هنرييت عبودي والفردوس المفقود قراءة في رواية: كيمياء البشر (دراسة نقدية)

  عندما يقرأ المرء روايات هنرييت عبودي وقصصها القصيرة المتلاحقة بدءأ من الظهر العاري وانتهاء بكيمياء البشر مرورا  بالدمية الروسية وخماسية الأحياء والأموات لا يتمالك إلا أن يطرح على نفسه هذا السؤال: عم تبحث الكاتبة؟ ما هدفها في نهاية المطاف؟ ولماذا كل هذه الأسرار الغامضة التي تحيط بكتاباتها؟ هل هي أغاتا كريستي مثلا؟ في بعض قصصها يمكن القول نعم. ولكن فيما يخص قصصها الأخرى يمكن القول: لا. فهي تنضح بشيء آخر ولها توجه مختلف تماما. وقد خطر على بالي مرة أن أقول بأنها تبحث عن الزمن الضائع على طريقة مارسيل بروست. وبالتالي فالنوستالجيا، أي الحنين إلى الزمن المنصرم الذي مضى ولن يعود، هو المحرك الأساسي لرواياتها. إنها تنبش عن الماضي نبشا وتغوص غوصا إلى حد أنها تبعث شخصياته التي ماتت وكأنها نابضة حية. هذا ما فعلته في الخماسية حيث أحيت شرائح بأكملها من المجتمع السوري الذي يعود إلى العصر العثماني أوائل القرن العشرين أو حتى قبل ذلك. حقا إنها تبرع في استحضار الوجوه والتقاسيم والضحكات المجلجلة للأحبة الذين غابوا..وهذا ما فعلته في أماكن أخرى أيضا.
 كنت قد كتبت عن ذلك سابقا ولن أعود اليه بالرغم من انه يحق لي ان أعود مرات ومرات لأن هذا الجانب من عملها ليس فقط يعجبني بل ويشعرني بأنها تبلغ فيه، أو من خلاله، قمة فنها الروائي. إنها تحلّق عاليا عندئذ حتى يختلط الواقع بما فوق الواقع، الشيء بنقيضه، وحتى يتمّ تحييد الموت بل والانتصار عليه من خلال موجة الحب العارمة التي لا تعرف الحدود. انظر بشكل خاص قصة “الدعوة” في مجموعة: الدمية الروسية.
ومع ذلك لا أستطيع القول إنّ هنرييت عبودي كاتبة تراجيدية. فرواياتها مليئة بالتهكم الساخر و”اللسع” من تحت لتحت إذا جاز التعبير. إنها تكشف عن خفايا الشخصيات وعيوبها بشكل كاريكاتوري يجعلك تنفجر بالضحك غصبا عنك. وبما أنها تصوّر مفارقات الحياة ودهاليزها وتقلباتها الفجائية أو غير المتوقعة فإنّي أستطيع أن أضع رواياتها تحت العنوان البلزاكي الشهير: الكوميديا البشرية. بهذا المعنى فهي كاتبة كوميدية أكثر مما هي تراجيدية بكثير. ينقصها لكي تكون تراجيدية فعلا تلك السوداوية القاتمة لشخص مثل دوستيوفسكي أو كافكا أو ربما جورج سالم مواطنها وهو من حلب أيضا.
هنرييت عبودي تبرع ،وأكاد أراهن أنها تتلذذ وتستمتع، بتصوير الكوميديا البشرية السورية- اللبنانية على وجه الخصوص. أقصد كوميديا الحب والزواج، والغيرة، والحسد، والمظاهر، والعيوب الاجتماعية، والعلاقات العامة وسوى ذلك..إن قصصها القصيرة ورواياتها هي عبارة عن شرائح مقتطعة من الحياة المعاشة: شرائح مصورة بشكل واقعي جدا وأكاد أقول فوتوغرافي في بعض الأحيان. هذا ما توضّح لي جليّا بعد قراءة روايتها الأخيرة: بانسيون العائلات، عفوا: كيمياء البشر.
هذا الخطأ المقصود في ذكر العنوان يهدف إلى تلخيص الرواية بكلمات معدودات لمن لم يقرأها حتى الآن. الكاتبة تحشد في فندق متواضع يدعى “بانسيون العائلات” مجموعة من الأزواج وبعض العزاب أيضا،  ثم تصور شبكة العلاقات التي تنشأ فيما بينهم. وكذلك تتحدث عن حياتهم السابقة وجراحاتهم. فهذه مطلقة، وذلك أرمل، والثالث لم يحظ بإنجاب الأطفال، والرابع بخيل، والخامس ثرثار، والسادس يبحث عن زواج متعذر، والسابع ريفي غشيم، الخ..ثم تتلاعب بهم الكاتبة على هواها وتوجه مصائرهم كما تشتهي وتريد ولكن بشكل مقنع في معظم الأحيان وإلا لفشلت الرواية.
وأنا شخصيا أعتقد أنها من أنجح رواياتها إن لم تكن الأنجح على الإطلاق. نسيت بالطبع أن أذكر مرهف الذي قد يكون الشخصية الأساسية من حيث الجاذبية والكاريزما الشخصية. والواقع أن مهمته تكمن في أن يكون الوسيط، بالمعنى الكيميائي للكلمة، أي الذي بدونه لا تحصل التفاعلات بين الشخصيات الأخرى كما ينبغي ولا يكتمل الجو في الفندق ولا يبلغ ذروة الحضور والحيوية. ولهذا السبب دعت روايتها: كيمياء البشر. فهناك أناس قادرون بمجرد حضورهم على بعث الحياة في الجو الميت أو الممل، على إحداث شرارة كهربائية لا يعرف أحد سرها ولا مصدرها. ولكن هل هناك من تفسير لسر العبقرية أو الجاذبية؟ هناك أناس يقتلونك قتلا بحضورهم وتحسب الدقائق ساعات. وهناك أناس لا تمل من وجودهم وتمر الساعات وكأنها ثوان..
في الواقع إن “بانسيون العائلات” ليس إلا عبارة عن مختبر مصغر للمجتمع اللبناني أو السوري أو ربما العربي عموما. والأشخاص الذين حشرتهم الكاتبة في هذا “البانسيون” تكاد تظن أحيانا أنك رأيتهم أو التقيت بهم في لجة الحياة يوما مّا ولكن لم تعد تتذكر أين بالضبط ..فالسيد زاهي البستاني البخيل الشحيح تكاد تظن انك رأيته عشرات المرات هنا أو هناك. والشاب الريفي الساذج والمسكين صالح المرشد أكاد أراهن أني رأيته في قريتنا يوما ما بل ربما كنت أنا هو بشكل من الأشكال! هنا كان يمكن أن أصفّي حساباتي مع هنرييت عبودي ولكني سوف أؤجل ذلك إلى فرصة أخرى..وأكرم حداد موظف الجمارك المتقاعد بعد أربعين سنة من العمل لم يتزوج ولم ينجب الأطفال. وقد لجأ هو الآخر إلى بانسيون العائلات عساه يجد فيه دفئا وحنانا وربما فرصة للانقضاض على إحداهن..أما غازي غانم فهو شخص ثرثار “يبحث دائما عن جمهور لكي يقص عليه حكاية بطولاته الملفقة” كما تقول المؤلفة.ص 34 “وصوته يلعلع في المطعم كله”..لاحظ هنا الاستخدام الناجح لكلمة من العامية السورية: يلعلع. ولا أعرف إذا كان كل العرب الآخرين يفهمونها. هذا الشخص التقيت به أنا حتما يوما مّا بل وكان صديقي..وقد قلت له: إذا كانت نظرية داروين صحيحة فسوف أفقد أنا حاسة الكلام لأني لا استخدم لساني أبدا في حضرتك. أما أنت فسوف تفقد ملكة السمع لأنك لست بحاجة إليها. ومعلوم أن العضو الذي لا يستخدم لفترة طويلة ينتهي به الأمر إلى الانقراض كما يقول علم البيولوجيا إذا كانت معلوماتي لا تزال صحيحة. لكن هناك ملاحظة أخرى عن الثرثارين لا يعرفها إلا من عاشرهم. وهي انه لا يمكن أن يجتمع ثرثاران في مجلس واحد! وأتذكر أني دخلت إلى بيت يوما ما مع صديقي الثرثار هذا وما إن ألقى نظرة على الحضور حتى خرج مسرعا بل ومهرولا وهو يقول لي: لا، لا،لا ندخل أبدا. يوجد في الداخل شخص ثرثار لا يحتمل! فمتّ من الضحك.. قال هذا بشكل طبيعي ناسيا انه هو من اكبر الثرثارين…غازي غانم من هذا النوع تماما. ولا أحد يعرف كيف تتحمله زوجته ليلى الجذابة المثيرة للانتباه. وربما لهذا السبب كادت تخونه مع شخص آخر في البانسيون يدعى: أكرم حداد. هنا تتجرأ المؤلفة على طرق موضوع الخيانة الزوجية في مجتمع شرقي ترعبه هذه المسألة كثيرا. أقصد ترعب الرجل بالدرجة الأولى لأنه يحق له أن يخون زوجته بل ويفتخر بذلك على رؤوس الأشهاد أما هي فإذا ما فكرت في الأمر مجرد تفكير فان السماء تنطبق على الأرض وتحدث زلزلة في المجتمع كله..
كل الرواية عبارة عن تصوير لنماذج بشرية بدءا من مدير الفندق حاكم وزوجته أمينة وانتهاء بآخر نازل فيه. ومعلوم أن مناقرات حاكم  مع أمينة لا تنتهي ولكنها لذيذة ومؤثرة قريبة إلى القلب. وهي تقف فوق رأسه كعزرائيل فيحسب لها ألف حساب.. وهذا دليل على انه ينبغي تحرير الرجل من المرأة أحيانا وليس العكس. فالمسكين حاكم مرعوب فعلا وهو محكوم أكثر مما هو حاكم. ففي حضرتها لا يستطيع أن يتنفس..باختصار: كلهم جاؤوا إليه كي يداووا جراحاتهم، لكي يبحثوا عن بقعة دفء في هذا العالم..وكل واحد وراءه تاريخ وقصص يريد أن ينساها إذا أمكن ويبدأ حياة جديدة بالنسبة للعزاب على الأقل.. وهكذا يتحول البانسيون إلى عائلة كبيرة رغم انه لا تجمع بين أعضائه أية  قرابة. هل هو الفردوس المفقود يا ترى؟ على الأقل هذا ما يشعر به القارئ ما إن يغلق الصفحة الأخيرة من الرواية. وعندئذ يحزن ويندم لأنها انتهت ولأنه مضطر إلى أن يخرج من الفردوس أو الجنة! لقد استطاعت الكاتبة أن تصور الجو داخله بشكل مقنع إلى درجة أننا اعتقدنا انه يمثل حقيقة واقعة لا تقبل النقاش. وبالتالي فكان ينبغي أن يظل  البانسيون شغالا على طول الخط: أي ألا تنتهي الرواية أبدا..
هذا الفردوس المفقود أو بانسيون العائلات الذي صورته هنرييت عبودي بكل تمكن واقتدار هو الذي يؤلمنا أن نفارقه في نهاية المطاف. فنحن أيضا من المفجوعين الذين جرحتهم الحياة وبحاجة إلى مأوى تماما كسلمى فخري، وسامي بحري، ومرهف، وأكرم حداد وغازي غانم وزوجته التي كادت تسقط في إغراء الخيانة الزوجية مع أكرم حداد ما غيره.. وهناك سمير بحري الذي يطمح إلى سلمي فخري الخ..لكن لنستمع ولو قليلا إلى الصورة الشخصية التي تقدمها المؤلفة عن زاهي البستاني المشهور بالبخل. إنها تستحق أن تدخل في كتب المختارات الأدبية: ” لا يذكر زاهي بستاني انه تكلم طول حياته، على النحو الذي فعل ليلة الأمس، ولا حتى مع ثريا، رحمها الله…فمن عادته ألا يتطرق في حديثه إلا إلى شؤون الحياة اليومية، ومن عادته، أيضا، أن يختصر ما أمكن في الكلام. فما الفائدة من الإسهاب؟ وما ضرورة الشرح والتفصيل بعدما يتم توضيح المقصد؟ ثريا كانت تشتكي من بخله في الكلام، من “بخله حتى في الكلام” على حد تعبيرها… والحال انه يقتصد فيه فحسب كما يقتصد في كل شيء. هكذا نشأ، وعلى هذا المنوال سار، بالرغم مما تعرض له من انتقادات. “إن عشرتك تبعث على الملل”، عبارة طالما سمعها على مر الأيام.. الخ. ص73 وانظر تكملة البورتريه بين الصفحتين 26.29.
“كانت زوجته تشتكي من بخله حتى في الكلام! والحال أنه يقتصد فيه فحسب كما يقتصد في كل شيء”. وهذا يذكرني بقول ابن الرومي عن بخيل في عصره يدعى عيسى:
يقتر عيسى على نفسه….وليس بباق ولا خالد
فلو استطاع لتقتيره…تنفس من منخر واحد!
لا أعرف ما إذا كانت هنرييت عبودي قد قرأت كتاب البخلاء للجاحظ. ولكني أعرف انه ليس أبرع منها كثيرا في تصوير البخل والبخلاء. برافو. لقد ضحكت كثيرا واستمتعت بهذه البورتريهات الشخصية إلى أقصى الحدود..إنها قطعة من الحياة المفعمة بالحياة لا أكثر ولا اقل.
هناك صفحات أخرى في الرواية تستحق أن تكون في كتب المختارات الأدبية. لنستمع إليها تتحدث عن أحد النزلاء سامي بحري ممثل شركة الأدوية والباحث منذ عقود عن زواج مفقود: “لقد بحث عن رفيقة دربه غير انه لم يوفق في مسعاه. عقد خطوبته قبل أعوام على طالبة جامعية رزينة ومستقيمة( لاحظ هذين النعتين المرعبين والمنفرين أصلا للمرأة) لكنه تردد في العقد عليها. كانت من أسرة محترمة، لها شقيق طبيب وآخر محام، غير أنها كانت عنيدة، متشبثة بآرائها، علاوة على كونها…غير جذابة”.
لاحظ قمة السخرية في الموضوع: بعد كل هذه الأوصاف الرادعة كيف يمكن للمخلوقة أن تكون جذابة! ولاحظ كيف انك عندما تخطب سورية فانك تخطب كل عائلتها معها: لها أخ طبيب وآخر محام..بنت عائلة! كل ما ينفرني في المجتمع السوري، كل ما أكرهه موجود هنا. مجتمع المظاهر السطحية الفارغة  والطبقية المتغطرسة والعلاقات القمعية المتعالية..
بمعنى من المعاني يمكن اعتبار الرواية كلها بمثابة نقد مبطن أو غير مباشر للعادات الاجتماعية السورية أو اللبنانية. وهنا يكمن جانب آخر مهم من جوانب الرواية.
لكن لنواصل قراءتنا فالمقطع لم ينته فصولا بعد: “لم تكن قبيحة، لا، كانت عادية لا تلفت النظر لا سلبا ولا إيجابا”.
لاحظ هذه الكلمة الاعتراضية “لا” ما أخبثها وما أنجحها في ذات الوقت!
وإذن فقد فات سامي بحري هذا قطار الزواج. ولكن على الرغم من كل تعاسته في هذا المجال لم استطع أن أحزن عليه بل كدت أشمت به وأتلذذ بفشله المتواصل.  فلماذا لا يتزوج سلمى فخري التي يبدو انه يحبها؟ وماذا ينتظر هذا الحمار؟ هنا أيضا تنفجر في وجهنا مشكلة جديدة: وهي أنها مطلقة! فالمجتمع السوري لا يحب المطلقات أو قل إن الرجل العربي ترعبه كلمة: امرأة مطلقة….نعم هناك رعب من المرأة المطلقة في سوريا في حين أنها جذابة جدا هنا في فرنسا.
         وكعادتها فان هنرييت عبودي تبدو بمثابة الراصد الحاذق للمخاضات الاجتماعية والتحولات التي طرأت على مجتمعنا الشرقي. ودائما المشاكل الاجتماعية، وبخاصة مشاكل الزواج والطلاق والعلاقة بين الرجل والمرأة واحتقار أهل المدن لأهل الأرياف والانبهار بالطبقات العليا في المجتمع، أي الغنية بكل بساطة، تسيطر على عالمها الروائي. نلاحظ غيابا كاملا للمشاكل السياسية والدينية والطائفية  في الرواية بالرغم من أنها تنخر حاليا في المجتمعات العربية المشرقية نخرا. فقط يتم التركيز على المشاكل الاجتماعية والوجودية. هناك خوف أو تهيب من طرح موضوعات معينة حساسة. ولماذا وجع الرأس يا ترى؟ والواقع أن الرواية هي عبارة عن نوع من فيزيولوجيا الزواج أو فيزيولوجيا الحياة ككل. والمقصود بذلك تشريح الزواج والعلاقات العائلية والغرامية الخ..وربما كان هذا المصطلح من بلزاك إذا لم تخنّي الذاكرة. بل هو منه دون شك لان عنده رواية بهذا الاسم كتبها عام 1829. وفيها يصور الكاتب الفرنسي الكبير وضع المرأة في عصره ويدعو إلى تحسينه تحاشيا للخيانة الزوجية. كما ويصور بطريقته الفائقة الدقة بعض الأمراض الاجتماعية التي تؤدي إلى انهيار الزواج. باختصار فانه يقدم تشريحا للزواج ومشاكله في أدق دقائقه.
وهذا ما تفعله هنرييت عبودي بطريقتها الخاصة ولكن بالنسبة للمجتمع السوري لا الفرنسي بالطبع. ونلاحظ أن الكاتبة تمزج بين الواقعية المحضة والشاعرية المحلقة فوق الواقع من حين لحين، الشيء الذي يخلع على الرواية جاذبيتها وجمالها.

مرة أخرى تثبت هنرييت عبودي أنها بارعة في فن السخرية والتهكم ولكن على البارد دائما..وقد أشبعت ميولها هذه بنوع من السادية تقريبا من خلال تقديمها للنماذج البشرية المختلفة التي تضج بها الرواية: وبخاصة زاهي البستاني المشهور بالبخل والشح، أو غازي غانم الثرثار، أو صالح المرشد القروي وبالتالي الغبي والخجول بالضرورة، الخ..والواقع أن السخرية المرة أو الحلوة هي ملح الرواية بالإضافة إلى الشاعرية الفياضة والنوستالجيا أو الحنين الجارف إلى شيء مضى ولن يعود..وأحيانا تنتقل الكاتبة من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق: أي من السخرية والتهكم إلى الحنين واللطافة..

الرواية هي عبارة عن نقد اجتماعي للمجتمع الشرقي، نقد يتحول في بعض الأحيان إلى ثوري راديكالي وبخاصة فيما يتعلق بالدفاع عن المرأة المطلقة أو التفهم النسبي للخيانة الزوجية التي كادت تحصل بين مدام غانم ونزيل الفندق الآخر أكرم حداد والتي لم تحصل في نهاية المطاف فبقينا على جوعنا وعطشنا.. وبالتالي فحتى لو لم تتحدث المؤلفة عن الدين والسياسة إلا أن نقدها الاجتماعي للعادات والتقاليد الراسخة يصيبهما بشظاياه إلى حد ما وان بشكل غير مباشر. بالطبع لو كان هناك تشريح للطائفية المنتشرة في المجتمع السوري أو اللبناني أو المشرقي بشكل عام لكانت الرواية تفجيرية أكثر بكثير. نقول ذلك خاصة لأن المؤلفة قادرة على ذلك لو أرادت. ولكن ليس هذا هو موضوعها. موضوعها الطبقية لا الطائفية: أي انقسام المجتمع السوري اللبناني إلى طبقات لا طوائف. ولكن هنا تطرح مشكلة نفسها: هل الانبهار بالطبقات العليا يعبر عن رأي المؤلفة نفسها أم إنها تنتقد بشكل غير مباشر هذا الانبهار بالذات؟ نميل إلى الاحتمال الثاني بالطبع. فالانبهار بالأشياء السطحية، بالمظاهر الفارغة، بالأغنياء لمجرد أنهم أغنياء، لا يمكن أن يعبر عن رأي الكاتبة. والدليل على ذلك الصفحة التالية التي يفتخر فيها المسكين حاكم صاحب بانسيون العائلات أمام زوجته قائلا:
“أما تأكدت بأم عينك من منزلة رفاقه الرفيعة؟ لقد سهرنا بالأمس يا أمينة مع ابنة زهير بك ماضي، وفخري بك سكر، ومع نجل وزير المالية سابقا، فوزي الطرابلسي، اجل، الشاب الذي يدعى أيهم هو ابن الوزير الأسبق! أما الذي لم يكف عن الرقص، أعني الشاب المربوع الذي يدعى وسيم، فهو ابن شقيقة رجل الأعمال الشهير عثمان الدباغ”..
لاحظ هذا التبجح والافتخار بأنه تعرف على كل هؤلاء “الكبار” أو انه رآهم عن بعد مجرد رؤية..انه انبهار أبناء الطبقات الدنيا بأبناء الطبقات العليا وذوي المراتب  والنفوذ في مجتمعاتنا التي لا تزال تتحكم بها علاقات إقطاعية فوقية تعود إلى ما قبل الحداثة.
مرة أخرى تثبت هنرييت عبودي أنها قادرة على خلق عالم روائي لا تصنع فيه ولا افتعال في معظم الأحيان. ومعلوم أن هاتين الصفتين هما اللتان قتلتا الرواية العربية أو قسما كبيرا منها. المؤلفة قادرة على خلق جو دافئ حميمي مليء بالشخصيات المختلفة والهموم المتشابكة أو المتقاطعة والمتعارضة في آن. انه عالم حي يوازي عالم الواقع ويختلط به وينفصل عنه أحيانا لكي يحلق سرياليا: أي شاعريا.
أخيرا ينبغي التنويه بالنزعة الإنسانية للرواية التي لا قيمة لأي عمل أدبي بدونها. ولكنها تحصل بشكل عفوي طبيعي بدون أي مواعظ أخلاقية مملة. ولحسن الحظ فان الكاتبة اختتمت روايتها على هذا النحو. وبالتالي فلا داعي للاعتذار من ادهم. لحسن الحظ فان مرهف تجاوز تراجيديا الطفولة وأصبح إنسانا يحس ويشعر ولم يعد يرفض التفاعل الإنساني أو التعاطف البشري. ومعلوم أن فواجع الطفولة إذا كانت أقوى من اللازم تحول الإنسان إلى صخر جلمود ولا يعود يحس بشيء. إنها تحوله إلى كائن عدمي أو عبثي لا يعود قادرا على ان يؤمن بالحياة. فمن كثرة ما صدم في الحياة يموت شيئ ما في داخله ولا يعود قادرا على التفاعل مع الآخرين بشكل طبيعي. وعندئذ يتوهم الناس انه شخص “مستوحش” فاقد للإنسانية في حين انه عكس ذلك تماما. كل ما في الأمر هو انه فقد ثقته بالحياة بعد أن قتل والده أمام عينيه في حادث سير وهو طفل. وبالتالي فمشكلة مرهف في نظري ليست قلة الحب أو نقص الإحساس بالنزعة الإنسانية والتعاطف مع الآخرين وإنما زيادة النزعة الإنسانية لديه والخوف على الحب من صدمات الحياة أو نوائب الزمان. لا تكمن مشكلته في رفض السعادة بشكل مسبق وإنما في الخوف على السعادة، في الشعور بان السعادة في هذا العالم هشة، مهددة دائما بالخطر. ممنوع أن تكون سعيدا في هذا العالم! ممنوع أن تكون في هناءة أو طمأنينة وحبور. كل لحظة سعادة يدفّعك القدر ثمنها دما ودموعا. نحن في عصر التراجيديات الفردية والجماعية. نحن لسنا في عصر السعادات، هيهات..
على الرغم من كل ذلك فإنّ المؤلفة أحسنت صنعا إذ صالحته في النهاية مع الحياة. فالنهاية الايجابية للفيلم الذي دار داخل بانسيون العائلات تظل على الرغم من كل شيء أفضل من النهاية السلبية اليائسة التي قد تحبط القراء وتنغص عيشهم وتجعلهم يرفضون الحياة أو ينهزمون أمامها سلفا ودون أي مقاومة. وأعتقد أن النزعة الإنسانية للمؤلفة هي التي جعلتها تنهي الرواية بهذه الطريقة ولا تحرم القارئ من إمكانية تحقيق السعادة على هذه الأرض. هنا يكمن الطابع المتفائل وغير السوداوي لهنرييت عبودي.
     في الختام سوف أقول ما يلي: بعد أن قرأت هذه الرواية فكرت بعنوان آخر أضع تحته كل أعمالها الأدبية. وقلت بيني وبين نفسي: ألا تبحث الكاتبة بشكل مباشر أو غير مباشر، واع أو غير واع،عن شيء يتجاوز الواقع أو يعلو عليه؟ على الرغم من واقعيتها النقدية وأحيانا الفوتوغرافية ألا تبحث عن شيء ما يشبه الفردوس المفقود؟ ربما لم يكن مفقودا بالنسبة لها ولكنه حتما مفقود بالنسبة لعدد كبير من القراء وجرحى الحياة ممن غص بهم بانسيون العائلات. نحن جميعا جرحى بشكل أو بآخر مثل زاهي البستاني أو صالح المرشد أو سمير بحري أو سلمى فخري أو زهير غانم أو حتى مرهف بل وبالأخص مرهف الخ.. وكلنا بحاجة إلى بانسيون عائلات نتجمع فيه ونداوي جراحاتنا ونجد بعض الأنس والحنان الذي نفتقده لسبب أو لآخر. أكاد أقول نحن جميعا بحاجة إلى مصحات عقلية لأنّ بانسيون العائلات يشبه العصفورية (كما يقولون في سوريا) إلى حد كبير. قد أكون بالغت هنا بعض الشيء وقوّلت المؤلفة ما لم ترد قوله..
     ولكن هذا الكلام يعني أن الفن هو أساسا تعويض عن الحياة. فما لا نستطيع تحقيقه بالفعل نحلم به ونحوله إلى حقيقة عن طريق الخيال المجنح. بالفن نستطيع ان نصبح أغنياء ونحن فقراء ، ناجحين ونحن مهزومين ، أقوياء ونحن ضعفاء. بالفن نستطيع ان نحصل على كل ما نريد ونبني قصورا في الهواء..انظر ألف ليلة وليلة أو دونكيشوت أو غيرهما من روائع الأدب العالمي. بالفن نستطيع أن نصل إلى كل ما عجزنا عن تحقيقه على هذه الأرض. ولولا ذلك لما كان الفن يستحق ساعة عناء واحدة. الفن أجمل من الحياة: اقصد بان العوالم التي يخلقها أحلى وأبهى من كل حياة. أو قل انه الحياة زائد شيء آخر يتعالى على الحياة.
هذا ما خطر على بالي بعد قراءة  رواية “كيمياء البشر” التي تجري أحداثها داخل فندق يدعى بانسيون العائلات. فبانسيون العائلات هذا ليس إلا الفردوس المفقود. والدليل على ذلك أني عندما أنهيت الرواية وأغلقت الصفحة الأخيرة أحسست بالخيبة والضياع وكأني خرجت للتو من الجنة أو حتى طردت منها وأصبحت يتيما مهجورا على الطرقات والدروب..كنت أتمنى ألا اخرج منها، أن أظل في هذا الفندق العائلي إلى  الأبد. ما إن أغلقت آخر صفحة حتى وجدتني أعود إلى جحيم الواقع من جديد.

      أحيانا تنجح بعض المقاطع في التصوير إلى درجة انه يمكن إدراجها في صفحات مختارات من الأدب العربي كما ذكرت سابقا. لنستمع إلى هذا المقطع الذي يتحدث عن “حاكم” صاحب الفندق على النحو التالي: “وضحك حاكم، ضحك بصوت عال، فاستأهل نظرة متفحصة ومندهشة من أمينة التي دلفت لحظتها إلى بهو الفندق، قادمة من المطبخ. واستبق السؤال الذي كانت زوجته ستطرحه عليه لا محالة بأن سارع يقول: “تذكرت نكتة حكاها لي أحدهم”. وأضاف بلهجة مرحة، بل مغتبطة: “جاءنا نزيل جديد…ربما يتناول عشاءه في الفندق، فاحسبي له حسابا”. فأجابت أمينة بنبرة زاجرة: “وماذا تعني بكلمة ربما؟” وإزاء الصمت الذي لزمه زوجها تابعت تقول: “تريدني أن أعد وجبة إضافية هكذا، لوجه الله؟! لماذا لم يعطك جوابا صريحا؟””لأني لم اطرح عليه السؤال”، رد حاكم وهو يحك قمة رأسه، بحثا عن بقية من شعر هجرها من زمان.ص14.15.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق