نبيل المالح وعمر أميرلاي، وهما مخرجان سينمائيان وناشطان في المجال العام.

ويبدو أن السينما كان مقدرا لها أن تكون المدخل لحركة المجتمع المدني السوري المعاصرة. في عام 1998، وقع عدد من المثقفين السوريين عريضة إلى رئيس الجمهورية آنذاك حافظ الأسد، يشتكون فيها من تردي الأوضاع داخل المؤسسة العامة للسينما، وهي مؤسسة حكومية تحتكر الإنتاج السينمائي السوري، وأيضا استيراد الأفلام غير السورية وعرضها.

وفي وقت قصير إثر وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد، عبّد تسعة وتسعون مثقفا سوريا الطريق أمام مثقفين وسياسيين آخرين للعمل العلني، من خلال توقيعهم ما سيعرف في التاريخ السوري العاصر باسم “بيان التسعة والتسعين.” بعض الموقعين كانوا مفكرين وأكاديميين وكتابا وأساتذة جامعات، ولكن بعضهم الآخر كان من أحزاب سياسية معارضة، وهو ربما ما أعطى البيان الشهير صبغة سياسية أكثر منها مدنية. ومع ذلك فقد كان هذا البيان الشرارة التي أشعلت الحريق.

وسرعان ما بدأت الصالونات والمنتديات الثقافية والسياسية تفتح أبوابها للنقاش العام حول قضايا الحياة المدنية والمجتمع المدني في سورية. ومن بين هذه المنتديات، برزت أسماء “المنتدى الحضاري،” “منتدى الحوار الوطني”، “منتدى الحوار الثقافي”، “منتدى جمال الأتاسي”، على سبيل المثال لا الحصر. وتجمعت مجموعة من النخبة السورية في تشكيل عرف باسم “لجان إحياء المجتمع المدني” وهو تشكيل كان ينطلق من أن سورية عرفت المجتمع المدني الذي تعرض لموات، وهدف الجماعة هو إعادة إحياء هذا المجتمع. وطرحت اللجان نفسها كائتلاف غير سياسي، له هدف ثقافي وحقوقي، بيد أن هذا الاستقلال عن السياسي لم يكن واقعا فعليا، وفق ما يقوله أحد مؤسسي هذه الجماعة الذي يرى أن اللجان كانت تمارس مهام حزب سياسي، أكثر من ممارستها لفعلها كمنظمة من منظمات المجتمع المدني.

على أن السلطة  السورية لم تمهل هذه المنظمات غير الحكومية طويلا لتتشكل وتتمأسس، فسرعان ما طال الضغط الحكومي الناشطين الأكثر نفوذا ونشاطا فيما سيعرف لاحقا باسم “ربيع دمشق”، وقد أدى هذا الضغط إلى اعتقال ومحاكمة عشرة ناشطين رئيسيين في حركة المجتمع المدني، بينهما نائبان في البرلمان السوري وأستاذ جامعي معروف. وقد أجبرت المنتديات بعد ذلك على إغلاق أبوابها، كما قمعت الاعتصامات والأشكال الأخرى للتعبيرات المدنية بقوة.

ولم تكتف الحكومة بالضغط على نشطاء المجتمع المدني، بل بدأت بالموازاة مع ذلك – عامدة أو مضطرة-  في استخدام ورقة الدين الخطرة. وقد عزز الإسلاميون (من غير الإسلام السياسي بالطبع) في الأعوام الثلاثة الفائتة مكانتهم في المجتمع السوري. وصار التركيز الإعلامي عليهم يزداد بشكل واضح. وغدا من المعتاد أن ترى رجال الدين والدعاة في مقاعد الضيوف في البرامج الحوارية على شاشة التلفزيون والصحف المحلية. وسمحت الحكومة لبعض الاجتماعات الدينية التي كانت تتم بشكل سري أن تجري بشكل علني في عدد محدد من الجوامع، ومن  بين هذه الجماعات جماعة القبيسيات، وهي الجماعة الدينية الإسلامية المعروفة التي تقصر عضويتها على النساء، في تراتبية ملحوظة. وخصصت صحيفة سورية حكومية صفحة دينية أسبوعية، وهو ما كان قبل سنوات يعتبر أمرا محظورا. وبات العثور على الكتب الدينية وأشرطة الكاسيت والأقراص المدمجة التي تحتوي الدروس الإسلامية الأشد محافظة وتشددا من أي مكتبة بل ومن على قارعة الطريق. وفي عام 2003، تم انتخاب أول نائب إسلامي في مجلس الشعب (البرلمان)، ولقي ذلك صدى كبيرا في أوساط شرائح كبيرة من السوريين، مما دفع نحو عشرة رجال دين مسلمين إلى الترشح لدورة 2007، فاز بعضهم وخسر الباقي.

ويسهل على المتأمل الآن أن المجتمع المدني والإصلاح قد وضعا في ثلاجة، وأن للحكومة الآن أولويات أخرى، وناشطو المجتمع المدني في حال من الشلل. وهو ما أدى إلى حال من الاستعصاء، فلا إصلاح حقيقيا بدون مجتمع مدني، ولا مجتمعا مدنيا بدون إصلاح. ويبدو أن على السوريين الانتظار طويلا قبل الخروج من هذا الاستعصاء.

هل كان من الممكن تجاوز حالة الاستعصاء هذه؟ نظريا نعم. يعتقد بعض المثقفين السوريين أن حركة المجتمع المدني التي بدأت ملامحها تظهر في العام 2000 قد أخطأت عندما خلطت بين مهامها كحركة مدنية وبين مهام سياسية كان على عاتق السياسيين والأحزاب السياسية الاضطلاع بها. وأنه كان من واجبها الانتباه أكثر إلى دورها كأداة مجتمعية مهمتها التركيز عل قضايا الثقافة والفكر والتنمية والتدريب والتأهيل والتعبئة وترويج مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتعتقد وجهة النظر هذه أن حظ المجتمع المدني في النمو والبقاء كان أكبر بكثير لو أنه لم يحمل مهام الأحزاب السياسية ولم يطرح برامج سياسية في التصدي للحكومة.

ولكن وجهة نظر أخرى ترى أن ذلك حديث نظري، إذ أن حملة المجتمع المدني الحديث في سورية هم السياسيون السابقون والحاليون. وبالنسبة لوجهة النظر هذه، فإن المشكلة أن المجتمع المدني لم يحاول التأسيس لثقافة مجتمعية ومواطنية، لذلك بقيت الحركة محصورة ببضع مئات من المثقفين تراهم أنفسهم في كافة المنتديات والمحاضرات والاعتصامات والبيانات ووسائل الإعلام  والمحاكمات والنشاطات الثقافية، وهم أنفسهم الذين يشكلون القوى السياسية المعارضة في البلد. وبالتالي فإنه كان من المستحيل عمليا الفصل بين نشاط المعارضة السياسي ونشاط المجتمع المدني.

ليس الوصول إلى قرار نهائي في هذا السؤال سهلا، ولا هو مهمة هذه المقالة. ولكن مجرد طرح السؤال جدير بالتفكير في إجاباته المتعددة: هل كان من المكمن ألا ينزلق المجتمع المدني السوري باتجاه السياسة؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This