ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا(14) – حوار مع ادجار موران – ثمة طموح يمتد بالفعل عبر التاريخ البشري ويعبر عن نفسه في فكرة الحرية – الحشرات آكلة الجيف نهشت الجثة – الحضارة الغربية أو البرجوازية كانت شديدة الوثوق بنفسها حتى

كان ادجار موران (باريس 1912) قد وعد في مايو عام 1968 بأن يحلّ محلّ أستاذ في جامعة نانتير وأن يقوم بإعطاء بعض الدروس، كانت “نانتير” آنذاك مكانا غير مريح في الضواحي الباريسية، وسط مشهد صناعي ومحاطة بتجمع من الأكواخ، لم يتخيل نفسه كثيرا هناك، عندما وصوله كانت الشرارة قد اندلعت ” عندما وصلت كانت هناك فوضى مطلقة، كانت عربات الشرطة تطلق أبواقها وشاب أصهب يشير بيديه من فوق المنصة: كان دانييل كوهن بينديت، استعد موران لإعطاء الدرس، يتذكر” كان مدرجا دون نوافذ” وعدة طلاب تقدموا نحوي صارخين: إضراب، إضراب! قلت لهم إذا ما أرادوا القيام بإضراب فعليهم أن يقوموا بالتصويت فيما بينهم، صوتوا والأغلبية أرادت الدرس، وهكذا بدأت، حينئذ أخذ بعض الطلاب بالصراخ: موران،flic ! (بوليس)، قطعوا الكهرباء والميكروفون ولم أستطع إعطاء الدرس.

{{>هل كنت تنتظر الحدث؟ ما الذي كان يحدث؟}}

>أعتقد أنني في فبراير أو مارس من ذلك العام قمت بإعطاء محاضرة في إيطاليا حول عالمية التمردات الطلابية، لأن مايو 68 الفرنسي لم يكن الأول، بل على العكس، كان بالأحرى الذروة، كانت المسألة كالتالي: في سلسلة من البلاد ذات الأنظمة السياسية والاجتماعية شديدة الاختلاف كيف نجمت ثورات طلابية في ذات الوقت؟ كانت هناك في العالم الغربي لكن كذلك في مصر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا،،، بالتأكيد فإن القاسم المشترك كان الثورة ضد السلطة والتي كانت ذات طبيعة مختلفة، في أوروبا الشرقية كانت ضد ديكتاتورية الحزب؛ في أوروبا الغربية كانت، وفي الوقت ذاته، ضد سلطة العائلة أي ضد السلطة الأبوية وسلطة أساتذة الجامعات والدولة.

{{>والاضطهاد الجنسي؟}}

>يمكن القول إنه كان عنصرا محمّسا لمايو 68، حيث أنه في نانتبر اندلعت الشرارة حين منع الشبان من دخول غرف الفتيات، لكن يجب القول إنه لم تكن هناك مطالبات جنسية، كانت المطالبات الكبرى التي على علاقة بالجنس تتمثل في حركة تحرير المرأة والحقوق الخاصة بمثليي الجنسية وقد ظهرت بعد مايو 68 كنتيجة للحدث، إن مايو 68 الفرنسي يجد أصله في حركة عشرين مارس في نانتير والتي كانت حركة ذات جذور تحررية، كما يجب وضعه في علاقة مع ما حدث في كاليفورنيا، عدة سنوات قبل ذلك، حيث إن شبيبة أغنى بلد في العالم، أبناء العائلات فاحشة الثراء، قاموا بهجر منزل الأبوين كي يعيشوا حياة تشاركية ولكن بطموح في حياة تشاركية وحرة في الآن ذاته، في آخر الأمر طموحان يبدوان متعارضين لكنهما تعايشا معا،
في تلك الأعوام كنت قد درست الظواهر المتصلة بالمراهقة وكنت قد اكتشفت أن الشباب، من خلال الروك، من خلال سلسلة من الأشياء، كان يعبر عن إرادة في الاستقلال الذاتي عن المجتمع من خلال ثقافة تخصه، مع هذه الثورة فإن المراهقة، والتي توجد بين فقاعة الطفولة والاندماج، انظر إلى التدجين في عالم الكبار، كانت تعبر عن طموح عميق في تعارض واضح مع عملية الاندماج المجتمعي المطروح عليهم من قبل المجتمع والمتمثل في التخصص والمهنة والميقاتية إلخ…

{{>وكيف عشت هذه الجدلية بين الحرية والتشاركية؟}}

>ثمة طموح يمتد بالفعل عبر التاريخ البشري ويعبر عن نفسه في فكرة الحرية والتي هي بنفس القدر شيوعية أو اشتراكية، كانت الأسابيع الأولى من مايو 68 في الحقيقة ذات طبيعة تلقائية، لأن احتلال Censier ونانتير وأخيرا السوربون كان انفجارا مدروسا وحماسيا في ذات الوقت وبه عنصر بالغ الشاعرية، كذلك يجب القول إن المجموعات السياسية الصغيرة، تدريجيا، من تروتسكيين وماويين وآخرين لم ترد فقط أن تستولي على الحركة بل وكذلك أن تعتاش عليها.

{{>في مقابلة معكم عام 1979 في ال Magazine Littéraire استخدمتم هذا التعبير: “ الحشرات آكلة الجيف نهشت الجثة”.}}

>نعم، بالفعل، كانوا يقولون للطلاب: سنكون نحن من يحقق أحلامكم عبر الثورة البروليتارية، كانوا يعتاشون عليهم وفكروا أن يجيبوا على طموح الشباب عبر الشيوعية، في اعتقادي أن مايو 68 الفرنسي اشتمل على مرحلتين: لحظة أولى تلقائية، اندفاعية والتي نظر إليها الجمهور الباريسي جميعه بعين العطف، كذلك يجب القول إن الردع الشامل من قبل السلطة قام بتحرير الكثيرين من أمراضهم السيكوسوماتيكية والعصابية، إن عيادات الأطباء والمحللين النفسيين قد فرغت، لكن بعد ذلك عندما بدأ يشح البنزين وحلت مشكلات التموين ظهر الضيق على السكان وأداروا ظهورهم سريعا للحركة الطلابية.

{{>ما التأثيرات الفورية لمايو 68؟}}

>بعد مايو 68، ظنت بعض المجموعات الصغيرة وخصوصا الماوية أن الأمر كان يتعلق بالبروفة العامة للثورة، حازت الحركة على تأثيرات فورية، من جانب كانت انطلاقة جديدة للماركسية كتفسير شامل لكل شيء، ومن جانب آخر قامت حركة بعينها من الشباب بالمضي إلى الحقل كي يغيروا حياتهم جذريا، لكن هذه الحركة الثانية سرعان ما تفسخت لاندلاع الأزمة الاقتصادية عام 1973، حتى ذلك الحين كان باستطاعة الشباب الذهاب وكانوا يعرفون إنهم إذا ما فكروا في العودة فسوف يتحصلون على عمل من جديد، بعد 1973 لم يعد الأمر كذلك.المظهر الآخر، فيما يبدو لي، تمثل في أن الحضارة الغربية أو البرجوازية كانت شديدة الوثوق بنفسها حتى عام 1968، كانت الأطروحة الاجتماعية التاريخية ترى أن المجتمع الصناعي المتقدم كان في طريقه ليقلص إلى أقصى حد عدم المساواة، وحل مشكلة الفقر مما يترتب عليه تعميم الحياة الهانئة، كان المجتمع الأقل سوءا أو أفضل ما كان متاحا، بالطبع، في أوروبا الشرقية كان يقال إن النظام الشيوعي كان في طريقه لخلق المستقبل الأكثر إشعاعا، كانت هناك نظرتان مشعتان في العالم رغم أنه فيما يخص الشرق فإن قلة من الناس كانت تؤمن بذلك، لكن كذلك في الغرب حيث كانت تعم الرفاهية كان هناك كذلك عدم رضا عميق، لقد اختبرت ذلك في كاليفورنيا، كان لفيلم No down payment (أقوى من الحياة 1957) للمخرج مارتين ريت، أثر كبير عليّ والذي كان يعرض التعاسة العميقة الناجمة عن الرخاء الاقتصادي.

{{>هل حدد مايو 68 نهاية الحلم بالسعادة؟}}

>نعم، إن العالم الرائع لنجوم هوليوود، والذين لابد أن يكونوا سعداء، لم يكن كذلك، كما يمكننا أن نرى بعد انتحار مارلين مونرو وآخرين، ٍلقد غرقت أسطورة سعادة هذا المجتمع، قمت بعمل تحقيق حول تطور الصحافة النسائية بعد مايو 68 واكتشفت أن المجلات نفسها التي كانت حتى ذلك الحين تقول إن النساء اللواتي يحتفظن بجمالهن ويطبخن جيدا يمكن أن يكن سعيدات وأن يبقين على أزواجهن، المجلات نفسها قامت بتغيير الرسالة لتذكيرهن بأنهم يشخن وبأن الأبناء يهجرون البيت وبأن الأزواج يقومون بخداعهن، قاومن، كانت تلك هي الرسالة، كان من الواضح عدم إمكان بيع السعادة، كانت أطروحتي أن المراهقين، طالما أن النسيج الأضعف في المجتمع لم يندمج بعد، يستشعرون بشكل أكثر حدة مآسي المجتمع ونقصه، كان مايو 68 ثورة كانت تمضي أبعد من مجرد الاعتراض البسيط، دعاها مالرو، بدقة، أزمة الحضارة.

{{>هل هناك ما قبل وما بعد 68؟}}

>أعتقد أن مكانة نموذج المجتمع الصناعي المتقدم قد هبطت بعد مايو 68، بل وأكثر من ذلك ما دامت قد ظهرت، للمرة الأولى، أزمة قامت بوضع قابليته للحياة على المحك، أزمة البترول عام 1973 التي اقتضت أن تنتصب البطالة بشكل دائم في مجتمعاتنا، وهذا كي لا أتحدث عن مختلف أنواع التلوث وعن الإجهاد في المدن الكبيرة وعن ضغط الإنتاجية وعن ميقاتية وإتلاف شروط العمل.

{{>وماذا عن تغير العادات والأخلاق المجتمعية؟}}

>ما الذي تغير في العادات؟ العلاقات داخل الأسرة، كان هناك تطور، عبر الحركة النسائية، كانت في الطليعة، ليس من قبيل المصادفة أنه، بعد قليل، تحت حكم يميني تمكنت سيمون فيل من أن تدفع للأمام بقانون الإجهاض، أحد القوانين الكلاسيكية في المطالب النسوية، كذلك كان هناك القبول بالتعدد، بالأقليات الجنسية المختلفة، صحيح أنه كان هناك نوع من تحرير العادات وهذا أحد الوجوه المهمة لمايو 68، لهذا السبب كنا نسميه الثغرة، كمجرى مائي في خط الطفو( الخط الذي يفصل جزء السفينة الغاطس في المياه عما هو ظاهر منها) لسفينة عملاقة، يمكنني القول كذلك أن مايو 68 كان يسم طريق الثورات القادمة، لأنني لم أفكر في أية لحظة أن التروتسكيين أو الماويين كان بإمكانهم امتلاك الزمام، بل على العكس، كانوا بالنسبة إليه تراجعيين.

{{>أية قراءة سياسية تقوم بها الآن؟}}

>من وجهة نظر سياسية، نجمت ظاهرة على جانب كبير من الأهمية، رغم أن المجموعات الصغيرة كانت ماركسية فقد كان هناك إنقاص من تأثير الحزب الشيوعي على الجماهير وبالأخص على الشباب، لم يكن الشيوعيون حاضرين أبدا في حركة 68 بل وأدانوها، جورج مارشيه نفسه ( السكرتير العام للحزب الشيوعي الفرنسي) أدان بكل وضوح كوهن بينديت ناعتا إياه بـ ” اليهودي الألماني”، أدانوا المظهر التحرري وكذلك بالتأكيد فعل إعلان التروتسكيين والماويين عن أنفسهم، كان ذلك بداية الانحدار للفاعلية الشيوعية.

{{>من وجهة نظر آنية، ما الصدمة التي مثلها مايو 68؟}}

>علينا أن نخفف من أهمية مايو 68 حتى نقطة بعينها، لكنه لا يزال يمثل صدمة كهربائية electroshock، بادئ الأمر لأنه كان مفاجأة هائلة، بالإضافة إلى أنه حول فرنسا إلى البلد الوحيد الذي تمكنت فيه حركة طلابية من إطلاق العنان لإضراب عمالي جبار، بالتأكيد كان هناك سوء فهم كبير، في الواقع كانت الحركة الطلابية تستحوذ على الدور الثوري الذي خصت نفسها به الطبقة العمالية، لكن الطبقة العمالية قامت باستغلال الموقف من أجل التحصل على سلسلة من زيادة المرتبات زيادة كبيرة والتحصل على حقوق نقابية.

{{>وبعد ذلك اليمين أخذ الحكم…}}

>Voila، التشبع بمايو 68، الخوف….

{{>ما الذي بقي من مايو 68؟}}

>بداية، الحادث كان منسيا تماما، مختفيا، من قبل أجيال عدة، إنه التاريخ ينبعث الآن مع إحياء الذكرى الهائل عبر وسائل الإعلام، لا أعرف ما الذي تراه الشبيبة فيما حدث آنذاك، لكن كانت هناك ظاهرة فرنسية شديدة الخصوصية لا يفهمها السياسيون، تعبر الشبيبة من أطوار دراسية، في الظاهر غير مسيسة، وفيها يقال إنهم ينشغلون فقط بأنفسهم وبدراستهم، إلى إيقاظ انفجار بشكل عاصف، نادرا ما يكون مدفوعا بمشروع تحسينات، في الواقع تحسينات صغيرة ثانوية وبلهاء، تصلح كمفجر لثورة طلابية، المدهش إنه ما إن تبدأ الثورة إلا وتوفر لأبطالها لذة مذهلة، لأنها تسمح لهم بتحدي السلطة والبوليس، حينئذ تستمع السلطة إليهم، تستقبلهم في القصور وعندما يتنازل الوزير ويقول لهم: اتفقنا، سنقوم بتلبية طلباتكم، حينئذ يردون: لا، لا، نريد أكثر، ويحتلون الشارع ويتحدون مجتمع الكبار وينتشون من السعادة، بعد ذلك تتفكك الثورة لأن بعض العناصر الناشطة، من جانب، تحاول السيطرة على الحركة ويتنازعون فيما بينهم ويمر الوقت وتذوب الحركة، لكن المهم أن كل واقعة من هذه الوقائع تمكن الشبيبة من التسيس، من الدخول إلى المدينة، إلى المجتمع السياسي، إلى لعبة الشأن العام، عملية بالغة الصحة بالنسبة للمجتمع الفرنسي.

{{>يريد الرئيس الفرنسي أن ينهي ميراث 68 ولكنه يستولي على أطروحات كتلك التي أعربتم عنها في ” سياسة حضارة”.}}

>لا، في الحقيقة استولى فقط على المصطلح، ذكر فقط ذلك الأمر الذي يتعلق باستبدال هيمنة ما هو كيفي بما هو كمي، لكنه لم يهجر فكرة المحافظة على النمو الاقتصادي قبل أي شيء وبهذا يبتعد كثيرا عن أطروحتي، من جانب آخر ثمة أزمة في هذه الفكرة المعولمة التي تصب في مصلحة ذوي المنفعة الخاصة، بهذا المعنى أنا واحد من الديناصورات الأخيرة.

جريدة الباييس الإسبانية 19ـ4ـ2008

ترجمة عن الإسبانية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This