تعقيبا على مقال شاكر النابلسي

يواصل الأستاذ شاكر النابلسي تأسيس أحكامه انطلاقا من فرضيات واستقراءات لا يبدو أنه هو شخصيا مقتنع بها، بل أظنّ ـ وكثير من الظنّ ليس إثما ـ أنّ الأستاذ وضع لنفسه هدفا من المقال ثمّ أخذ في البحث عن مؤيّدات هذا الهدف.. الهدف هو تبرئة الوهابية ومن ورائها النظام السعوديّ من مسؤولية الإرهاب العالمي الذي يقوده أشخاص لا يخفون أنهم يمتحون من المرجعية الوهابية بل من أشدّ خطوطها تعصّبا ومسارعة إلى التكفير وحتى القتل والتفجير. ولا يهم إن كان من يتحمل المسؤولية هم الإخوان المسلمون، فلهم في تاريخهم في مصر وسورية وغيرها من بلاد العرب تاريخ حافل في النشاط الإرهابي فمن يحفل بالتهم الجديدة. وقد بيّنا في الجزء الأول من هذا المقال أننا لا ندافع عن الإخوان المسلمين لكنّنا لا نقبل بتبرئة الوهابية من مسؤوليتها الواضحة عن الإرهاب. المسكوت عنه في خطاب النابلسي هو أنّ المملكة بعدما تخلصت من الإخوان الوهابيين قد عرفت سنوات طويلة من الهدوء وغياب الإرهاب حتى جاءها هؤلاء الإخوان المسلمون هاربين من الجحيم الناصري والجحيم الأسدي.. وأنها استقبلتهم لعامل إنساني هو إنقاذهم من التشريد والاستبداد .. وعامل ثان هو الاستقواء بهم في مواجهة المدّ الشيوعي.. هذا المسكوت عنه، أما المصرّح به فأجلّ خطرا : أنّ هؤلاء الإخوان المسلمين كافرون بالنعمة حيث أنّه لم يكفهم أن وجدوا في المملكة حياة كريمة، بل إنهم استغلوا الضيافة ليبثوا سمومهم المتمثلة في الفكر التكفيري من خلال التعليم الذي ـ وانتبهوا ـ اندسوا فيه حتى صاروا يقررون برامجه، فوضعوا من جملة ما وضعوا في البرامج الرسمية كتاب منظرهم الخطير سيد قطب “معالم في الطريق” والذي يكفر فيه الكاتب المجتمع الحديث .. ولا يحتاج المطلع اطلاعا بسيطا على تاريخ المنطقة الحديث إلى مزيد التثبت ليقطع ببطلان هذه المعلومات وابتعادها عن الدقة. فتأسيس تنظيم الإخوان المسلمين في مصر تزامن تقريبا مع بلوغ تنظيم الإخوان الوهابيين أوج قوّته وتمكنه بقيادة الأمير عبد العزيز ـ قبل التلقّب بالملك ـ من الاستيلاء بقوّة الحديد والنار والمباركة البريطانية من ضمّ أغلب أراضي الجزيرة العربية إلى ‘دار الإسلام’ كما كانوا يعتبرون بلادهم، ومن جهة أخرى كان بعض المسلمين في الشام ومصر يرون في هؤلاء الوهابيين أملا إسلاميا في نهضة جديدة، ومن أبرز هؤلاء كان الشيخ رشيد رضا سوري الجنسية وصاحب مجلة المنار، فقد كان يعتبر نفسه الامتداد الطبيعي لمصلحي القرن التاسع عشر وخاصة أستاذه محمد عبده، والشيخ لم يكن يخفي تعاطفه مع الوهابيين إلى حد دفاعه في مجلة المنار عن جريمة قتل قافلة من الحجاج زعموا فيما بعد أنهم حسبوهم مسلحين ينتوون الهجوم على “المسلمين”، والشيخ كان له مريد اسمه حسن عبد الرحمان البنا.. ولم يكتف بالنهل من فكر معلمه بل كانت له اتصالات على هامش موسم الحج بقيادات من الإخوان الوهابيين إلى حدّ اقتراض اسم تنظيمهم، وهما اسمان يبينان أن المرجع واحد وان الفكر واحد، وأنّه من حقهم وحدهم التكلم باسم الإسلام، بل إن المصادفة جعلت هذه الأحداث تتزامن وتخلي الكماليين في تركيا عن الخلافة وتغاضي البريطانيين عن نشاط الإخوان الوهابيين. فمذكرات المندوب البريطاني في الكويت ” هارولد ديكسون” حينها تبرز أنّ هذا التّغاضي كان نتيجة تطمينات الأمير عبد الله : “الإخوان الوهابيون هم أنا”، وتبرز دورهم أي البريطانيين في تكوين تنظيم الإخوان المسلمين أو تشجيعه أوعلى الأقل التغاضي عنه لأن المعلومات كثيرة في هذا المجال والقطع برأي فيه ليس سهلا. المهمّ أنّ الوشائج الرابطة بين التنظيمين الإخوانيين موجودة، فكريا على الأقل ..

الاخوان المسلمون في المملكة: مندسون؟؟

أما الهجرة المكثفة للإخوان من مصر والشام إلى المملكة في الستينات من القرن الماضي فمن السهل ردّها إلى العسف الناصري أو البعثي، لكن السؤال الأهم هو لماذا إلى المملكة أساسا؟ ولا يقنع الأستاذ النابلسي عندما يربط ذلك بالدور السعودي في مواجهة الشيوعية، فهناك دول أخرى في المعسكر الأمريكي قامت بالدور ذاته دون أن تكون محجا للإخوان المسلمين. كل ّ ما في الأمر أنّ الإخوان كانوا يرون في المجتمع السعودي خير تجسيد للمجتمع الذي يحلمون ببنائه في مصر والشام وأرض المسلمين الواسعة، مجتمع يعوّض فيه مفهوم الأخوة في الدين المواطنة، وباسم احترام المرأة عليها أن تقبع في البيت، ويحل مفهوم الشورى الغامض الفضفاض محل الديمقراطية الغربية المقيتة التي تسوي بين السادة ووضعاء الأصل، وتمارس باسم تطبيق الحدود انتهاكات حرمة الإنسان الجسدية وحقه في الحياة، وتسود ثقافة الموت .. مجتمع لا يؤمن إلا بالماضي مثالا ومنهجا ، ولا يؤمن إلا بالقهر في فرض الآراء حتى على من يقاسمونهم المرجعية الدينية.. وحتى ما كان ابن سعود يعد به من استعداد للشورى ما زال لم يتحقق بعد ثمانين عاما تقريبا من قيام مملكته، ومازالت المملكة إلى اليوم نموذجا فريدا للحكم المطلق دونما رقابة تذكر، ونموذجا غريبا لتداخل المال العام بأموال العائلة المالكة، ونموذجا استثنائيا في تسمية البلد باسم عائلة لم يفعلها في بلاد الدنيا حتى الحكام الذين زعموا ـ وصدقتهم شعوبهم ـ أنّهم من سلالة الآلهة.. الجالية الاخوانية في المملكة وجدت كل الترحاب لأنّ لجوء الإخوان إليها ـ وفيها نشأ التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وفي مواسم الحج كانت تنعقد مؤتمراته على مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية هناك وبغطاء أمني وماليّ رسميين ـ كان يعطي حجة إضافية على إسلامية النظام، ويهيئ لهذا النظام الدعم الخارجي خاصّة في المحافل الدولية من الدول الإسلامية الفقيرة التي ارتهن أغلبها إلى الإعانات الاقتصادية المرفوقة ببناء المساجد والمدارس وفتح المجال لـ”الدعوة”الإسلامية التي تعني في الأخير نشر الإسلام الوهابي .. كل هذا، وأكثر، لا اخاله مجهولا عند الأستاذ النابلسي على أنني شخصيا أحسّ نوعا من الاستغفال عندما يقول في جملة تقريرية مزعجة وثقيلة إنّ الإخوان المسلمين “اندسوا في أجهزة التعليم والإعلام .. فأصبحوا من واضعي المناهج الدراسية فوضعوا كل أفكارهم في هذه المناهج وشدّدوا الرقابة على الإعلام…” .. هكذا كأن النظام السعودي غبيّ أو مغفّل أو كأنه لا يوجد في السلطة ودوائرها من له النباهة والفطنة كي “يكشف” هذا الاندساس ..لماذا لا يقول الأستاذ ما هو واضح للعيان مكشوف : أنّ السلطة الحاكمة وجدت في الإخوان خير خادم لمشاريعها وأهدافها، بل عجبي من الأستاذ النابلسي بعد أن قرّر ما قرّر في خطابه يصرّح بحقيقة الأمر، ربّما دون أن يدري، على لسان وزير الداخلية السعودي عندما يقول عن الإخوان بعد الطلاق بين نظامه وتنظيمهم ” كانوا لنا عزاء فأصبحوا عندنا بلاء” هكذا دون مواربة ولا تملّص من المسؤولية ومن زواج دام ما يزيد عن خمسة عقود.. فهل وزير الداخلية السعودي أقلّ دفاعا عن نظام بلاده من الأستاذ النابلسي؟

جاهلية القرن العشرين أم تكفير كل المسلمين؟؟

أما كتاب “معالم في الطريق” لسيّد قطب فقد قال عنه النابلسي إنّ الإخوان المسلمين “دسّوه في المناهج الدراسية في المرحلة الثانوية” وللتدليل على خطورة هذا الكتاب قال عنه : “..وفي هذا الكتاب رمى سيد قطب المجتمع الحديث بالجاهلية..” ، على أنّ هذا الكتاب في تقدير العارفين بالأدبيات الوهابية يعتبر معتدلا، فهل أخطر من اعتبار المسلمين كلهم غير موحدين تحلّ أموالهم ودماؤهم إذا لم يقولوا بما قال به الإمام محمد بن عبد الوهاب؟ وهل تكفير الحضارة الغربية اخطر من اعتبار المسلمين الذين لا يعترفون بأنهم كانوا ضالين قبل أن يتعرفوا على “التوحيد” بقراءة محمد بن عبد الوهاب، بمثابة المشركين؟ وهل تكفير أهل نيويورك أشدّ خطرا من تكفير الشيعة في المملكة واعتبارهم من أهل الشرك، أو تكفير أهل السنة واعتبارهم مشركين إذا عظّموا قبر الرسول أو أقسموا به أو بأحد من يعتبرونه من الأولياء الصالحين؟ لا شك أنّ منطق التكفير واحد مهما كان المستهدف به، ولكن الفرق أن سيد قطب دعا إلى اعتزال المجتمع الجاهلي فيما لا يتورع الإفتاء الوهابي عن تحليل دماء من يعتبرهم مشركين أو”مرتدين” إذا شككوا في وجاهة تكفير الآخرين، أو من الروافض أو الخوارج.. كما أن فكرة اعتزال المجتمع التي ألهمت تنظيما مصريا متطرفا اسمه”جماعة التكفير والهجرة” فكرة سبق إليها الوهابيون في العقد الثاني من القرن العشرين عندما أنشؤوا ما سموه “الهجريات “أو “اليثربيات” ودعوا من يعتنقون الوهابية إلى الهجرة إليها فرارا “بدينهم” وهناك في اليثربيات تخمرت فكرة نشر “الدين” عن طريق الغزو وسرعان ما راقت لابن سعود فتبناها.. إنّ التأثيرات الوهابية بداية من انتصاب الدولة السعودية الثالثة أخطر من أن تُعذّ، وأخطر من أن يبرّئها أو يبرّرها مقال أو كتاب ولو كان كاتبه شاكر النابلسي، وهذه التأثيرات تتجاوز العالم العربي. فأبو الأعلى المودودي مثلا هو ابن شرعي لهذا الفكر الوهابي التكفيري، والجماعات الإسلامية التي لا تتورع عن الإرهاب بأشكاله في العالم الهندي والتي نبتت عنها العداوة المتمكنة ضد الشيعة مثلا وتترجمها التفجيرات المتعاقبة لمساجدهم في الهند والباكستان والتي صارت الآن إرهابا متبادلا بين الفريقين هو من مآثر الوهابية، وتنظيم ضالع في الإرهاب مثل طالبان بشقيها البنجابي والأفغاني هو ثمرة “التوحيد” الوهابي، وفضيحة تماثيل بوذا لا تقل عن فضائح سابقة في تهديم مساجد الشيعة في العراق، وتهديم آثار إسلامية وقبل ـ إسلامية تدميرا لا مثيل له للذاكرة الإنسانية، وآخرها ما تسرب عن اكتشاف “دار الندوة “في مكة والأمر بتدمير ما وجد فيها من آثار. كل هذا من مآثر التفكير الوهابي.. إنّ الإخوان المسلمين مهما حاولوا إيهام العالم باستعدادهم لقبول العمل السياسي في إطار التعددية الحزبية واحترام صناديق الاقتراع، ومهما قالوا عن احترام الأقليات وحقوقها، ومهما نظّروا لحقّ المرأة في التعليم والعمل، فإنّهم قد يقدرون على كسب صانعي السياسة في البيت الأبيض لكنهم عاجزون وسيظلون كذلك عن الخروج من جبّة الفكر الاقصائي التي اختاروها لأنفسهم، ولن يقدروا بالتالي أن يكونوا بديلا لشعوبنا ما داموا يرفعون الشعارات الفضفاضة مثل “الإسلام هو الحل ” أو “القرآن دستورنا” ومادام عامتهم يصرحون بما يهمهم به خاصتهم من دونية المرأة إلى إنكار الدساتير والقوانين الوضعية، إلى إنكار مفهوم المواطنة وقيمها، إلى الاحتكام إلى العنف كلما كان متاحا لهم… الإخوان المسلمون بكل عيوبهم هذه أكثر اعتدالا وأجدر بأن يُحترم فكرهم، ويُناقشوا ممّن ما زالوا يكفّرون التفكير، ويعتبرون أن قتل الأطفال والعجائز وغير المحاربين جائز شرعا ويُجازى عليه باعتباره جهادا، ومن مازالوا يرون في بن لادن والظواهري والزرقاوي أبطالا يُقتدى بهم.. لا أعتقد ـ صادقا ـ أنّ للنظام الحاكم في السعودية علاقة بالأعمال الإرهابية التي نراها الآن في العراق وغيره، لكنني لا أعتقد أنّ الفكر الرسمي للنظام بريء من هذا الإرهاب، بل لا أعتقد أنّ استمرار الانغلاق السياسي وإخماد الأصوات المطالبة بالإصلاح السياسي يساعد على تخفيض عدد المتعاطفين مع التنظيمات الإرهابية وعدد الداعمين لها بالمال وعدد المستعدين للتطوع في ما يعتبره منطق الفكر الوهابي “جهادا”.. كما لا أعتقد أنّ استمرار تطبيق الحدود، والحجر على النساء وغياب مؤسسات حديثة للدولة، واستمرار تغييب المواطنة بما تعنيه من تساو في الحقوق مهما كان الجنس ذكرا أو أنثى، ومهما كان الدين أو المذهب، ومهما كان الأصل القبلي، يمكن أن يساعد على فك الروابط بين الإرهاب والوهابية وأساسا في موطنها الأول ومنبع كل تنظيراتها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. محمد نجيب عبدالقادر

    مقال يستحق المطالعة واعادتها،ربما قد مر سطحيا على بعض الجوانب التاريخية،مثل القول بالبطش الناصري والبعثي،تلميح يستحق المراحعة والتدليل.اما تبرئة آ ل سعود من ما يجري في العراق وسوريا وليبيا وعدة مناطق اخرى فهو غير مقبول.

أضف تعليق

Share This