الميتافيزيقا كحاجة واقعية

في الوقت الذي يخلط فيه الكثيرون بين الميتافيزيقا و(علم الغيب) أو الغيبيات ، على اعتبار أن كلا المصطلحين يدلان على قوى مافوق طبيعية . فإن هناك تباينا واختلافا حاسما وجوهريا بين المفهومين أو المصطلحين .فمع أن المصطلح الأرسطي دل من حيث اشتقاقه اللغوي على (ما بعد الطبيعة ) إلا أنه فارق دلاليا ومنذ البداية معناه الإشتقاقي .
فقد دلت الميتافيزيقا ضمن النسق الفكري التفسيري للعالم عند أرسطو على ما يتجاوز التفسير ضمن المبادئ والأسس المنطقية الواقعية(العلمية ) التي وضعها أرسطو لفهم العالم الفيزيقي أي الطبيعي المتضمن بالطبع ما هوإنساني،وبالتالي كان لابد لأرسطو من اعتماد مبادئ أخرى لفهم العالم المابعد طبيعي والتي من المعروف أن أرسطو وصل بها إلى المحرك الذي لا يتحرك (المعطل عن الحركة)  هذا المفهوم الميتافيزيفي كليا بمعنى أنه ناتج عن التأمل العقلي والفلسفي لأصل العالم، والذي  لاصلة له من قريب أو بعيد بالله كما تعرفه الأديان،لا من حيث الوظيفة ولا من حيث الكينونة، ولاحاجة للتذكير أن الغيب والإيمان الغيبي هو العماد الذي يرتكز عليه أي دين على الإطلاق.
وبالتالي فالميتافيزيقا هي مفهوم يحتاجه الفكر ليستخدمه في مرحلتين :
الأولى هي عندما يريد وضع مبادئ أولى وأسس جديدة لعلم طبيعي، فمثلا قوانين العقل التي وضعها أرسطو هي مبادئ أولى وأسس أقام عليها فهمه للعالم الفيزيقي (علمه)، فلا برهان أبدا على قانون الهوية أو عدم التناقض ….إلخ بل أن هذه المبادئ واضحة بذاتها  وكلية وضرورية لكل من يريد أن يعرف العالم علميا حسب أرسطو ،لذلك سمى أرسطو الميتافيزيقا بالفلسفة الأولى، فمبادئ العقل أومبادئ العلم الطبيعي،كالسببية والحتمية مثلا،هي بذاتها مبادئ ميتافيزيقية وأولية يقبلها العقل كما هي وبدون أي إثبات ليبني عليها وينشئ من خلالها علومه الفيزيقية.
ذات الشيئ نستطيع قوله عن مبادئ ريمن أو لوباتشوفسكي في الهندسة أو كوبرنيكوس في علم الفلك على سبيل المثال ،وهنا لابد من الإشارة إلى أن ،الكثير من المفكرين المحدثين والمعاصرين، كتوماس كون على سبيل المثال لا الحصر، ممن أخذوا فكرة الأساس الميتافيزيقي للعلم وأن لكل علم مبادئه المفارقة جوهريا لأي علم آخر، ليقولوا بأن لا تفاضل بين البنى والأنساق والنظم المعرفية لأنها جميعها تزودنا بأدوات معرفية نستخدمها لفهم وتفسير العالم المحيط بنا .
فنظام بطليموس لايختلف عن نظام كوبرنيك سوى بالفترة الزمنية ،وكلا النظامين هو بنية مستقلة ذات أسس ومبادئ تكوينية، وبالتالي ميتافيزيقية،نستطيع إذا أخذناها على حدى أن نرى العالم بطريقة مختلفة.
وبهذه الطريقة أراد هؤلاء أن يسلبو من العلم تاريخيته وتطوره المطرد عبر التاريخ في اكتشاف حقائق الوجود.

وبالعودة إلى موضوع بحثنا فلو اعترض معترض بالقول أن العلم الحديث ومنذ عصر النهضة  فارق الميتافيزيقا ليعتمد أسس جديدة تقوم على الملاحظة والفرضية والتجربة( كما فعلت الوضعية)، لقلنا له، بأن لا علم دون ميتافيزيقا مؤسِسة، سوى العلم المشتق من علم مبني على ميتافيزيقا ،فمع أن الملاحظة والتجربة واقعيتان واستقرائيتان إلا أن الفرضية كرابط ومؤسس للتجربة هي استدلالية وعقلية بحتة وضامن ميتافيزيقي للتجربة ،لذلك فإذا ما فشلت التجربة سيضطر العالم المبدع لأن يصوغ فرضيات  تكون جديدة وأصيلة كليا إذا ما أراد إنشاء علمه.

المرحلة الثانية من مراحل التفكير الميتافيزيقي هي عندما يريد العقل أن يفكر في المآلات التي قد يصل إليها أو ينتهي عندها العالم الفيزيقي،وهنا يأتي دور الفلسفة والتأمل الفلسفي، هذا التأمل الذي يصيب كانط عندما يقول أنه يبقى أجوفا إذا لم ُيتضمن بالعلم ويخطئ ماركس عندما يعلّمنه حتى النهاية ويحكم بحتمية نهاية التاريخ الشيوعية.
وهذا برأينا من الأخطاء الشائعة في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة وهو يحمل نقيضين ،دون أي بعد ديالكتيكي، على موضوع واحد.
الأول ناتج عن تمديد العلم الفيزيقي ،أو نتائجه،دون أي فاصل،كما فعل المعلم الأول،نحو ما هو بطبيعته ميتافيزيقي ،وهذا ما حصل مع ماركس وغيره من أصحاب النهايات، فقراءة قوانين الرأسمالية الصحيح ماركسيا يخطئ عندما يحكم بحتمية التحول الشيوعي ،فالحتمية هنا هي ما حول (العلم) المفتوح بنيويا إلى ايديولوجيا سياسية مقفلة توقعنت على شكل ديكتاتوريات توتاليتارية مغلقة.

أما الخطأ الثاني، وهو الخطأ الأكثر شيوعا بين المثقفين من المهتمين ولكن غير المختصين،فهو الدمج بين الميتافيزيقا وعالم الغيب وكأنهما شيئا واحدا فيمكن للأول أن يحل محل الثاني والعكس دون أي خلل دلالي أو معرفي،ولهذا الخلط أسبابه التاريخية والإيبستمولوجية التي لا يسعنا ذكرها في هذا البحث.
إلا أن أحد أهم نتائج هذا الخلط على المستوى التاريخي هي أن يتشرعن الغيب الغير قابل بطبيعته للشرعنة ،إلا على المستوى الشخصي، ليأخذ المكانة التي كانت على عاتق الميتافيزيقا قديما وبالتالي يحل الدين مكان الإسطورة، والله مكان المحرك الأول، والإيمان الممنهج محل التفكير النقدي والتأمل العقلي، والمعجزة محل الصدفة المحضة والعرض الكوني،وأخيرا اللاعقلي مكان العقل.

هي اذا محاولة لإعادة الإعتبار للميتافيزيقا  كضرورة واقعية مؤسسة لبداية أي علم على الإطلاق وضرورة لحد وفتح أفق العلم اللامتناهية ،مع التأكيد مرة أخرى بأن الميتافيزيقا من حيث بنيتها الإبستيمولوجية لاتتدخل أو تدخل في بنية العلم الواقعية بل تؤسسه لتحده وتبدأ من خلاله ،وهنا بالضبط تفارق الميتافيزيقا الدين وبالتالي (علم الغيب) والغيبيات المباطنة لكل دين سماوي أو أرضي .
فعالم الغيب الذي بنى لنفسه أسسا شامخة على امتداد الألفي سنة الماضية لا يكتفي  بمحاصرة العالم الواقعي من مبدأه حتى منتهاه ،مع أن هذا قد يكون من حقه،فلا أحد يستطيع أن يجزم علميا إن كانت بداية العالم خلق من الله أم من الإنفجار الكبير، أم إن كان سينتهي بالشيوعية أو بالقيامة.بل إنه(أي عالم الغيب) يمدد ذاته عبر العالم الواقعي ومن ثم العلمي جيئة وذهابا ويضع نفسه في موقع القلب الداخل في تركيبة العلم وتركيبة الواقع، بل وفي كثير من الأحيان ليكون بديلا عن كليهما معا عبر ما يسمى عادة إعجاز أو معجزة.
وأكثر من أن تعد أو تحصى تلك التفسيرات الغيبية لظواهر وانجازات علمية بحتة، كالإستنساخ ،أو الذرة، أو كروية الأرض، و(علم الغيب )هنا لا يرضى بأقل من التفسير لا التأويل كما قد تفعل الميتافيزيقا.

بكلام أخير .إن حاجة الإنسان للميتافيزيقا هي حاجة ،بمعنى ما علمية، ليتجاوز نفسه عبر تجاوز مكونات وجوده الواقعي وليفتح ممكنات مكوناته العقلية والنفسية ولكي لا يُختزل عبر أنساق وضعية أو غير وضعية.
ولكن الخطورة تكمن عندما تُحول الميتافيزيقا إلى علم غيبي أو تُخلط ديماغوجيا به ، ومع الأسف أن تلك الأخطاء وقعت وما زالت شائعة في عالم الفكر والثقافة وكثيرا ما حولت رجال فكر وعلماء ومثقفين إلى أنبياء غيبيين ، وأظهرت رجال وحي وغيب ودين على أنهم علماء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق