في نقد الفكر الإصلاحي نموذج عبد المجيد الشرفي (2/2)

يواصل الباحث إبراهيم أزروال تحليله النّقديّ لفكر الدكتور عبد المجيد الشرّفي، بعد أن تعرّض في جزء أوّل إلى قضايا مهمّة منها النّقد التاريخيّ للنصوص المؤسسة والرسالة بين الإبداع والاتباع ومدلولات ختم النّبوّة وتفريد الإنسان المؤمن..

{{9- في نقد عبادة الحرف والمقصد :}}

(الرسالة المحمدية تهتم بما هو خير وما هو شر في اللحظة التي وقعت فيها النازلة، فيكون ما ترشد إليه قاعدة لمعايير السلوك المستقيم والأخلاق الفاضلة التي يتعين على المسلم أن يستنبطنها منها. ولا يتم ذلك الاستنباط على أساس سليم بالتمسك بحرفيتها في نوع من عبادة النص، بل بالبحث عن روحها ومغزاها ومراعاة المقصد منها حتى تكون العبادة لله وحده، ويكون ضمير المسلم هو الحكم الأول والأخير في مدى الاستجابة للتوجيه الإلهي).
(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص .60-61) .

دفع تهوس السلفية بالتشريع ، وبالهندسة التشريعية للكل الاجتماعي ، إلى التماس الحل في المعاني الباطنية للقول القرآني . فلئن حصرت السلفية الإسلام في الإطار التشريعي الصارم ، وفي التجربة التدشينية وتجريد كل التواريخ اللاحقة للحظة المحمدية والصحابية من قوامها التاريخي ومن سؤددها الزمني ، فإن الإصلاحية الإسلامية تميل إلى تفعيل آليتين :

1- الفصل بين الروحي / الأخلاقي والفقهي / التشريعي القانوني .

2- ربط المعطى التشريعي بسياق تاريخي قابل للتجاوز والمعطى الأخلاقي / الروحي بديمومة زمانية غير قابلة للتجاوز .

والواقع أن السعي إلى روحنة الإسلام وتخليقه ، ينهض على مسلمات غير ناهضة من المنظور التاريخي . كما أن الاستنجاد بالإسلام الصوفي لتطويق الإسلام الشرعي الطقوسي الحرفي ، لا يفي بالمطلوب المعرفي ولا التاريخي . فالإصلاحي ، يسعى إلى التركيز على العناصر العقدية أو التشريعية الملائمة لتأويله ولاستهدافه الفكراني ،ويسعى إلى التحايل على العناصر المنافية لمقاصده باسم تغليب المقصد والمصلحة على الأوامر والنواهي الشرعية أو القراءة المقاصدية على التفسير الحرفي للنصوص ورغم انسداد آفاق العمل التأويل أمام الإصلاحية منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، فإن الإصلاحيين ما زاولوا مصرين على التأويل الاجتزائي التشطيري للنصوص وعلى المفاضلة بينها ، وإضفاء تأويلات غير ملائمة ولا تاريخية عليها ، باسم تجديد الفهم وتدبّر المقاصد الإلهية الثاوية خلف الألفاظ والقصص والسرود القرآنية .

إننا نعتقد أن روحنة الإسلام وتخليقه ، والانتصار للقراءة الصوفية ، لا ينمّان على حصافة أو تدبر استراتيجي للمجال الديني وللرؤية الدينية كما يعتقد البعض . فالنص القرآني ، نصّ كلّيّ ينطوي على تيبولوجيا وعلى اضمامة من الخطابات ، المختلفة من حيث السياق والمساق ومن حيث المقاصد الظرفية والاستراتيجية ؛ وعليه فعلي المؤول الحديث أن يتدبر كلية النص وبنيته التحتية لا أن يتخير ما يلائم رؤيته الإيديولوجية أو السياسية أو اهتماماته المنهجية . فالنص المؤسس كل موحد ، يجب أن يقرأ في تعددية مساراته ، وفي تشعب خيوطه الدلالية وأرضياته التداولية ، وتناصاته المشتبكة بالكون الدلالي للكتابيين ولأديان الشرق الأدنى القديم .

فالتشريع القرآني مرتبط بالأخلاقية القرآنية ؛ والفصل بينهما يناقض أساسيات الفكر الموضوعي . وعليه فإن السعي إلى فصل التشريع القرآني عن أسسه الأخلاقية والروحية ، أمر غير ممكن لاعتبارات كثيرة ، ونعتقد أن عدم تدبر الإصلاحيين لهذه الاستحالة هو المسئول عن الوضع الصعب للإصلاحية الإسلامية وعدم قدراتها على تفكيك المواقع المهيمنة للمؤسسة الأرثوذكسية القائمة على تغليب السمعيات والقراءة التشريعية الفقهية وعلى انزلاق الكثير من الإصلاحيين إلى المواقع السلفية كما حدث لرشيد رضا وطه حسين ومحمد حسين هيكل وخالد محمد خالد وإسماعيل مظهر …الخ .
إننا نعتقد أن تجاوز هذه الإشكالية يقتضي أمرين :

1- اعتبار الأخلاقية القرآنية إيمانية موصولة بالمتخيل الكتابي ؛ وهي أخلاق دينية غير قابلة للكوننة مادامت ترفض ، كليا ، أيّ تعميم لمنظومة القواعد الخلقية وأي كوننة للأحكام الخلقية الصحيحة . فالأخلاق القرآنية والحال هذه ، قائمة على تراتبية صارمة ومحكومة بسقف أخروي هو المحدد في الغالب للسلوك لا البحث الفردي فيما يحقق المصلحة ويفي بمقتضيات الأخلاق كما يعتقد الشرفي .

2- اعتماد أخلاق علمانية مبنية على استقلالية الأخلاق المنطقية والابستمولوجية وحتى التاريخية عن الدين ؛ فالأخلاق الدينية ، ليست منزهة عن التفكيك ، بل إن النظر التفكيكي للعقلانيين الأقحاح توجّه قبل كل الأشياء إلى تأسيس الأخلاق على ثوابت جديدة كما نجد عند باروخ سبينوزا .

يقول فؤاد زكريا : ( وهكذا أكد أن الهدف من علم الأخلاق ليس الوعظ والإرشاد ، وإنما هو الدراسة والبحث والفهم ، فنقل بذلك الأخلاق من مجال ما ينبغي أن يكون إلى مجال ما هو كائن ، و أكد أن مهمته بوصفه باحثا أخلاقيا ليست أن يحتقر أو ينتقد ، وإنما أن يفهم الطبيعة البشرية على ما هي عليه .وهكذا تجاوز سبينوزا الحواجز بين الواقع والمثل الأعلى ، وبين ما هو فعلي وما هو معيار مثالي ، و أنكر الخير المطلق ، وبالتالي عالم الغايات التي تركزت فيه الأخلاقية المثالية بأسرها ).

(- فؤاد زكريا – سبينوزا – دار التنوير للطباعة والنشر – بيروت – لبنان – ص.196-197 ).
فلا يمكن هنا والآن، الخلط بين الأخلاق والدين، والسعي إلى استمرار هيمنة الرؤية المتعالية على الحقل الأخلاقي.

{{10- الهروب من الفقه إلى المصلحة :}}
( كما كانت العقوبات البدنية عموما ، من الضرب والجلد والبتر وحتى القتل ، عادية لا يرى الناس بديلا عنها لقيام مجتمع واستقراره . فكان ما نص عليه القرآن منسجما تمام الانسجام مع مقتضيات الظرف ، ولكنه لا يعني غلق الباب في وجه أشكال أخرى من العقاب متى تطورت المجتمعات وبرزت فيها قيم أكثر تناغما مع هذا التطور ، تعتبر العقوبات البدنية وكل أشكال التعذيب منافية للكرامة البشرية ).

(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 70) .

لا مندوحة عن القول ، إن إستراتيجية الخطاب الإصلاحي ، تفتقر إلى الكثير من الحصافة الفكرية والحذاقة المنهجية والصرامة النظرية في مقاربة المواضيع المستشكلة مثل الحدود القرآنية . فالتنصيص على الحدود ، قرآني ، صريح ، ولا يمكن تبرير إلغائها بعدم فهم السلف للفحوى الجوهري للخطاب القرآني أو لارتباط العقوبات المنصوص عليها بظرفية تاريخية قليلة التحضر. وأمام صعوبة إرجاع الحدود القرآنية ، إلى تمحلات السلف وواضعي النصوص التقنينية المعيارية أو ادعاءاتهم أو تعسفاتهم ، عمد بعض الإصلاحيين إلى تبرير فرضها بإكراهات الوضع السوسيو- تاريخي والسوسيو- عقدي بشبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي . فالخطاب الإصلاحي ، يقر بنصيتها ، إلا أنه يعتقد أن شرعيتها الدينية مخصوصة بوضع حضاري محدد ؛ وعليه ، فمن الممكن تجاوزها ووضع نظام عقوبات جديد مستوحى ، من المقتضيات الثقافية والحضارية للعصر الحديث .

ومما لا شك فيه أن مقاربة الشرفي لقضية الحدود ، لا تبرح مدار الرؤية الإصلاحية ، بكل ما تحفل به من تحكمات والتباسات . ولما كانت رؤيته للموضوع في حاجة إلى إضاءة نقدية ، فإننا نسطر حولها الملاحظات التالية :

1- لقد اظهر الإسلام أحيانا تمسكا وثوقيا بالتقاليد العقابية الكتابية ، وسعى في خضم صراعه الميتافيزيقي والهرمينوتيكي والسياسي مع يهود يثرب خصوصا ،إلى التشبث بأكثر العقوبات الكتابية تشددا .

(قال ابن إسحاق : وحدثني ابن شهاب الزهري أنه سمع رجلا من مزينة ، من أهل العلم ، يحدث سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة حدثهم : أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس ، حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت ، فقالوا : ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد ، فسلوه كيف الحكم فيهما ، وولوه الحكم عليهما ، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبية – والتجبية : الجلد بحبل من ليف مطلي بقار ، ثم تسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين ، وتجعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين – فاتبعوه ، فإنما هو ملك ، وصدقوه ؛ وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبي ، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه ).

(-ابن هشام – السيرة النبوية – حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها : مصطفى السقا و إبراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي – دار ابن كثير – دمشق – بيروت – الطبعة الثانية –2003-ص.479).

فالتجبية كانت عقابا مخففا بالقياس إلى التقليدي الموسوي ، القائل برجم الزاني والزانية ( وإذا زنى رجل مع امرأة فإذا زنى مع امرأة قريبه فإنه يقتل الزاني والزانية). ( لاويين -الأصحاح 20 : 10) .

أما يسوع فقد خفف من غلواء الناموس الموسوي في سياق صراعه مع الكتبة والفريسيين ( …ولما أقاموها في الوسط قالوا له يا معلم هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل . وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم . فماذا تقول أنت . قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه .

وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض . ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولا بحجر) ( إنجيل يوحنا : الأصحاح الثامن : 3-7) .

إذ فالإطار الحضاري القائم آنذاك بالشرق الأوسط ، كان يسير ، في الغالب ، نحو التخفيف من دموية الناموس الموسوي المنحدر من شريعة حمورابي .

من المؤكد أن النص القرآني لا ينص على الرجم ؛ إلا أن الصراع الهيرمينوتيكي والتأويلي القائم بين محمد وأحبار اليهود ، والاتهام القرآني الصريح لليهود بتحريف التوراة ، يسمحان بترجيح تمسك محمد بالرجم من باب الوفاء للأصولية العقدية الكتابية ومن باب استملاك احد العلامات المائزة للرأسمال الرمزي التوحيدي المرجعي .

2- لم يكتف الإسلام بمراعاة المقتضيات القانونية المعمول بها في شبه الجزيرة العربية ، بل عمد إلى إدخال تغييرات على كثير من تعابيرها مثل الرق وتعدد الزوجات والقصاص والدية والأروش والعاقلة على سبيل المثال . فمما لا جدال أنه اقتبس الكثير من العناصر القانونية والجنائية من التراث الكتابي ومن التشريع العربي القديم ، إلا أنه قام بإعادة صياغة تلك العناصر ، وإدخال تغييرات جوهرية فيها من حيث الإطار الرؤيوي الكلي ، وتعديلات تقنية في بعضها من حيث الممارسة الاجتماعية . بالإضافة إلى ذلك، فقد عمد إلى تحريم الخمر والتبني مع أنها متأصلة في الثقافة العربية.ومن هنا ، فإن الاحتجاج بمراعاة التشريع الإسلامي للمقتضيات السوسيولوجية والتاريخية ، للمجتمع العربي القديم ،ليس حجة ناهضة في اعتقادنا .

3- يتغاضى الشرفي عن البنية المغلقة للنص القرآني ؛ فهو يتعامل مع الجانب التشريعي في النص المؤسس وكأنه مفتوح ،قابل للتحيين الدلالي والترهين التداولي والتجديد المعرفي .

(( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ) ( المائدة : 38 )
( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) .( النور : 2)

فمن السمات الفارقة للنص المؤسس، التسليم الكلي لموجود مفارق، متفرد بتدبير المصائر وتحديد العقوبات. فالفصل بين الجانب التشريعي والجانب الميتافيزيقي أو بين العبادات والمعاملات باللغة الفقهية الكلاسيكية ،يجانب الحقيقة ، بالنظر إلى ارتباط التشريع الإسلامي بالرؤية العقدية . ومن هنا، فإن القول بنسبية الجانب التشريعي وقانون العقوبات الإسلامية يستلزم ، منطقيا ، القول بنسبية الجانب العقدي . ولما كانت الإصلاحية الإسلامية ،لا تذهب إلى القول بتاريخية العقيدة ، فإن مطالبة بعض روادها بإسقاط العمل بالحدود الجزائية أو بقانون العقوبات اعتبارا إلى تقادمها تاريخيا ومنافاتها لحقوق الإنسان الكونية ، أو لارتباطها بمواضعات تاريخية وثقافية منتفية الآن،لا تستوفي مقتضيات التناسق أو الملاءمة التصورية .

( ولا ينبغي أن يكون تنفيذ عقوبة معينة ، كما هو الشأن في القصاص والسرقة وغيرهما ، محسوبا على الخضوع لأوامر إلهية لا صلة لها بالزمان والمكان ، بل هي مما اقتضته ضرورات الاجتماع والأخلاق ، وهي أمور متغيرة وغير مستقرة تتأثر بعوامل عديدة منها الثقافي ومنها الاقتصادي والسياسي).
(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 85) .

فالتشريع لا يصدر في الرؤية القرآنية عن الأفراد ولا عن المؤسسات المدنية بل عن المفارق أي عن الغيب؛ ففلسفة التشريع الإسلامية ، مفارقة ومتعالية ولا تولي للإنسان أي اعتبار سوى اعتبار التمثل والتنفيذ تماما مثلما هو معتاد في الأديان الطقوسية أو في الشريعة الموسوية اليهودية . وبناء على هذه القراءة ، فإن قراءة قانون العقوبات قراءة تاريخية محايثة أو وضعية دهرانية ، تستلزم من باب التناسق في الرؤية والمنهج ، قراءة النص المؤسس قراءة دهرانية ناسوتية استشكالية . أما الدعوة إلى التركيز على غايات الحدود الجزائية لا على أعيانها كما فعل عبد الله العلايلي في ( أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد ) ، فهو لا يحقق المطلوب النظري في زمان تشوش المتصورات واختلاط جينيالوجياتها .

كما أن ربط احترام الكرامة بزمن دون زمان ، وإعفاء الزمان المؤسس والتجربة الإسلامية المعيارية والنموذجية من التمسك بمقتضيات تلك الكرامة باسم استثنائيتها التاريخية أو باسم مراعاتها للمقتضى التشريعي والقانوني” الجاهلي “، توقع النظر الإصلاحي في ارتباكات منهجية ونظرية لا يستهان بها .

{{11-نقد الأصول وحفظ النصوص :}}

( فتحديث أصول الفقه و إعادة النظر في هذه المنظومة ، إنما هو أيضا على أساس العودة إلى مقتضيات الخطاب القرآني الذي لا نتردد في القول إن هذه المنظومة الأصولية قد شوهته وحرفته ، حرفت مقصوده الأساسي لأن القرآن دائما يخاطب المسلمين بدون تمييز ، ليست فيه هذه الطبقية ، وهذا التمييز الذي بين المسلمين كما هو الشأن بالنسبة إلى الأصوليين وبالنسبة إلى عامة الفقهاء ).

( عبد المجيد الشرفي – تحديث الفكر الإسلامي – نشر الفنك – 1998- الدار البيضاء – المغرب – ص. 42)
يحفل هذا المدخل بكثير من اليقينيات القابلة للاستشكال بله النقض والدحض . ونجمل ملاحظاتنا على فحواه فيما يلي :

1- الذهاب إلى إمكان العودة المباشرة إلى النص القرآني دون الاستناد إلى تفسيرات وتأويلات وتسويغات الأصوليين؛ والواقع أن التعامل المباشر مع النص القرآني ،بدون الاستعانة بمعطيات النصوص الثواني ، يوقع في مزالق ومآزق منهجية ونظرية كبيرة ؛ كما أن الشواهد النصية تنهض حجة على عدم صحة تأويل الشرفي للقرآن ؛فهو يظن أن النص القرآني يحث على تفعيل مقتضيات المساواة والعدل بين المسلمين ، والحال أن النص يقر التراتبية الأنطولوجية والاجتماعية والمعرفية ، ولا يلغي التفاوتات الاجتماعية بأي حال من الأحوال :

( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) ( النساء – 34) .

( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا ) ( الأحزاب – 32 ).

( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون) ( الزخرف : 32)

فالتراتبية والتمايز معطيان نصيان غير قابلين للتعويم التأويلي كما تفعل بعض القراءات الإصلاحية؛ فالنص المؤسس يبني الفوارق والتمييزات لا في علاقة الأمة الإسلامية بغيرها العقدي فقط ، بل بين مكوناتها نفسها .فالتشريع الإسلامي ، إطار للتفاضل والتمايز وبناء الفوارق والقوانين المنظمة للاختلاف الداخلي والخارجي . و أصول الفقه ، سارت في نفس المنحى ، خصوصا وأنها جابهت عالما حافلا بتناقضات واشتباكات كبرى كلامية وفقهية ، لا تقاس بتناقضات العالم المديني / اليثربي المحدود .

2- اتهام أصول الفقه بتحريف المقاصد القرآنية ، ينطوي على تجاهل لدور الأصوليين في تنظيم المنظومة التشريعية والقانونية وصياغة وإحكام مرجعية استثمار النصوص واستخراج الأحكام الشرعية منها؛ فالأصوليون ، لم يتمحلوا في تأويل النص واستثمار مقاصده في الاتجاه المخالف للقصد الأصلي ، بل قاموا بتوسيع أو تضييق الإطار الدلالي للنصوص القرآني ، سعيا وراء التأكيد على الصلاحية المطلقة للنص وعلى هيمنته على حركية الواقع ؛ فالأصوليون ، وسعوا فعالية النص وقلصوا فعالية العقل والواقع والتاريخ إلى أقصى الدرجات . وتلك هي آفة أصول الفقه ، لا تحريف مقاصد القرآنية التأنيسية والتسديدية كما يعتقد الشرفي .

3- يتناسى الشرفي السياق التاريخي لبلورة أصول الفقه ، وصعوبة استقراء الدلالة التاريخية للقرآن ، لاعتبارات إشكالية ترجع إلى حيثيات تشكل ما يسميه محمد أركون بالنص الرسمي المغلق من جهة ، والى طبيعة البنية الحجاجية للنصوص نفسها من جهة ثانية .
12-المرأة من الضلع إلى النشوز :

( ثم ألم تخلق المرأة من ضلع أعوج من ضلوع آدم ؟!أليست هي التي أغوته بالأكل من الشجرة فكان ذلك مصدر” الخطيئة “وسببا في الطرد من الجنة ؟!وعوض أن يتدبر المسلمون سكوت القرآن عن هذين ” الميثين ” الواردين في “سفر التكوين ” وتأكيده ، خلافا لهما ، بأن الناس خلقوا من نفس واحدة وأن الله خلق منها زوجها ليسكن إليها ، ونصه الصريح على أن الغواية كانت من إبليس لا من حواء وأن الله غفر لآدم وبغفرانه محيت المعصية ..عوض أن يتدبروا كل هذا انبروا يتسابقون إلى “الإسرائيليات ” يستقون منها ما يعزز آراءهم القبلية في المرأة ، وانبروا يؤولون بها الآيات القرآنية تأويلا ما أنزل الله به من سلطان ؛ تأويلا يمحو الفروق الجوهرية بين الرسالة المحمدية وما عند أهل الكتاب على هذا الصعيد)

(عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص .-107- 108) .

حين نتدبر هذا الشاهد نلاحظ التقارب الكبير بينه وبين كتابات الصادق النيهوم ؛ فهما يؤكدان على خلو النص المرجعي للإسلام ، من تأكيد التوراة على خلق حواء من ضلع آدم ومن فكرة تحريضها آدم على الأكل من الشجرة المحرمة .والحقيقة أن نظر الإصلاحيين في الكتاب المقدس لا يستوفي شرائط النظر الموضوعي ولا مقتضيات البحث العلمي في النصوص اليهودية والمسيحية المرجعية ولا أدبيات نقد الكتاب المقدس . فهي تتوخى ، لاعتبارات شعورية فكرانية أو لا شعورية عقدية أو طائفية ، إبراز فرادة النص القرآني وتميز خطابه المعياري على الخطاب المعياري للكتاب المقدس .
ولتبيان تعقد القضية المثارة، فإننا نورد نصين من ( سفر التكوين ):

( وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته . على صورة الله خلقه . ذكرا وأنثى خلقهم . وباركهم الله وقال لهم أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض).

(تكوين – الأصحاح الأول : من26الى 28)

( وقال لآدم لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل . بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها).

( تكوين –الأصحاح الثالث : من 17- 19 )

فالنص الأول ينص على خلق الإنسان، على صورة الله وعلى مباركته للإنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى. أما النص الثاني فينص على تحميل مسؤولية لعنة الأرض إلى آدم نفسه .

والواقع أن اختلاف النص القرآني مع النص التوراتي في هذا المساق ، يعزى إلى آلية تناص النصوص والى الترميق الميثي المعمول به في النصوص القدسية ، والاستمداد القصدي المتحكم في طريقة النص اللاحق بالنص السابق . فالقصة التوراتية نفسها ، ليست إلا استعادة تحيينية وإعادة قراءة لقصص ميثية قديمة سومرية أو بابلية أو مصرية . وقد حاول تركي علي الربيعو مقاربتها من منظور مقارن ، قائم على التواصلية الثقافية في التقاليد الثقافية للشرق الأدنى القديم . فهو يعتبر قصة خلق حواء من ضلع آدم، المحطة ما قبل الأخيرة من تصور المرأة في النصوص الأسطورية القديمة. وعليه ، فلا يمكن استكناه حقيقة النص التوراتي التكويني ، إلا بمقارنته بالنصوص الأسطورية مثل : ملحمة جلجامش وملحمة الخليقة البابلية ونصوص سومرية أخرى …الخ .

( ويذهب كريمر إلى القول إن أهم نتائج تحليلنا المقارن للقصيدة السومرية هو التفسير الذي يكفي واحدا من أعضل العناصر في قصة الفردوس في الكتاب المقدس ، وهو الفقرة المشهورة التي تصف خلق حواء- أمّ كل حيّ – من ضلع آدم . ولكن لماذا من ضلع ؟ ولماذا وجد القصاص العبراني أن الأنسب أن يؤثر ضلعا على أي جزء آخر في الجسم لخلق المرأة التي يعني اسمها تقريبا وفق الكتاب المقدس ” التي تصنع الحياة ” ؟ سيصبح السبب واضحا جدا إذا اتخذنا أساسا أدبيا سومريا كذلك الذي صورته قصيدة ديلمون عن قصة الفردوس كخلفية للكتاب المقدس . وذلك لأن أحد أعضاء أنكي المريضة في القصيدة هو الضلع والكلمة السومرية للضلع “تي ” ولذلك كانت الربة التي خلقت لشفاء ضلع أنكي تسمى ” نن تي ” أي سيدة الضلع على عبارة السيدة التي تحيي وذلك عن طريق ما قد يوصف باللعب ضوء مستجدات تاريخ الأديان المقارن والأنثروبولوجية الدينية خصوصا وأن الشرفي يشدد على ورود عناصر ميثية في المتن المعياري للمسلمين .

(والأدهى من كل هذا أنهم تصوروا الرسالة حسب أهوائهم ورغباتهم ومصالحهم حتى أضحى الإسلام مرادفا لظلم المرأة والحط من قيمتها وحجبها في البيوت وخلف الجدران السميكة ، ومسؤولا عن حرمانها من أبسط الحقوق البشرية مثل التعليم والشغل ، ومستغلا في إثبات هوية قلقة تبحث عن التعبير عن نفسها من خلال إلزام الفتيات المغرر بهن بلبس الحجاب)

(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 108) .

كثيرا ما يعمد الاصطلاحيون إلى تحميل مسؤولية الوضع المأساوي للمرأة في المجتمعات الإسلامية، إلى الوضع التأويلي السائد أو إلى السياقات السوسيو- تاريخية الموسومة بالتداخل والهجانة واستمرار التقاليد الثقافية السابقة على الإسلام .
ويمكن القول إجمالا ، بأن الإصلاحية ، تشدد على قوة الثقافة بالقياس إلى العقيدة ، والى استمرارية المتخيل الجماعي في إعادة إنتاج رؤاه الأنثروبولوجية . إلا أن الإشارة إلى التغلب التاريخي للثقافة على العقيدة ، يبقى مجرد ، فكرة أولية لا يعمل الاصطلاحيون على استثمارها الاستثمار النظري اللازم ، لإعادة التفكير في جدل العقدي والثقافي في المجتمعات التاريخية مثل مجتمعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا .

ويركز الاصطلاحيون ، عادة على التمييز بين الخطاب القرآني والخطاب الثقافي الإسلامي ، والى إرجاع الخطاب الثقافي الإسلامي إلى مرجعيات غير إسلامية ، تختلف حسب مقاصد واستهدافات المفكرين .

فالخطاب الثقافي /التأويلي الإسلامي ، يمتح حسب تحليلات الخطاب الإصلاحي من إحدى المرجعيات التالية :

1- المرجعية العربية المسماة جاهلية .

2- المرجعية التوراتية و التلمودية والهالاخية .

3- المرجعية الإنجيلية البولسية .

4- المرجعية الفارسية الزرادشتية ….الخ .

والحال أن النص التأويلي الثقافي ، ليس إلا جماع التفاعل بين النص المؤسس والثقافات المحلية والمعطيات التراثية السائدة . فالنص التأويلي ، يتوخى ، تكريس سلطة النص المؤسس ، واستثمار كل المعارف الممكنة حسب المتاح المعرفي والإبستمولوجي في كل ظرف ظرف . فالوضعية الدونية ، للأنثى وللمرأة ، معطى ثقافي راسخ في ثقافات الشرق القديم ، وقد تم ترسيخها ميثيا ، عبر النصوص الميثولوجية السومرية والبابلية وعبر الكتابات المقدسة اليهودية والمسيحية والإسلامية . ومن هنا ، فإن الاستعانة بالإسرائيليات ، ليس محض عودة إلى الهرطقات الكتابية أو إلى تشبث مشبوه بتراث الآباء ، كما يعتقد الشرفي ، بل هو استكمال لكلية الدلالة الكتابية ، المجملة في النص القرآني والمفصلة في الكتاب المقدس ، واستحضار للمعنى الميثي البعيد الموصول بالاشتغال الأسطوري الأولي على المعنى وعلى الحقيقة .

{{13- وضعية المرأة بين المودة والتعدد :}}

(وتجاهلوا بالخصوص سائر الآيات التي تؤسس لأخلاقية رفيعة يقوم عليها الزواج بمفهومه القرآني من سكون الزوجين أحدهما إلى الأخر ومن المودة والرحمة والإحسان والعدل ، والسبب الصريح الذي من أجله أبيح التعدد ، أي الخوف من عدم القسط في اليتامى ، وخصوصية الظرف الذي يكتنفه).

(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 158) .

كثيرا ما يعمد الشرفي إلى تحميل الأصوليين والفقهاء ، مسؤولية تحريف المقاصد الجوهرية للخطاب القرآني ، وعدم استيفاء مقتضيات الاستثمار الملائم والمطابق للقصد الرسالي . وفي هذا الإطار ، أشار إلى مضمون النصوص الداعمة لرأيه ، وسكت عن النصوص الإشكالية :

( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) ( النساء : 34)

( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) ( النساء – 3 )

( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن شعبة ، عن أبي قزعة ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما حق المرأة على الزوج ؟ قال : ” أن يطعمها إذا طعم ، و أن يكسوها إذا اكتسى ، ولا يضرب الوجه ، ولا يقبح ، ولا يهجر إلا في البيت “).

(- ابن ماجة – سنن ابن ماجة – اعتنى به وقدم له : محمد بربر – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى : 2006- كتاب النكاح – باب حق المرأة على الزوج – الجزء الثاني – ص . 321) .

فالنصان القرآنيان ، يؤكدان ما يلي :

1- قوامة الرجل على المرأة بسبب تفضيل الله للرجال وبسبب إنفاقهم على النساء .

2- التنصيص على طاعة المرأة للرجل والالتجاء في حالة النشوز إلى الوعظ والهجر والضرب.

3- التنصيص على تعددية الزوجات وعلى ملك اليمين .

وقد اصطدم الصادق النيهوم ومحمد الطالبي بهذه النصوص ، فاقترح النيهوم قراءة مخصوصة للضرب فيما طالب محمد الطالبي بتفعيل التحليل الاتجاهي والقراءة المقاصدية .

يقول النيهوم :

( فكلمة [اضربوهن ] ، إذا كتبت من غير نقاط ، وبالخط المستمد من شكل الأبجدية الآرامية ، التي يتشابه فيها حرف الضاد مع العين ، وحرف الراء مع الزين ، بحيث تبدو كلمة [اعزبوهن ] التي تلائم سياق النص على المقاس).

( – الصادق النيهوم – المسلمة لاجئة سياسية –الناقد – العدد 61- 1993- ص. 15) .

يقول محمد الطالبي :
( فإذا ما وجدت أن القرآن وجه وضع المرأة نحو تحسين حالتها إلى حد المساواة بينها وبين الرجل وإكسابها حقوقا لم تكن موجودة ، فمن الواجب أن أسير في نفس الاتجاه الذي يرسمه السهم ، أي التحرير المتواصل ، اعتدال متواصل ، عدل متواصل ، بشكل يقربني أكثر ما يمكن – مع اعتبار الوضع الذي أنا فيه اليوم – مما يقصده الشارع ، و أنا أفضل هذه الطريقة على طريقة القياس ، وهذا يمكن أن يصبح يوما محل إجماع إذا توفرت الدراسات التي تقنع بمطابقته لروح الإسلام ).

(- محمد الطالبي – عيال الله – أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين – دار سراس للنشر – تونس – الطبعة الثانية – 1992- ص . 144) .

تنهض هذه المعالجات ، حجة على ارتباك إستراتيجية الإصلاحية الإسلامية ؛ فلنقد المؤسسة الأصولية والفقهية حدود ، تفرضها صرامة النصوص ، وتأسيسها لتراتبية اجتماعية صارمة لا تساير دوما المنظور الحداثي ولا التدبير الحديث للعلائق الاجتماعية .

ومن الواضح أن الرؤية الإصلاحية تتبع منهجية مزوجة تتمثل فيما يلي :

1- رفض بعض النصوص الحديثية و التأويلات التراثية باعتبارها منافية لروح النص .

2- البحث عن مسلكية تأويلية تلوينية حين تصطدم بنصوص قرآنية إشكالية من منظور العقلانية والحداثة مثل ضرب المرأة الناشز مثلا أحيانا أو الإحالة على مقصديات مضمرة في النص هي برسم الاستكناه والاستكشاف .
فالمفكر الإصلاحي ، يرفض النص الحديثي والتأويل التراثي أحيانا ، مهما كانا معتمدين من قبل الأرثوذكسية السنية ، باسم رؤية تنزيهية للنص ؛ إلا أنه يتبع مسلكا مغايرا ، في الغالب ، حين يصطدم بنصوص قطعية الدلالة والثبوت ، حسب المعجم التراثي ، فيضطر إلى التأويل المتمحل عبر إضافة معاني غير وارد في المنطق القرآني إلى النص أو إلى الاستعانة بنصوص واردة في مساقات خطابية مختلفة ، بدون مراعاة تيبولوجيا الخطابات الفرعية داخل النص القرآني . فالتنصيص على المودة بين الزوجين ، يأتي في سياق ومساق معينين ، وإقرار التعدد يأتي في سياق ومساق مختلفين . كما أن مقارنة المساقين أو السياقين ، تستلزم استقراء كل المواضع النصية المتعلقة بالأنوثة وبمقاماتها الأخلاقية والتشريعية والتاريخية ، لاستخراج الرؤية النصية المتعلقة بالمواقع الاعتبارية للأنوثة والأنثوي في السيرورة الاجتماعية / السياسية .

{{14-شرعنة العنف المؤسس:}}

( قد يرى بعضهم في هذه الواقعية ( يقصد غزوة تبوك ) مدعاة إلى المؤاخذة ، مثلما قد يرى في المعاملة التي لقيها اليهود بعض القسوة ، ولكن الدعوة الدينية مضطرة إلى أن تأخذ في حسبانها قوانين الاجتماع الإنساني إن كانت ترغب في الانخراط في التاريخ ، وهذه القوانين تراعي ميزان القوى الفعلي ، ولا مكان فيها لعناصر الفتنة والتمزق من الداخل ومن الخارج على السواء. وينبغي أن يسأل الذين ينكرون هذه الواقعة إن خلا انتشار دين من الأديان التوحيدية من استعمال العنف ، وإن كانت لدعوة محمد حظوظ في استقطاب العرب وغير العرب لو بقيت محصورة في بضع مئات من المسلمين المستضعفين ، تهددهم قريش وتعمل على استئصالهم بكل الوسائل ، ويزرع اليهود بين ظهرانيهم الشك والريبة بدافع التمسك بدينهم وخوف التهميش أو الذوبان في المجموعة الناشئة ! فليس العنف إذن من مستلزمات الإسلام بقدر ما فرضته الظروف التي ظهر فيها. و أي تأويل آخر للآيات التي ذكر فيها القتال معزولة عن سياقها التاريخي تجن مرفوض على الحقيقة التاريخية) .

(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 75-76) .

لا تنفي الإصلاحية الإسلامية العنف الإسلامي الأصلي ، أو ما يمكن أن نسميه بالعنف المؤسس أو العنف المرجعي أو العنف المعياري . إلا أنها تعتقد ، أنه بالإمكان الفصل بين التاريخي واللاتاريخي في التجربة الإسلامية ، فيما تقرر العلوم الاجتماعية والفكر الحديث تاريخية الظاهرة الدينية جملة وتاريخية العنف القدسي عموما . فالعنف كما كشفت بحوث رونيه جيرار مرتبط ارتباطا لازما وضروريا بالمقدس ، ولا يمكن فصله عن المقدس إلا بضرب من التحكم أو من الاختزال أو المناورة التكتيكية المعهودة في المناظرات الكلامية أو في السجالات الفكرانية بين أرباب الإيديولوجيات .

ولما كان نص الشرفي المسوغ للعنف الأصلي في الإسلام غير مطابق للروح الإصلاحية ، فإننا نسجل عليه الملاحظات التالية :

1- تسويغ العنف الأصلي ، يحوله منطقيا إلى عنف مرجعي أو معياري أو بنيوي ، ولا يحده في حدود تاريخية لا يتعداها . فالتجارب المثالية والنموذجية ، لا توضع لتقرأ كنصوص وثائقية مرتبطة بسياق واحد لا تتعداه إلى غيره إلا من باب الاعتبار أو الاقتداء . فالنصوص والتجارب التأسيسية ، تؤسس لتجارب وأنماط مثالية وأمثولات ترميزية للمحاكاة والتوسيع وإعادة الاستعادة والصياغة . فهي نصوص تؤسس لصياغة الحياة ، وإدارة السلوك البشري ، وتنظيم العلائق بين الجماعات ولإضفاء معاني متسامية على علاقة الإنسان بالعالم والغيب والغير . وبالتالي فالعنف الأصلي عنف أنموذجي ، وضع ليقلد ويحتذى ويعمل به في السلوك الفردي وفي تنظيم الارتباطات الجماعية على نحو يحفظ المثالات الكبرى للجماعة الإيمانية وتماسك كونها الدلالي.وعليه ، فإن الإسلام وضع علامات العنف المحاكاتي أو العنف الشرعي أو العنف المثالي المطلوب من الأمة المكلفة بأداء واجب الشهادة على الآخرين ،أن تحاكيه،إذا استفحل العماء الدلالي أو نشبت الأزمة القربانية أو فتحت ثغرة في الجدارية الكتابية أو التعديدية أو النفاتية .

وبناء على هذه المعطيات ، فإن اعتبار العنف القرآني ، تاريخيا ، مرتبطا بلحظة التأسيس لا غير ، لا يستقرئ الدلالات الحقيقة للنصوص ويغلب مقتضيات الفكرانية على موجبات النظر الفكري المسدد .

2- اعتبر الشرفي العنف الإسلامي الأصلي ، بمثابة استجابة ظرفية لإكراهات زمانية لا مناص من مجراتها لإنجاح الدعوة . والحقيقة أن النص المؤسس ابتدأ بالمسالمة وانتهى إلى المقاتلة ، ولم يعلن في أي نص من نصوصه ، انتفاء العنف الجهادي بعد اكتمال الرسالة . لقد انتقل النص المؤسس من تسويغ العنف الرمزي ضد المعتقدات الأخرى ، إلى وضع الأسس العقدية للعنف القتالي بله الاستئصالي للغير باسم تنفيذ المشيئة الإلهية كما هو الحال في مهابدة بني قريظة .

3- اعتبر الشرفي الاستخدام الإسلامي للعنف القتالي والاستئصالي ضد اليهود خصوصا مشروعا ، ومسوغا من الناحية العملية ؛ أي أن العنف الاستئصالي للآخر المخالف للجماعة الصاعدة ، جائز في اعتبارات التاريخ . فهو يعتقد أن العنف الجهادي كان وسيلة ضرورة لحماية الدين الجديد من تهجمات وتشغيبات وتلبيسات اليهود على المجتمع اليثربي ، ولنشر العقيدة الجديدة بين العالمين . لا يملك الشرفي أمام ضراوة الوقائع ، إلا تبرير ما لا يقبل التبرير ، وتسويغ ما لا يقبل التسويغ ، وتأويل وقائع بما لا يستجيب لسياقها المخصوص .

( قال ابن إسحاق : ثم استنزلوا : فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث ، امرأة من بني النجار ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة ، التي هي سوقها اليوم ، فخندق بها خنادق ، ثم بعث إليهم ، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق ، يخرج بهم إليه أرسالا ، وفيهم عدو الله حيي بن أخطب ، وكعب بن أسد ، رأس القوم ، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول : كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة . وقد قالوا لكعب بن أسد ، وهو يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا : يا كعب !ما تراه يصنع بنا ؟ قال : أفي موطن لا تعقلون ؟ ألا ترون الداعي لا ينزع ، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ هو والله القتل ! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

(-ابن هشام – السيرة النبوية – حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها : مصطفى السقا و إبراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي – دار ابن كثير – دمشق – بيروت – الطبعة الثانية –2003-ص.797-798).

فالعنف الجهادي والاستئصالي هو النتيجة المنطقية للعنف الرمزي والنظري ( اعتبار اليهود حفدة القردة مثلا ) ؛ فالعنف القرآني تأسيسي ، بمعنى أنه يرمي إلى ترسيخ سلطة الجماعة المؤمنة في حيز معين ضد المنافسين العقديين ومثيري الأزمة المحاكاتية والعنف التبادلي . وبما أن الحيز الافتراضي لعقيدة كونية مثل الإسلام ، هو العالم كله ، فإن العنف التأسيسي ، ليس إلا البذرة المفروض من المخلصين لاكتمال وكونية العقيدة ،أن يعمموها . والتعميم الكوني للعقيدة ، يقتضي الاصطدام بالأغيار العقديين أي باليهودي والمسيحي والهندوسي والمندائي والزرادشتي والبوذي . ومواجهة هؤلاء تقتضي استرجاع السلوك النبوي المؤسس ، والاجتهاد بناء على القياس الشرعي ، لتحقيق المقاصد الأصلية . ولكل هذه الاعتبارات ، فإن سعي الشرفي إلى حصر العنف الأصلي ، في سياق ضيق ، ينكر غياب أي نص يؤكد على ظرفية العنف الجهادي، أولا ،وكونية الإسلام ثانيا . فمادام الإسلام عقيدة كونية ، فمن الواجب على المسلم الوفي للمثال المحمدي ،أن يقتدي بمسلكيته الرسالية ، وأن يحل الأغيار المنافسين على الرأسمال الرمزي التوحيدي إلى حيز الذمة ، والنفاتيين واللادينيين او التعديديين إلى حيز الأسلمة القسرية أو الإفناء المنهجي .

بناء على هذا التحليل ، فإن المقاربة المهادنة للشرفي للعنف الأصلي ، تشف ، تحقيقا، على تخاذل الإصلاحية حيث لا يحق التخاذل .

4- تسويغ الشرفي للعنف الأصلي ، باسم الواقعية التاريخية ، يخالف تأكيده على حقوق الإنسان وكرامة الشخص البشري وعلى الايطيقا الكونية . فالعنف الأصلي حافل بنماذج ذات حمولة كبيرة ، مثل حالة أم قرفة .
( قال ابن إسحاق : فلما قدم زيد بن حارثة آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة ؛ فلما استبل من جراحته بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني فزارة في جيش ، فقتلهم بوادي القرى ، وأصاب فيهم ، وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر ، وأسرت أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر ، كانت عجوزا كبيرة عند مالك بن حذيفة بن بدر ، وبنت لها ، وعبد الله بن مسعدة ، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر أن يقتل أم قرفة ، فقتلها قتلا عنيفا ؛ ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة ، وبابن مسعدة).

(-ابن هشام – السيرة النبوية – حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها : مصطفى السقا و إبراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي – دار ابن كثير – دمشق – بيروت – الطبعة الثانية –2003-ص.1104).

{{15- الجهاد تنزيل أم تأويل ؟}}

(وإن دل ذلك على شيء فعلى أن الإسلام ليس في حاجة إلى العنف لكي ينتشر ، وأن الأغراض المحض دنيوية هي الدافع الحقيقي للحروب التي شنها المسلمون الأوائل على البلدان المجاورة لهم ، واستنكف عن استعمال الأوصاف الموضوعية التي تنطبق عليها ، كالاحتلال والغزو والاستعمار – حسب المفهوم الحديث – فاعتبرت جهادا في سبيل الله وتطبيقا لإرادته وسيرا على سنة نبيه . ومعنى أنه تم تأويل الغزوات التي قام بها الرسول لغاية الدفاع عن وجود الدين الجديد ذاته على أنها غزوات هجومية ، وتمت المماهاة بينها وبين ما قام به المسلمون بعده ، فأضفيت عليه مشروعية لم يكن لينالها لولا هذه المماهاة وهذا القياس )
.
(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 115) .

يسعى الشرفي ، إلى نزع الشرعية الرسالية عن الفتوحات الإسلامية ، وذلك بالتمييز بين الجهاد القرآني والنبوي والجهاد الصحابي السلفي التاريخي القائم على تطلعات مادية واقتصادية ذرائعية . فهو متمسك بما سمي بجهاد الدفع النبوي ضدا على جهاد الطلب الصحابي .

وقد استند على انتشار الإسلام السلمي بشرق آسيا ومناطق بإفريقيا السوداء ، للتأكيد على أفضلية نشر الإسلام بالمحاورة والإقناع . وتأسيسا على ما سبق، فإنه ينتصر لطريقة الصوفية في نشر الإسلام ضدا على طريقة الصحابة والتابعين والسلف القائمة على العنف المنهجي والاستئصال الجذري للثقافات والعقائد بالمناطق المفتوحة.
والحقيقة أن نظر الشرفي، لا يحكم التصويب بالنظر إلى ما يلي:

1- عدم التفاته إلى العنف الروحي أو الرمزي ؛ والعنف الرمزي مباطن للنص المؤسس ؛ وعليه ، فإن حصر العنف في الجهاد القتالي ينكر خطورة العنف الرمزي ؛ فالعنف المادي ليس إلا تتويجا لعنف الحقيقة ولعنف الفكر ولعنف العقيدة ،

2- عدم بحثه في تاريخية العنف التوحيدي مثلما فعل في تناوله لقضية المرأة؛ فالعنف الرمزي والمادي الإسلامي، موصول بالتقاليد القتالية التوحيدية العريقة. فقد أظهر اليهود والمسيحيون ، طيلة قرون ، ضراوة في نفي واستئصال الآخر ، وفي فرض الحقيقة الإيمانية التوحيدية على الثقافات ذات الطابع التعديدي أو الوثني .

نقرأ في سفر التثنية ما يلي :

( حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك . و إن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. و أما النساء و الأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا . و أما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما ،بل تحرمها تحريما الحيثيين و الأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك).

( التثنية / الأصحاح العشرون / 10/17)

فتفسير الجهاد القتالي لمسلمي الفتوحات ، بالطابع الاقتصادي أو النفعي الذرائعي ، لا يكفي في اعتبارنا ، بالنظر إلى تغييب هذا التفسير للسند الرمزي أو الفكري أو النظري . وقد اشرنا إلى انتساب الجهاد القتالي الإسلامي إلى التقاليد الجهادية التوحيدية بشهادة القرآن نفسه.

يقول الشوكاني : ( وقوله : ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) إخبار من الله سبحانه أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة والإنجيل، كما وقع في القرآن …)

(- محمد بن علي الشوكاني – فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير – اعتنى به وراجع أصوله : يوسف الغوش – دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى -2002- ص -601) .

3- السكوت عن المستندات القرآنية للجهاد القتالي التوسعي . فالنص القرآني ، صريح في دعوته إلى التوسع عبر الجهاد القتالي أو عبر ما سمي بجهاد الطلب .

( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) ( النساء : 74) .

(يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) .(الأنفال : 15-16)

( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) ( التوبة 111).

فالنصوص القرآنية السابقة، صريحة في التنصيص على شرعية بل حتمية القتال، في سبيل نشر الفكرة الإسلامية.فالجهاد الفكري أو الدعوي أو العنف الرمزي ، لا بد أن يتجسد في مؤسسة قتالية اسمها الجهاد . والجهاد القتالي ، ليس محدودا بعصر دون عصر ، أو برقعة أرضية دون أخرى ، فهو وعد تعهده الله وأقره في الكتب المقدسة الثلاثة . فالجهاد القتالي غير مرتبط بوضعية تاريخية متعينة ومحددة السمات ، بل هو سيرورة متدفقة في الزمن القدسي ، وموصولة بتاريخ الوصل بين السماء والأرض . وبناء على هذا الإقرار ، فإن اعتبار الجهاد المحمدي ، جهادا حصريا مرتبطا بحماية العقيدة الجديدة ، من الأعداء التاريخيين والعقديين ، مخالف للحقيقة في اعتبارنا . فالحقيقة القرآنية ، قائمة جوهريا ، على الإقرار المطلق بضرورة سيادة الحاكمية الإلهية وبالأفضلية المطلقة للمعتقد الإسلامي على سائر المعتقدات الأخرى . والإقرار بالأفضلية العقدية يقتضي الإقرار بالأفضلية التداولية أي الأفضلية السياسية والتاريخية للأمة المتفردة بأداء واجب الشهادة على الآخرين .

4- رفض المماهاة والقياس والاستمرارية الروحية القائمة بين الجهاد المحمدي والجهادي الصحابي . فتمتيع الجهاد المحمدي ، بالصفة الاستثنائية يخالف أبسط مقتضيات التاريخية ،طالما أنه يروم عزل التجربة المحمدية عن إطارها الزماني والتاريخي المشمول بنسغ التاريخ البشري ولهيبه المتدفق دوما .وتتضح مساحة التناقض في تحليل الشرفي إذا استحضرنا ، تنصيصه على اندراج النبوة والعمل التاريخي المحمدي في حقائق التاريخ المشمولة بالعنف والذرائعية ومراعاة ميزان القوى .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق