تعقيبا على مقال شاكر النابلسي

قد نختلف في مدى فاعلية الفكر الوهابي ومدى تورطه في أحداث الإرهاب في أصقاع متباعدة وعديدة في العالم ولكننا لا نختلف في مدى مسؤوليته، عن الانغلاق الفكري والتعصب المذهبي في أقطار عديدة من بلاد العرب والمسلمين..بل يكفي أنه وراء تغييب قيم الحداثة عن ملايين من البشر في الجزيرة العربية وقدرته التحريضية على فرملة توجه عشرات الملايين في أصقاع أخرى إلى الوضع الطبيعي للبشر كي يجنوا ثمار التمدن الإنساني حتى لا تكون كل علاقتهم بالحداثة أنّهم يعاصرونها.. وقولنا هذا لا يعني البتة أنّنا نبرئ الفكر الإخواني، ولا أننا نتعاطف معه طبعا، ولا نرى مسؤوليته هيّنة في ما وصلت إليه حال العرب والمسلمين، ولا في إشعال لهيب العنف في أكثر من بلد عربي، واستعمال الآليات نفسها المنطلقة من التكفير وصولا إلى الإرهاب بشتى أشكاله وتجلياته. وربما كان هذا مربط الفرس ومبعث شك العديد من القراء في النوايا التي دفعت الأستاذ النابلسي إلى كتابة ما كتب في مقاله الصادر بالأوان في 13-5-2008، فما الفرق بين الإخوان الوهابيين والإخوان المسلمين في مسائل متعددة تبدأ بالقول بجاهلية المجتمع ونفي قيم الحداثة ولا تنتهي بإهدار دم المخالفين وشرعنة الإرهاب؟

في الحقيقة لا أعتقد أنّ الأستاذ النابلسي لا يعلم الوشائج الرابطة بين المدرستين، ولا أعتقد أنّ المقال مكتوب دفاعا عن المذهب الوهابي، ولا أنّه يتوجه إلى النظام السعودي تقرّبا أو طمعا، وأخشى أن أكون محقّا عندما أعتبر هذا المقال منخرطا في الموجة الهادفة إلى تثبيت الثقة الأمريكية في النظام السعودي، أو ربّما ردة فعل على المعلومات المتدفقة حول مفاوضات أمريكية مع الإخوان المسلمين في مصر، وحول صفقة تهدف إلى إدماجهم في الحياة السياسية المصرية لم تتسرّب معلومات مؤكدة ـ إن صحّت الحكاية كلها ـ حول تفاصيلها.. نأتي إلى مقال السيد النابلسي، فنلاحظ بادئ ذي بدء أنّه انبنى على جملة من المعطيات انطلق منها الكاتب باعتبارها بديهيات بنى عليها استنتاجات وأحكاما كأنّه ضامن أنّ معطياته حقائق ثابتة لا غبار عليها.

أوّل هذه المعطيات أنّ كارثة 11أيلول/سبتمبر 2001 كانت المنطلق في ربط الإرهاب بالفكر الوهابي. وفي هذا لعمري بخس لتاريخ وهّابي طويل وعريق في الإرهاب بشتّى أنواعه، فهذا التيّار ومنذ انطلاقته في جزيرة العرب في القرن الثامن عشر ارتبط بالعنف، سواء عبر الحملات العسكرية داخل الجزيرة العربية والتي كانت تحظى بتسمية “الغزوات” ما دام الطرف المقابل منعوتا بتسمية “المشركين”، أو تلك التي طالت الأراضي العراقية أو الأردنية مع الدولة السعودية الثالثة. وتحفل الأدبيات الوهابية التي أرّخت لهذه “الغزوات” بالجهاز المفهومي والاصطلاحي نفسه الذي نعرفه في سيرة الرسول محمد وكتب المغازي التي وصلتنا من القرنين الثاني والثالث للهجرة، فهل الحملات “الغزوات “على التجمعات الشيعية في الجزيرة العربية وما كان يصاحبها من تقتيل وتنكيل وسلب ونهب وترويع وتجويع لا يدخل في مجال الإرهاب؟ وهل الغزوات المنظمة مرارا وتكرارا تجاه الأماكن الشيعية المقدسة في العراق وما كان في كل مرة يصاحبها من قتل وإحراق للديار والمساجد والمقامات بعيد عن الإرهاب؟ نقرأ مثلا في كتاب “عنوان المجد في تاريخ نجد” للمؤرخ الوهابي ابن بشر وصفه للغارة التي شنها الأمير سعود على كربلاء : “إنّ سعود سار بالجيوش المنصورة …وقصدوا أرض كربلاء، ونازل أهل بلد الحسين فحشد عليها المسلمون وتسوّروا جدرانها ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وأخذوا جميع ما فيها من الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة…وقتل من أهلها قريب ألفي رجل، ثم إن سعود ارتحل منها فجمع الغنائم وعزل أخماسها وقسم باقيها على المسلمين غنيمة للرجل سهم وللفارس سهمان”.

ألم يكن الأمراء السعوديون يقومون بتصفيات للمخالفين وأحيانا بأوامر واضحة لا لبس فيها من مرجعيات وهابية عليا مثل اغتيال سليمان بن خويطر بأوامر من الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه، لا لذنب إلا أنّه روّج الكتاب الذي كتبه سليمان بن عبد الوهاب “شقيق مؤسس الوهابية” والذي رفض فيه ما يفعله أخوه من تكفير لمخالفيه من المسلمين؟..

أمّا داخل العائلة الحاكمة فحدّث ولا حرج، وأعفي القارئ الكريم من الاسترسال لأكتفي بحوادث متلاحقة. ففي ظرف وجيز اغتيل الأمير تركي بن عبد الله على يد ابن أخته مشاري بن عبد الرحمان بن مشاري بن سعود، وقبل الوهابيون وفي المقدمة آل الشيخ بالأمر الواقع، ثم لما انتقم فيصل لأبيه بعد شهور قليلة، لم يجد آل الشيخ والوهابيون غضاضة من مبايعته.. ويمكن للقارئ أن يتعرّف على هذه الآلية الغريبة في انتقال السلطة عن طريق التآمر والاغتيال طيلة عشرات السنين خاصة في الدولة السعودية الثانية ودائما بمباركة من الأئمة الوهابيين من المصادر الوهابية نفسها..

البديهية الثانية التي انطلق منها الأستاذ شاكر أن الدولة السعودية الثالثة قد تخلصت من الإخوان الوهابيين، وهذا صحيح. تخلصت منهم باعتبارهم تنظيما سياسيا استنفد الغرض من وجوده الذي باركته العائلة السعودية عندما كان يخدم مصالحها، وتخلصت منه عندما صار عبئا عليها، لا لخلاف في العقيدة أو في تكفير المخالفين بل لأن الملك عبد العزيز كان بصدد بناء دولة في مواضعات دولية مختلفة عما كان عليه الأمر في القرنين السابقين، بينما بقي الإخوان الوهابيون يسعون إلى الغزو والنهب والسلب، دون أن يدركوا التحولات الحاصلة والتي جعلت قائدهم السابق يتبرأ منهم أولا ويحذرهم ثانيا ثم يقضي عليهم في مرحلة أخيرة. لم يفهموا أن الوضع في المنطقة لم يعد يحتمل وجود منطق الغزو والنهب والتشريد، ولا منطق التوسع المربك للتوازنات القائمة أو المقرّرة للمنطقة، وأن العراق قد صار تحت الإشراف البريطاني الذي لا يتسامح مع هذا الوضع الغريب، وأنّ دولة الأردن الناشئة في إطار النظام الإقليميّ الجديد غير مسموح بأن يهتز الوضع الناشئ فيها. وعلى كل فمسألة التخلص من هؤلاء الإخوان لم تكن مؤثرة على الفكر الذي كانوا يعتنقونه، فالترهيب تجاه أي فكر مخالف ما زال متواصلا، وفرض تأويل للدين لا يتقبل نقاشا ولا مراجعة، واستمرار الحسم في قيم الحداثة ومعاملة الناس معاملة الرعايا بعيدا عن أي مفهوم للحكم الرشيد وعن قيم المواطنة وحقوق الإنسان.. وغير ذلك من “المنجزات” ما زالت مستمرة هي الأخرى ومتواصلة إلى الآن كما لو أن الإخوان الوهابيين ما زالوا موجودين، والمطوّعة هم الخلف الأفضل لهذا السلف الرائع المروّع. الإخوان الوهابيون لم يفهموا لسوء حظهم أنّ بريطانيا الخارجة منتصرة من الحرب العالمية الأولى والتي كانت تقوم وقتها بالترتيبات اللازمة لتقرير المصير النهائي لفلسطين، وما كان يقتضيه ذلك من قضاء على أيّ تطلعات توسعية من أي بلد عربي باسم خلافة الخلافة العثمانية المحتضرة، لم تكن تنظر بعين الرضى إلى التوسع الوهابي الذي يريد إعادة سيرة “السلف الصالح” في الغزو والفتوحات الإسلامية، وأنّ الدولة السعودية الثالثة قرأ مؤسّسها الدرس جيدا عندما كان لاجئا في الكويت وكان شاهدا على الدور البريطاني في حماية إمارة الكويت من التهديدات التي كانت تأتي من عمق الجزيرة العربية، فلم يكن أمامه إلا إيقاف الإخوان الوهابيين وإيقاف أي تطلعات توسعية أو طموحات إلى خلافة الخلافة العثمانية، حتى يبرز للحلفاء البريطانيين محدودية تطلعاته وقناعته بأن يكون حاكما على ما تيسر من أرض الجزيرة، والابتعاد بالتالي عن التكفير الواضح والمباشر للدول المجاورة، وعن تحليل السلب والنهب تجاه شعوبها ومتساكنيها، دون أن يغير ذلك كثيرا من جوهر التعالق بل التشابك بين الدولة والمذهب الذي تأسس عليه مشروعها.

%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%A8%D8%A7-%D8الجزء الثاني من هذا الردّ على الرابطhttp://www.alawan.org/%D8%AA%B9%D9%… مقال شاكر النابلسي على الرابطhttp://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This