حوار مع عالم الاقتصاد البرازيلي “إدمار باشا”- ” نحن نقترب من نهاية هيمنة الولايات المتحدة – وسندخل في نظام عالمي أكثر توازنا ” – تعريب : محمد صدّام

“إدمار باشا” Edmar Bacha دكتور في الاقتصاد بجامعة” يال” Yale وخبير لدى البنك البرازيلي الخاص ItauBBA منذ 1996. مدير لمعهد الدراسات السياسة الاقتصادية بريو دي جينيرو Rio de Janeiro . ساهم خلال1993-1994   في تركيز “مخطط ريال” لتثبيت الاقتصاد البرازيلي وهو المخطط الذي سمح بوضع تكافؤ قار بين العملة البرازيلية و بين الدولار.

 هل الأزمة الاقتصادية حسب رأيكم هي من النمط التقليدي و شبيهة بأزمة 1929 ؟
 لا أظن أنه يمكن مقارنتها بأزمة 1929 لسبب أساسي هو توسّع قوة آسيا ونفوذها. ففي سنة 1929 كان الغرب يشكل المركز الوحيد للاقتصاد العالمي. أما اليوم فالبلدان الكبرى الآسيوية  الصاعدة تشكل – في حد ذاتها – قوى متصدّية للأزمة، فهذه البلدان لها حركيّتها الخاصة التي هي بعيدة، بعض الشيء، عن البؤرة الرئيسية التي اندلعت منها الأزمة أي الحواصل و العائدات الناجمة عن قروض المخاطرة العقارية.
أما الفرق الكبير الآخر فهو يأتي من طبيعة النظام المالي الراهن. فالأزمات السابقة كانت مرتبطة  بالهزّات الدورية  التي كانت تصاحب ازدهار الرأسمالية في إطار سوق مصرفي منظـّم ومعدّل. إن النمو المنقطع النظير للتدفقات المالية الناجم عن ترك الأسواق بدون انتظام (déréglementation) وظهور فاعلين جدد (على الساحة) مثل صناديق استثمارات المضاربة أو ظهور آليات جديدة مثل التسنيدات (titrisations)، كل هذه العوامل أدّت إلى انهيار نظام أصبح من غير الممكن السيطرة عليه.
هل ستدوم هذه الأزمة ؟
نحن نجهل كم ستدوم وكيف ستؤثر على الاقتصاد “الحقيقي”. ليس هناك شك في كونها جـِدّية ومن نوع غير مسبوق، لكنها لن تخلف كارثة مثل عام 1929. إنها حقيقة الأزمة الأكثر عمقا لا محالة، على الأقل بالنسبة إلى الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. أما أن نعتقد كما يتوقع الخبراء أن كل شيء سيعود إلى سالف حالته الطبيعية في العام المقبل فذلك حسب رأيي مبالغة في التفاؤلية.
 
 كيف يمكن الخروج من الأزمة ؟ 
إن الحلول الوطنية هي بطبيعة الحال غير كافية، ويتطلب الأمر عملا وجهدا عالميا و شاملا. قد يستوجب ذلك تحويرا  كاملا لقواعد تسيير النظام المالي، وتبسيطها بالخصوص، كما اقترح ذلك مؤخرا كاتب الدولة الأمريكي للمالية “هنري بولصون” (Henry Paulson). ذلك أن النظام (المالي) افتقد السيطرة بسبب طبيعة التنافس بالذات. وقد نسيت البنوك قواعد الحذر السابقة التي كانت تسلكها . يجب إعانتها على استرجاع سبل الحذر حتى تستعيد الثقة في ما بينها وتجاه الجمهور. لكن يجب أيضا تجنّب تضييق الخناق عن الفاعلين الجدد وعن المنتوجات الجديدة التي أفادت المستثمرين كثيرا في العالم قاطبة.
 
هل تعتقدون في أطروحة ” فك الترابط ” التي تقول أن اقتصاديات البلدان الصاعدة أصبحت مستقلة إلى حد مّا عن اقتصاد الولايات المتحدة بحيث إنها تستطيع الصمود في وجه الأزمة ؟
نعم، أعتقد ذلك . قبل كل شيء لأن نصيب الولايات المتحدة من التجارة العالمية قد انخفض كثيرا – حتى ولو بقي مُهمّا – إلى حدود 20 في المائة. لكن خاصة لأنّ عملاقي آسيا ، الصين والهند، يتمتعان بدينامية نموّ خاصة منشطة من طرف أسواق داخلية عظيمة، تكفي وحدها لحفز اقتصاديهما لمدة طويلة.

 

 هل سنشهد إعادة توازن جديد للعولمة ؟
إنها بصدد التحقق. فنحن نقترب من نهاية هيمنة الولايات المتحدة  ومركز الاقتصاد العالمي بصدد التحول من الولايات المتحدة إلى آسيا. نحن على عتبة اقتصاد شمولي أكثر توازنا. ونحن نشهد تحولات كبرى في قدرات التمويل للاقتصاد العالمي، ويكفي أن نرى النشاط والحركية الذين تقوم بهما الصين في إفريقيا. إن هذا سيؤدي حتما إلى توازنات سياسية جديدة  وإلى تحولات في السلطة والنفوذ بين القوى العظمى الاقتصادية. والبرازيل مثلا سوف يستفيد كثيرا من التدفقات المالية الجديدة التي سوف تسمح له بتطوير بُناه التحتية.

 

 
هناك من يقول إن البرازيل، الذي يحتل المرتبة العاشرة اقتصاديا على المستوى العالمي هو – ضمن الدول الصاعدة – الأقدر على الصمود أمام الأزمة. هل توافقون على ذلك ؟
 نعم. وذلك لثلاثة أسباب جوهرية : أولا لأن البرازيل قد خفـّض بدرجة كبيرة نسبة تبعيته للولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت لا تمتصّ سوى 15 بالمائة من مبيعاته. فهو عرف كيف يوسّع من دائرة حرفائه. ثانيا لأن صادراته تمثل حتى الآن نسبة ضعيفة من إنتاجه الداخلي الخام ( حوالي 12 بالمائة) وهذا ما يجعله أقل عرضة للتقلبات الخارجية. وأخيرا تزخر البرازيل بالموارد الطبيعية والمنتوجات الفلاحية والمواد الأولية المطلوبة من طرف السوق العالمية – وآسيا خاصة – مثل لحوم البقر والصوجا ومعادن الحديد وغيرها… والنتيجة هي أنّ الصين تشتري اليوم 10 بالمائة من صادرات البرازيل وهو نفس القدر الذي تستورده الأرجنتين المجاورة. فالبرازيل يستفيد من صعود بلدان مثل الصين لها موارد طبيعية غير كافية مقارنة مع حاجياتها (التنموية).
 أ تكون للمشاكل الاقتصادية للبرازيل علاقة كبيرة مع الأزمة المالية العالمية ؟ 
بالفعل. فنحن قد تحمّلنا أزمتنا البنكية الخاصة في بداية التسعينات ، و قد اختفت العديد من البنوك من جراء ذلك، أما تلك التي بقيت على الساحة فهي قوية . ويتمثل المشكل الرئيسي اليوم في صعوبة تلبية الطلب الداخلي. فالبلد مضطر إلى الإبقاء على معدل نموه ( الذي بلغ 5,7 %  سنة 2007) كي يلبّي رغباته الاستهلاكية ويتحكم في نفس الوقت في نسبة التضخم (4,5%). كذلك يجب أن يتجنـّب ارتفاعا كبيرا لعملته (الريال البرازيلي) أمام الدولار كي لا يعيق صادراته ويجب عليه أخيرا أن يقدم تشجيعات أكثر للمستثمرين الأجانب. على أن كل هذه المشكلات ترتبط (اليوم) بأفق رخاء، فهي تختلف لحسن الحظ عن تلك التي واجهناها طيلة عقود والتي كانت تتمحور للأسف حول مسألة بدائية: كيف نضمن لأنفسنا البقاء ؟
في الجدال حول ارتفاع الأسعار الغذائية يقف البرازيل في قفص الاتهام. فهل هو على حق عندما يرفض كل علاقة بين إنتاجه الضخم للمحروقات البيولوجية (biocarburants) وبين ارتفاع الأسعار العالمية للمحروقات ؟
 إن هذه العلاقة موجودة، لكنها تبقى هامشية. فعندما نقوم بزراعة قصب السكر لإنتاج كحول الإيثيلي (éthanol) نطوّر بصورة أقل الزراعات الغذائية. وقد فاجأتنا الأزمة الغذائية مثل الجميع. فعندما اتخذ البرازيل خيار المحروقات البيولوجية – المُبررة بيئيا – كان ينتج وقتذاك القليل من البترول. إن الاكتشافات الأخيرة لحقول شاسعة من النفط – الذي يبقى حجم إنتاجه الحقيقي رهن الإثبات – يغيّر المعطيات المتعلقة بهذه المسألة. فالذي سوف يحظى بالأهمية مستقبلا في السياسة البرازيلية للطاقة هي التكلفة النسبية لاستخراج النفط من مدخرات المناطق البحرية (offshore) بالمقارنة مع السعر العالمي للبرميل.

أجرى الحوار ” جان بيار لانجلياي ”    Jean-Pierre Langellier( مراسل بريو دي جينيرو)

صدر المقال بجريدة ” لومند ” (الملحق الاقتصادي)
بتاريخ 29 أفريل/ نيسان 2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق