الإنجيل برواية القرآن “ابن الله” في العهد الجديد

من عرضنا السابق للطريقة التي استخدمت بها الأسفار التوراتية، وكتابات ما بين العهدين (الأسفار غير القانونية)، لقب”ابن الله”، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن اللقب لا يعدو أن يكون مجازاً لغوياً يعبر عن حميمية العلاقة بين الله ومسيحه. وقد عبر مؤلفو العهد الجديد عن هذه الصلة أفضل تعبير، حيث ورد عند متى ولوقا القول التالي ليسوع: “كل شيء قد دُفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له.” (متى11 : 27 ولوقا10 : 22). فالابن يكشف عن أسرار الله، ويفتتح ملكوته على الأرض، ولهذا فهو أقرب بني البشر إليه وأكثرهم معرفة له. وفي الحقيقة، فإن طريقة استخدام مؤلفي الأناجيل الإزائية لهذا اللقب، تدل على أنهم لم يعنوا به أكثر مما عنى به مؤلفو أسفار العهد القديم وكتابات ما بين العهدين. فهو اللقب الذي يتصل عضوياً بلقب المسيح ابن داود المنتظر الذي يفتتح ملكوت السماوات. ولم يكن في ذهن بطرس غير هذه الصورة عندما قال ليسوع: “أنت المسيح ابن الله الحي” (متى16: 16). ولذلك فقد نهاهم أن يخبروا أحداً بأنه المسيح. وهذه الصورة هي التي كانت في ذهن كبير الكهنة عندما سأل يسوع أثناء جلسة الاستجواب: “استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟” (متى26 : 63)،

أو “أأنت المسيح ابن المبارك؟” (مرقس14 : 61). أما الحاكم بيلاطس الذي لم يكن يعرف شيئاً عن لاهوت العهد القديم، ويركز اهتمامه على التداعيات السياسية لقضية يسوع فقد كان يسأله: “أأنت ملك اليهود؟” (مرقس15 : 3).

كما نجد يسوع في الأناجيل الإزائية متحفظاً تجاه لقب ابن الله تحفُظه تجاه لقب المسيح، وهو لم يستخدمه في الإشارة إلى نفسه. وفي مناسبتين اثنتين أشار إلى نفسه بلقب “الابن”. فإلى جانب المقتبس الذي أوردناه أعلاه حيث يقول: “لا أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن”، هناك مناسبة ثانية استخدم فيها يسوع لقب الابن، عندما أعلن لتلاميذه أنه لا يشارك الله في علمه ومعرفته، وذلك في معرض حديثه عن موعد اليوم الأخير: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الإبن، إلا الآب (وحده يعرف)” (مرقس13 : 32 ومتى24 : 36).

فيما عدا هاتين المناسبتين فقد كان لقب ابن الله يطلق على يسوع من قبل جهة أخرى يضع مؤلفو الأناجيل على لسانها هذا القول: “فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء. وإذا السماوات انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه، وصوت من السماوات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت.” (متى3 : 17). وتتكرر المقولة نفسها في مشهد التجلي على الجبل: “فجاء صوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا. فنظروا حولهم بغتة ولم يروا أحداً غير يسوع وحده معهم.”(متى17 : 5 ، ومرقس9 : 7 ، ولوقا9 : 35). وكانت الأرواح النجسة التي يخرجها من أجسام الممسوسين تصرخ وتقول “أنت ابن الله” (مرقس3 : 11 ومتى8 : 29). وعندما رُفع يسوع على الصليب راح اليهود يهزؤون منه قائلين: “إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب.”(متى27 : 39_40). وعندما رأى الضابط الروماني الظواهر الطبيعانية التي ترافقت مع موت يسوع، قال والذين معه “حقاً كان هذا ابن الله”. (متى28 : 54).

في جميع هذه المواضع التي ورد فيها لقب ابن الله في الأناجيل الإزائية، لا نستطيع أن نستشف وجود نوع من الوحدة بين الآب و الإبن. لقد قال الصوت السماوي”هذا هو ابني الحبيب”، وتوجه يسوع إلى ربه قائلاً يا أبتاه. ولكنه في الوقت نفسه قال للتلاميذ “أبي وأبوكم” و”أبوكم السماوي”. فالله أب لجميع الناس و كلهم أبناؤه، ولكن يسوع باعتباره صفوة بني البشر كان أقرب الناس إليه وابنه الأحب إليه. ويجب أن لا ننسى أنه قد ولد دون أب بشري. وما من أب له سوى الله. وعلى حد قول الملاك لمريم: “الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله”.

إذا انتقلنا إلى الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا، تواجهنا أقوال مطولة ليسوع لم ترد في الأناجيل الأخرى، الأمر الذي يجعل إنجيل يوحنا إنجيلاً فريداً بين الأناجيل. ولطالما أُخذت هذه الأقوال على أنها إعلان من قبل يسوع لألوهيته، وعليها قامت بالدرجة الأولى عقيدة التثليث التي نسجها اللاهوت المسيحي اللاحق. فهل تحتمل أقوال يسوع في هذه الأناجيل ما حُمّلته؟ سيكون مفتاحنا للإجابة على هذه السؤال هو الكيفية التي استخدم بها يسوع ومؤلف الإنجيل لقب “ابن الله”، واللقب الآخر وهو “الإبن”.

في إنجيل يوحنا يستخدم الآخرون لقب ابن الله في الإشارة إلى يسوع مثلما يستخدمه بحرية هو نفسه دون تردد مثلما قَبِلَ لقب المسيح واستخدمه. وفي هذه المواضع يُستخدم اللقب كمرادف للقب المسيح (كما هو الحال في الأناجيل الإزائية) الذي يأتي في نهاية الزمن قاضياً وديّاناً. فالمعمدان قد تعرف عليه منذ اللحظة الأولى باعتباره المسيح ابن الله: “إن الذي ترى الروح ينـزل عليه فيستقر، هو ذاك الذي يُعمّد في الروح القدس.وأنا رأيته وشهدت بأنه ابن الله”. (1 : 33). وقال له التلميذ نتَنائيل: “يا معلم أنت ابن الله،أنت ملك إسرائيل”. وقال له بطرس: “نحن قد آمنا وعرفنا أنك المسيح ابن الله الحي”(6 : 69)، وعندما شفي أعمى منذ الولادة قال له: “أتؤمن بابن الله؟ أجاب ذاك وقال: ومن هو يا سيد لأؤمن به؟ فقال له يسوع: قد رأيته، والذي يتكلم معك هو هو”(9 : 35_37). وعندما شفى مريضاً في يوم السبت شغبَ اليهود عليه فقال لهم: “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضاً إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله”(5: 17_18). وهو في دور المسيح المنتظر سوف يأتي في آخر الزمان قاضياً ودياناً: “الحق، الحق أقول لكم، إنه تأتي ساعة، وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون” (5 :25). “لا تتعجبوا من هذا، فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة” (5 : 28_29).
وينفرد إنجيل يوحنا عن الأناجيل الإزائية بلقب “الإبن” الذي يعطيه منـزلة فوق كل منزلة في سلم الخليقة، وبلقب “الابن الوحيد”: “الله لم يره أحد. الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب أخبر عنه” (1 : 18). “لأنه هكذا أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم. الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دِينَ لأنه لم يؤمن بابن الله الوحيد” (3 : 16_18). وبنوّة بقية البشر لله لا تُعطى إلا من خلال يسوع: “آمنوا بالنور (=يسوع) لتكونوا أبناء النور” (12 : 36) “أنا هو الطريق والحق والحياة. لا يمضي أحد إلى الآب إلا إذا مرّ بي” (14: 16).

ويقرن يسوع بين لقب ابن الله ولقب ابن الإنسان. فعندما قال له التلميذ نتَنائيل: “أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل”. أجاب يسوع: “هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا. وقال له: الحق، الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينـزلون على ابن الإنسان” (1: 49_51). وأيضاً: “فكما أن الآب له سلطان على الحياة فكذلك أولى الإبن سلطاناً على الحياة،وأولاه القضاء لأنه ابن الإنسان” (26_27). ويسوع هنا في إشارته إلى ابن الإنسان، إنما يعني به الوجود السابق للمسيح في عالم الله، والذي أعده منذ القدم لرسالة معينة على الأرض. فهو حقيقة ميتافيزيكية خارج حدود الزمان والمكان، وفكرة سوف تتحقق في المستقبل وتتجسد في شخص يسوع المسيح. هذا الوجود السابق للمسيح، يتحدث عنه يسوع في عدد من أقواله التي سنورد بعضها فيما يلي. آخذين بعين الاعتبار ما ورد في سفر دانيال: “كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه، فأُعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض”. وكذلك ما ورد في سفر أخنوخ الأول: “في تلك الأيام سُمي ابن الإنسان أمام رب الأرواح، وكان اسمه سابق الأيام (حرفياً: قبل الأيام) قبل أن تخلق الشمس وبروج السماء، قبل أن تُصنع نجوم السماء، دُعي اسمه أمام رب الأرواح”.

قال يسوع: “ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، أعني ابن الإنسان” (3 : 13). “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً”(6 : 62). “الحق أقول لكم: كنت قبل أن يكون إبراهيم” (8 : 58). “لأني من الله خرجت وأتيت” (8 : 42). “أما الآن فإني ذاهب إلى الذي أرسلني” (16 : 5). “أنتم (أي اليهود) من أسفل أما أنا فمن فوق. أنتم من العالم، أما أنا فلست من العالم” (8 : 23). “نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (6 : 38). “أتيت من لدن الآب وجئت إلى العالم. أما الآن فإني أترك العالم وأمضي إلى الآب”(6 : 28). “أتممت العمل الذي وكلته لي، فمجّدني الآن يا أبت بما كان لي من المجد عندك قبل أن يكون العالم”17:5 ).

هذا الوجود الميتافيزيكي السابق الذي ينسبه يسوع إلى نفسه، يشبه في جوهره مفهوم “الكلمة المحمدية”أو “الحقيقة المحمدية” في الفكر الديني الإسلامي.(1) فقد شاع من أوائل عهد الإسلام القول بأزلية محمد عليه السلام، أو بعبارة أدق بأزلية “النور المحمدي” أو “الحقيقة المحمدية”. وهو قول ظهر بين الشيعة أولاً ولم يلبث أهل السنة أن أخذوا به.واستند الكل في دعواهم إلى أحاديث الرسول مثل: “أنا أول الناس في الخلق”، “أول ما خلق الله نوري”، “كنت نبياً وآدم بين الماء والطين”. وقد أفاض الشيعة في وصف هذا النور المحمدي، فقالوا إنه ينتقل في الزمان، وإنه هو الذي ظهر في صورة آدم ونوح وابراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء، ثم ظهر أخيراً في صورة خاتم النبيين محمد عليه السلام. وبهذا أرجعوا جميع الأنبياء إلى أصل واحد.

أما محيي الدين ابن عربي(2)فيرى في الحقيقة المحمدية أكمل مجلى خَلقي ظهر فيه الحق، بل هي الإنسان الكامل بأخص معانيه. وإن كان كل موجود هو مجلى خاصاً لإسم إلهي، فإن محمداً انفرد بأنه مجلى للاسم الجامع وهو الاسم الأعظم: الله. والحقيقة المحمدية هي مبدأ خلق العالم وأصله، من حيث إنها النور الذي خلقه الله قبل كل شيء وخلق منه كل شيء، وهي أول مرحلة من مراحل التنـزل الإلهي في صور الوجود؛ ولذلك يدعوها بحقيقة الحقائق، وبالعقل الأول الذي يقف بين الحق والخلق، وبالقلم. هذه الحقيقة المحمدية التي هي النور المحمدي، والتي لها أسبقية الوجود على النشأة الجسدية لمحمد، لها ظهور فـي كل نبي بوجه من الوجوه إلا أن مظهرها الذاتي التام هو شخص محمد.
وبهذا فإن مفهوم الحقيقة المحمدية، يتفق مع مفهوم “الكلمة”، التي هي “اللوغوس” أو “العقل” في لاهوت إنجيل يوحنا، وخصوصاً فيما يتعلق بعلاقتها بالعالم. فالحقيقة المحمدية هي النور الذي خلقه الله قبل كل شيء وخلق منه كل شيء. وكذلك “الكلمة”: “به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان… والكلمة صار جسداًَ وحل بيننا، ورأينا مجده كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً” (يوحنا1).

إلا أن الوجود الميتافيزيكي السابق على العالم للإبن، لا يعني وفق منطوق إنجيل يوحنا، القول بمعادلته بالآب في الجوهر أو مساواته له في القدم. وقد وصف يسوع في إنجيل يوحنا، وفي كل مناسبة، وضعه بالنسبة إلى الآب، وهو وضع التابع له المنفذ لمشيئته، ورسم حداً فاصلاً بين الطبيعتين واضحاً كل الوضوح. قال يسوع:

• لا يقدر الابن أن يعمل شيئاً من نفسه إلا إذا رأى الآب يعمله. (5 :19).

• أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً. كما أسمع أُدين ودينونتي عادلة. (5:30).

• ومن نفسي لم آت، بل حق هو ذاك الذي أرسلني. أنتم لا تعرفونه أما أنا فأعرفه (7 : 28).

• لست أفعل شيئاً من عندي، بل أتكلم كما علمني أبي. إن الذي أرسلني هو معي، لم يتركني وحدي لأني أعمل أبداً ما يرضيه. (8 : 28_29)

• من أرسله الله تلكم بكلام الله… إن الآب يحب الإبن فجعل كل شيء في يده (3 : 23_36).

• أنا أقول بما رأين عند أبي (8: 38).

• الكلام الذي أفوه به أقوله كما قاله الآب (12 : 50).

• شكراً لك يا أبت لأنك استجبت لي، وقد علمت أنك في كل حين تستجيب. (11 : 41_42)

• من آمن بي لم يؤمن بي بل بالذي أرسلني (12: 44)

• وما ذلك إلا ليعرف العالم أني أحب الآب، وأني أعمل بما أوصاني (14 : 31).

ولعل ما ينهي كل الجدل حول طبيعة العلاقة بين الإبن والآب في إنجيل يوحنا هو قول يسوع:

• فإن كنتم تحبوني فرحتم بذهابي إلى الآب، لأن الآب أعظم مني (14 : 28).

• الحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحق وحدك، ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح (17 : 3).
فإذا كان الآب أعظم من يسوع عند يوحنا، وكان الآب وحده هو الإله الحقيقي، فكيف نفسر بعض الأقوال التي وضعها على لسانه، والتي توحي بالتماهي بين الآب والإبن ووحدتهما في الجوهر؟ ومنها:

• أنا والآب واحد (10 : 30)

• إن الآب فيّ وأنا في الآب (10 : 38)

• من رآني رأى الذي أرسلني (12 : 45)

• من رآني رأى الآب (14 : 9)

• صدقوا قولي، إني في الآب، وإن الآب فيّ (14 : 11)

• وكما أنت فيّ أيها الآب وأنا فيك، كذلك فليكونوا (=التلاميذ) فينا واحداً (17 : 21)
في الحقيقة لا يمكن تفسير هذه الأقوال على ضوء ما سبق، إلا بافتراض أن يسوع كان يتفوه بها تحت ضغط حالة وجدٍ صوفي ميزت التجربة الصوفية المشرقية منذ القدم، واستمرت لدى المسلمين. وقد اصطُلح على تسمية الأقوال الصادرة عن مثل هذه الحالة بـ”الشطح”.

والشطح هو كلام يترجمه اللسان عن وجد فاض عن النفس عندما تصبح في حضرة الألوهية، فتدرك أن الله هي وهي هو، ويتبين لها وحدة الهوية فيما بين العبد الواصل والمعبود الموصول. وقد يصل هذا الوجد حداً من القوة في ظل إحساس طاغ بوحدة الوجود، تجعل الواصل يتحدث كأنه الحق نفسه وينطق بلسانه، وذلك كقول أبو يزيد البسطامي: “سبحاني ما أعظم شأني”. لقد شعر أن المعبود هو الباطن و أن العبد هو الظاهر، وبعدها فني عن ذاته ولم يبق في الوجود سوى الله.

هذه المنـزلة التي يبلغها الصوفي حين إعلان تبادل الأدوار هي منـزلة التوحيد؛وهي أن لا يُشهدك الحق نفسك ويطلعك على وجودك، بل يطلعك على وجود واحد ما عداه غير موجود، فتفنى عن وجود ذاتك وعن وجود كل موجود آخر سوى الله. ولهذا قال الحلاج عن علاقته بالحق:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا…….نحن روحان حللنا بَدَنا

فإذا أبصرتني أبصـــــــرته…….وإذا أبصرته أبصرتنا

وقال:

رأيت ربي بعين قلبي…….فقلت من أنت؟ فقال أنت

وأيضاً:

يا منية المتمني…….أفنيتني بك عني

أدنيتني منك حتى…….ظننتُ أنك أني

وأيضاً:

مزجتَ روحك في روحي كما…….تُمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسّـك شـيء مسّـــــــــني…….فإذا أنت أنا في كل حال

وعندما تأججت في داخله شعلة الوجد وفاضت حتى لم يستطع لها كبحاً صاح أمام الناس: “أنا الحق”، فأباح سر الصوفية، وهو القائل:

بالسر إن باحوا تباح دمائهم…….وكذا دماء البائحين تباح

فحوكم الحلاج بتهمة الكفر وحُكم عليه بالموت على الصليب فمات ميتة المسيح التي تمناها لنفسه سابقاً عندما أنشد:

ألا أبلغ أحبائي بأنــــــــــــــي…….ركبت البحر وانكسر السفينة
على دين الصليب يكون موتي…….فلا البطحا أريد ولا المـدينة

ويشترك مع الحلاج في تجربة الشطح هذه أكثر من متصوف إسلامي، منهم أبو يزيد البسطامي الذي يؤثر عنه عدد من أقوال الشطح منها:

–سبحاني ما أعظم شأني

–ما في الجبة إلا الله

–كنتَ لي مرآة فصرت أنا المرآة

–انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها ثم نظرت إلى نفسي فإذا أنا هو

أشار سري إليك حتــــــــى…….فنيتُ عني ودمتَ أنت
محوتُ اسمي ورسم جسمي…….سألتَ عني فقلتُ: أنت

إن مثل هذه الأقوال النابعة عن تجربة صوفية فذة، لا تختلف في شكلها ولا في مضمونها عن أقوال ليسوع مثل: “أنا والآب واحد”أو “من رآني رأى الآب”. ولكن الأساقفة المجتمعين في مجمع نيقية الذي دعا إليه الامبراطور قسطنطين عام 325م، كانوا بعقليتهم اليونانية أبعد ما يكون عن فهم أبعاد التصوف الشرقي، فأعلنوا لأول مرة بشكل رسمي ألوهية السيد المسيح، ومساواته للآب في الجوهر، وذلك اعتماداً على إنجيل يوجنا بشكل رئيسي، حيث ورد في قانون إيمان نيقية: “نؤمن بإله واحد، آب ضابط للكل. خالق للسماء و الأرض، ما يُرى وما ولا يُرى. وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب، الذي هو من جوهر الآب.

إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، به كان كل شيء في السماء وعلى الأرض. الذي من أجل خلاصنا نحن البشر نزل من السماء وتجسد وصار إنساناً.” وفي مجمع القسطنطينية عام 380م أضاف المجتمعون إلى قانون نيقية بشكل رسمي عقيدة ألوهة الروح القدس. وبذلك تم التأسيس لعقيدة التثليث.

(1)حول هذا المفهوم راجع تعليق أبو العلا عفيفي على كتاب “نصوص الحكم” لإبن عربي،الصفحات من 319 إلى 322.

(2)راجع د.سعاد الحكيم: المعجم الصوفي، من 347 وما بعدها

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This