تأملات في ذكرى الجنة اليتيمة

نظر جاري المسافر البدوي إلى عنوان رواية باولو كويلو “إحدى عشرة دقيقة ” والتي يمكن، بسهولة، اكتشاف غلبة التحقيق الصحفي فيها على الدراما، وسأل عن دلالة العنوان ولمّا عرف، صفّر بفمه مستعظما وقال: “احدعش دكيكة ..جثير” . فهو بإحدى عشرة دقيقة يرفع جلابيته إحدى عشرة مرة ويفك أحد عشر ظهرا بلا مفاتيح أو تعاويذ أو خرائط أو دورة تدريبية !! أمّا صديقي الحضري فاستقل دقائق كويلو واعتبره رجلا “سريع الهراقة” وارتوازي الظهر، وزعم انه قادر على تمديد الغشيان الواحد كما يتم تمديد حالة الطوارئ في الدول العربية “المكبوتة”. وحالة الطوارئ بتعريف جنسي: طوق عفّة للأمّة من غشيان الشعب حرام السياسة. وثمة طريقة جنسية اسمها كاريزا (الملاطفة) يكتفي فيها بالملامسات دون بلوغ قمة هملايا النشوة، وهو مذهب أمريكي في قضاء الوطر، يقضي بعدم قضائه، بإبقاء المتحابين على السفوح وعدم بلوغ “الهيملايا”، بحبس ماء الحياة بين الصلب والترائب وعدم إرواء الرحم العطشان، ويقتصر “المحبّان” على معانقات هادئة بعيدا عن الهياج والدحم والخفق والرهز مكتفيين بملذات “صافية رومانسية” من الدرجة الثانية . صرّح مريدو هذا المذهب أنّه لا يعني الحرمان، وإنما هو كسب لمتع مجهولة مثل اتحاد النفوس والملذات العذبة والتطلع إلى مجاهل النفس وكان المذهب في أول شروقه يرمي إلى تحديد النسل ثم تحول فلسفة في المتعة وعلم الجنس.

يقول أتباع هذا المذهب الجنسي “الصوفي” بتمديد لحظة الخلد المنسية – نقلا عن كتاب حياتنا الجنسية لفريدريك كهن بتصرف- وفي أثناء الوصال “الناقص” يبدأ الجماع بتمهيدات مليئة بالكياسة ويضفي الرجل على المرأة فيضا من الملاطفات اللمسية والكلامية ينقلها إلى ضفاف جبل قاف، وبلغة التاو يلتقي اليانغ والين، وتتحصل شحنات كهربية متولدة عن تخالف الأقطاب ويحس المتحاباّن بفيض من المغناطيس يصدر عن أناملهما وتتلافى المرأة النشوة ويحافظ الرجل على ماء الحياة وفيما لو تحتم على المرأة الوصول إلى القمّة فعليها الكتمان، وقد يطول الوصال ساعة كاملة. ويزعم أتباع هذه ا”لشريعة” الجنسية أنّها خارقة وتقوّي التفكير وترتفع بالنفس إلى عوالم سماوية بعيدا عن الملذات الأرضية وتحدث للحبيبين على الأثر موجة تعب لطيف فيسقطان في سبات عذب وعند النهوض يستعيدان النشاط مترفّعين عن الدّنايا وهذه الحالة السامية تحبّب إليهما تكرار النشوة!

كاريزا أو “الحب العذري الأمريكي” ليست سوى ضلال جنسي في التاو وعند النفزاوي والتيفاشي.. وهي تفرق في القسمة بين مهمة الخصيتين اليسرى واليمنى وترفض قضاء الوطر وتتهمه بالحيوانية والدناءة وتزعم أن القذف يضعف القوة ويخلق الكراهية وتزعم أن الكاريزا تصون الصحة وتشفي الأمراض وتذيب الأملاح الكلوية وتنصح من يعجز عن شعائر الكاريزا في أثناء تسلق السفوح بإلقاء القصائد والعد بالمقلوب وتذكر غرامات الهاتف والكهرباء ..بالاختصار يجب على العاشق التصرف وكأنه ( تحت رحمة طبيب أسنان لا بين أحضان الحبيب).

كاريزا تحاول أن تمدد اللحظة إلى “حقبة” لكنها بائسة من طرفين: إنها لا تقطع أرضا وأنها لا تصل ظهرا وأنها لا تنجب ولدا.

فلسفة الجنس التاوي تقول أيضا بالإقامة على السفوح معتبرة القمة إقامة مؤقتة وعاجلة وغير مستحبة. ولها ثلاثة مفاهيم أساسية في إطالة أمد “الخلد”: أولها أن يجد الشريك الجنسي نظام القذف المناسب للعمر والصحة، والمفهوم الثاني هو التحكم بالقذف وتعطيله، والثالث هو إمتاع المرأة. وتهيب التاوية بتطوير الأحاسيس وتعلم المعاشرة وأهمية اختيار الشريك الصحيح.

وهو ما ذكرني بالسؤال الذي طرحته لجنة السوبر ستار التي شكلها هارون رشيد للمتسابقة الجارية “تودد” والمؤلفة من نخبة من الفقهاء وفرقة من العلماء والنحاة والفلكيين واللغويين والفقهاء والمنجمين والملحنين برئاسة إبراهيم بن سيار النظام لامتحانها فأجابت عنها كلها وكسبت الرهان واستطاعت إخراج أكثر العلماء عراة من مجلس الخليفة وكان أحد أسئلتها الجريئة : أين متعة الجماع؟ قبل الجماع أم في أثنائه أم بعده؟

ويجيب أحدهم قبل الجماع، فتخطّؤه، فقبل الجماع اللذة لم تقع، ويجيب ثان أن اللذة في أثناء الجماع فتقول أن اللذة لا تزال غير مقطوفة، ويجيب ثالث: بعده ، فتقول الجارية الموسوعية “غوغل”: أن اللذة قد انقضت.

أبرع أوصاف للحظة الهمالايا الجنسية جاءت في “سيرة الصبا” الكتاب الثاني لسليم بركات بأنها( تتفجر حلقة حلقة من الفاكهة والحلوى الغامضة). لكن الحلقات غير درامية وإنما فلاشات رعدية خاطفة لا تكاد تلحظ على مقياس ريختر للزلازل الجسدية.

أما كولن ولسن( معلومات هذه المقال غير موثقة ومكتوبة من الذاكرة ) فيقول بعد أول غشيان جنسي له انه خرج إلى الشارع “محترما” بعد أن صار يعلم “ما لديهن”.. رابطا الإشباع الجنسي بالمعرفة وإرواء الفضول والإدراك، لا بجيولوجيا الجسد ، و يبدو انه لم يكن يعي أن الجهل سيحيق به عاجلا، ويحنّ إلى لحظة كون الكائنين نفسا واحدة وتتراكم عليه أعباء الفراق وتطالبه الرغبات المتوحشة بالوفاء والقضاء ويطلب العلم في صين النساء كأنه أمّيّ لم يفكّ حرفا. ويستغرب كولن ولسن نفسه أن سجناء جائعين أطلق سراحهم فهجموا على النساء في الشارع، ويكاد يقول بأن جوع “ما تحت الزنار” – بتعبير عزيز نسين في زوبك زادة – ينافس جوع ما فوقه. اعتقد أن المسألة ظرفية. وأن الحاجتين يمكن أن تتنافسا، لكن في بلادنا، بلاد الرغبة المحرقة، والضلع السابع المكسور قد تنتصر بروق الأنثى المخبوزة في تنور الرغبة على رغيف السنبلة المخبوز في التنور.

الرجل ثقافة والمرأة طبيعة، الرجل من طين والمرأة من لحم ( الثعالبي).. المرأة تزيد الرجل بقبتين، وهضابها أعلى، الذكر يرتبط بالذاكرة والنساء بالنسيان. لذلك على الرجل القيام بألف رهزة حتى يذكر المرأة بطبيعتها الباردة. (التاو)..
المرأة الربوخ ( في المخصص لابن سيده الأندلسي ) هي التي يغشى عليها أثناء الجماع. علم الحب الصيني التاوي لا يعرف نساء صينيات يغمى عليهن من النشوة . ولا أدري إذا كانت الكاما سوترا الهندية قد تحدثت عن نساء يغمى عليهن في أثناء محاولات تقويم الضلع المعوج، لكن الصينيين يؤكدون على برودة النساء وصعوبة إرضائهن والتاو الجنسي هو الحل.

أما الغرب المعاصر، فقد عجز عن تمديد اللحظة طوليا فعمل على تمديدها عرضيا، فبعد الحرب العالمية الثانية قامت الثورة الجنسية في الستينات بإنتاج آلاف الأفلام الإباحية – للتعويض عن المفقودين في الحرب أو لرش السكر على الموت
التي يشترك رجل بعدة نساء، امرأة واحدة كثيرة على الرجل، فكيف بعدة نساء في وقت واحد؟ الأفلام الإباحية الغربية: لا تبالي بالأنثى. الأنثى موضوع “على الفراش” الذكر ذات “منتصبة” بعقاقير الفياغرا.

صديقي الشاعر له أمنيتان:أولى أمانيه هي تطويل لحظة الخلد الجنسي الفردوسي إلى مسلسل مكسيكي من سبعين حلقة من الحلوى والفواكه الغامضة. والثانية أن تكون له سيجارة طويلة، بحيث يشعلها من قداحة الشمس ويدخنها بعد الانتهاء من حلقات المسلسل.. المكسيكي!!

في كتاب “الفلسطيني التائه” دهشت من فلسطيني يرفض غشيان العاهرات الإسرائيليات، ليس لأسباب قومية أو دينية أو جنسية أو مرضية وإنما لسبب عجيب أفضى به: أنا أحبّ قبل الجماع أن أقبّل المرأة من رأسها حتى قدميها، والعاهرة لا تستحق التقبيل، لأنها قطاع عام؟

وفي نص سأكتبه ذات يوم يذهب بطل قصتي، وقد استذأب من الحنين إلى “الخلد” الكاذب وثمار الشجرة المحرمة، إلى صاحبته فيدق الباب وينادي بصوت مبحوح فتقول ليلى من وراء الباب: خير.. أراك قد عدت صاغرا يا سبع الليل ؟
فيقول: الشوكة:.. إنها تؤلمني.. “يدي في زنارك”

فتتمنع وتشترط فيرفع الراية البيضاء ولعاب ظهره يكاد يسيل.

ثم تفتح الباب فتبدو براثن الشهوة الغادرة.. ويمد يده إلى زنارها فترضى بعقد هدنة مشفقة عليه وعلى نفسها وتقوم بنزع الشوكة السائلة بطريقة “دودة القز” فيرتاح ويسقط مجندلا من الجراح البيضاء وقد كاد الزنار أن يذهب بروحه.
شيطاني يوحي إلي- وللنثر شيطان لا يقل خبثا عن شيطان الشعر- أن علاقة أبينا آدم عليه السلام العاطفية بأمنا حواء قبل السقوط كانت رومانسية، وأنهما كانا ” في صباهما” يتبادلان الرسائل المعطرة بالورد والمرسلة بالحمام الزاجل وعندما “خشنت” تلك العلاقة تحت الشجرة المحرمة التي سماها السيد إبليس شجرة الخلد، و”تزوجا” من غير مأذون وشاهدين سقطا إلى الأرض واستحقا الطرد من نعيم الجنة إلى جحيم الأرض. التوراة مختلفة عن القرآن الكريم رغم تشابه بعض التفاصيل. فالتوراة تقول “بالخطيئة الأولى” التي تؤثم المرأة وتجعلها قرين الشيطان بينما يحل القرآن الكريم وزر “الزلة” على آدم المكلف، وهو ما صدم عالم الرياضيات الغربي جيفري لانغ الذي أسلم، صدمة “ايجابية” كبيرة.

لحظة الهمالايا ذكريا هي لحظة سقوط إلى البحر الميت( أدنى نقطة في الأرض) ، ولحظة إفرست بالنسبة للأنثى. ويؤكد هذا غالين وهو حكيم روسي من القرن الحادي عشر إذ يقول 🙁 الكائنات تحزن بعد المجامعة ما عدا الديوك والنساء) فللقذف أثر تدميري، ربما لهذا يفضل مجرمو الجنس قتل ضحاياهم بعد الاغتصاب لسببين: أولهما بغرض إخفاء الشاهد والضحية، الثاني هو التعبير عن الخيبة إثر صدمة السقوط من الجنة. يبدو أن بطل رواية عطر لزوسكيند كان ينتسب بنسب مّا إلى قبيلة بني عذرة؟

فلسفة التاو الجنسية لم تكن مجهولة عربيا بدليل ما جاء في روضة المحبين لابن الجوزي: قال الأصمعي قلت: لإعرابية ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: العنق والضمة والغمزة والمحادثة. ثم قالت: يا حضري فكيف هو عندكم؟ قلت: يقعد ما بين رجلي عشيقته ثم يجهدها. قلت: يا ابن أخي ما هذا عاشق.. هذا طالب ولد!
ا
لتاوية الجنسية جهاد لا ثواب كبير فيه ولا تناسبنا كشعوب أراضيها محتلة ومبحوحة الصوت الانتخابي ومريضة بالنضال السياسي ومتخلفة وفي مرحلة عنانة اقتصادية . والوقت من ذهب والوطن أولى بثلاث ساعات من الأشغال الشاقة الشيقة؟! لكن صديقي الشاعر يفضل الجهاد في الفراش على الجهاد في الشارع والجبهة، ويعتقد أن ظهورنا السليبة المزنرة بالأشواك أولى بالتحرير من الأرض التي تستطيع الانتظار.

وأن أجدادنا كانوا فاتحين عظاما لأنهم كانوا ميسورين جنسيا، زوجة وجواري وإماء.. ويقول صديقي الشاعر: هذا هو معنى فرسان الليل فرسان النهار. مع أن العبارة الصحيحة التي قيلت في أجدادنا الفاتحين هي: رهبان الليل فرسان النهار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This