تزفيتان تودوروف: في مواجهة الإرهاب من الضروري الخروج من التمثيل المانوي للعدو!

فيما يلي حوار مع تزفيتان تودوروف أجرته معه جريدة الباييس الإسبانية وترجمه أحمد يماني.

الباييس: كيف خطر لك أن تترك صوفيا وترحل إلى باريس؟

تودوروف: في نهاية الخمسينات كانت كل الفرص المتاحة في بلغاريا أن تشق طريقك في الحزب الشيوعي أو أن تتفرغ لحياتك الخاصة. الفروضات والالتزامات كانت تبدأ وقت العمل. بينما كانت حياة الطالب سهلة.

ب: هكذا قررت الرحيل…

ت: كان لنا قريب يعيش في كندا قدم عرضا لشباب العائلة، أن ينفق علينا كطلاب عدة سنوات في الخارج. كان يمكنني الانتقال إلى أي مكان. حلم الذهاب إلى باريس لم يخل من كليشيه بسبب ال Chançon، مونتان، بياف… هناك هبطت من القطار في أحد الأيام الساعة السادسة صباحا بحقيبة وإعانة شهرية ضئيلة سمحت لي بالتحصل على حياة متقشفة.

ب: هل كنت تعرف آنذاك ما كنت ستنكب عليه؟

ت: لم أكن أريد أن أصير شاعرا ولا روائيا، ومع ذلك كنت أود الحديث عن الأدب. كنت قد قمت بذلك في بلغاريا. هذا نعم: دون الدخول في الجانب الإيديولوجي. كنت قد انشغلت بالطبيعة المادية للأدب، بطبيعته الشفاهية. ركزت على القيام بدراسات شكلية وهكذا لم يكن عليّ اختراق مبادئ الماركسية اللينينية. يخيل إلي أنني لو كنت قد أردت التواصل مع كتاب لكان الأمر هينا، لكنني لم أجد أحدا مهتما بهذا النوع من الأشياء. حتى حدثوني عن جيرار جينيت، وكان قد أصدر كتابا حول الشكلانيين الروس، وصار بمثابة أخي الكبير، الرجل الذي أرشدني، الذي حملني إلى بارت ومن هناك إلى مجلة “تل كل”، التي كان يديرها فيليب سوليرز. سجلت في الجامعة لأقدم أطروحة الدكتوراه، وكان عليّ البقاء بعض سنوات أكثر وبدأت الكتابة بالفرنسية.

ب: أية علاقة كانت لك مع المثقفين الغربيين؟ الكثير منهم كان يتعاطف مع الشيوعية آنذاك.
ت: كنت قريبا من البنيوية، التي انبثقت بالتحديد كخيار آخر للفكر الماركسي. ليس كل شيء يخضع للعامل الاقتصادي، هكذا كان يرى مفكرون مثل ليفي شتراوس، البنى الفوقية كذلك تؤخذ في الاعتبار، الصلات العائلية، الأساطير…

ب: لكن كان هناك ماركسيون بين البنيويين مثل ألتوسير.

ت: ما كان يبدو لي حينذاك لغزا أن أناسا يعتبرون أحرارا وأذكياء كانوا يتعاطفون مع نظام كنت قد هربت منه. في باريس لم يكن هناك جوع بل وفرة؛ لم تكن هناك دولة قمعية، بل حرية. وهذا سبّب لي حيرة كبيرة أن يدافع البعض عن نظام شمولي.

ب: لماذا توجهت في العام 1967 لدراسة غزو أمريكا؟

ت: كنت قد قضيت خمسة عشر عاما في فرنسا، وكنت قد تزوجت. في عام 1963 حصلت على الجنسية الفرنسية، ومع أنني لست ماركسيا إلا أنني أعتقد أن الكائن يحدد وعيه. أي أنني لم أكن أعيش بوعي شاب بلغاري. كان باستطاعتي أن أنشغل بأمور كثيرة، كان باستطاعتي أن أتحدث عن كل ما يقوله الأدب. كنت قد تحررت من قيودي، لم يعد ضروريا أن أتناول فقط البنية، الأسلوب، الشكل.

ب: واخترت مكسيك الغزو…

ت: عندما بدأت بقراءة برنال دياث اكتشفت أنه كان يحدثني عن اللقاء بالغريب، الغريب المطلق، وأنه كان يحكي لي معنى تعلم الحياة مع الآخر، مع المختلف. في مغامرة غزو أمريكا شاركت شخصيات مدهشة واجهت سريعا واقعا غير عادي، جديدا تماما.

ب: وكان عليهم الخضوع له بأي ثمن كان…

ت: ما فعله كورتيس كان أخّاذا، فرض هيبته بمائة وعشرين جنديا أمام خصم كان له عشرون ألفا من الجنود. إسهامي في حل هذا اللغز له علاقة بالسميوطيقا. كان كورتيس يتحكم في العلامات بشكل أكثر نجاعة من موكتيزوما.

ب: وما الذي يعنيه هذا؟

ت: كان جميع الأسبان يبحثون عن شيء واحد في أمريكا: الذهب. كان كورتيس أكثر حكمة. قرر ألا يتقدم حتى يتحصل على مترجم، وحينئذ ظهر مالينشي. تعلم الاسبانية وأصبح يترجم له ما يقوله الآخرون، المجهولون. عرف كورتيس آنذاك أنهم ينتظرون عودة الإله Quetzalcl، فقرر أن يستخدم الأسطورة مقدما نفسه لهم كمبعوث للإله. جعلهم يصدقون فيما كانوا يريدون تصديقه. كان يتصرف كأمير حديث.

ب: في أحد كتبك انشغلت بالفن الفلامنكي في عصر النهضة. ما الذي يجمع كامبين*Campin بكورتيس؟

ت: في عالم القرن الخامس عشر تم اكتشاف أن على الفرد أن يمتلك زمام أمره. لم يعد مثلما كان في العصور الوسطى حيث لم يكن الفرد موجودا، كان فقط انعكاسا لشيء أعلى منه. طراز نوعي دون شيء بارز. وهذا ما حدث كذلك في عالم موكتيزوما. وهكذا مثلما بدأ كامبين Campin برسم أناس محددين في عصره، فإن كورتيس شارك أيضا في فكرة أن العالم يستحق أن يعرف كما هو عليه. كان يريد رؤية العالم الذي يقع على مستوى بصره. لم يعد الأمر يتعلق بالبقرة كفكرة، كانت هناك بقرات بعينها، كالتي رسمها كامبين. إنها الحداثة.

ب: كورتيس وكامبين، لكن كذلك تناولت حرب العراق…

ت: الإرهاب الإسلامي اليوم هو العدو الأكبر للديمقراطية الغربية. لكنني لست موافقا على عرض الأمور بهذه الصورة. يجب أن يحارب الإرهاب بلا هوادة، وهذا ما يعرفه الأسبان جيدا فما زالوا يعانون منه. لكن ليس من الملائم اختراع عدو أكبر، أن يكون الإسلام أو البلاد الإسلامية. من الضروري الفصل بشكل واضح بين مختلف المسائل: الإجراءات البوليسية، مراقبة الإنترنت، التسرب في الشبكات الإسلامية… إن عدو اليوم لهو أكثر خطورة وذلك لأنه لا يعتمد على قوة متعارف عليها.

ب: كيف يمكن مقاومته إذن؟

ت: لا ينتعش الإرهاب إلا في الأماكن التي توفر له بيئة صالحة. إنه أمر مبثوث في عقول الأشخاص. ولهذا فإن المقاومة الإيديولوجية شديدة الضرورة، على أوروبا أن تضع هذه المعركة في خططها الأولى.

ب: ولماذا أوروبا؟

ت: لأن الولايات المتحدة الأمريكية ارتكبت أخطاء أكثر من اللازم. هناك ستجد جوانتانامو، أبو غريب، بجرام. إنها بالتحديد هذا النوع من الواقع الذي ينتهي بأن ينتج محيطا يتعاطف مع الإرهابيين، يحميهم، يمولهم، يسهل لهم الأمور اللوجستية التي يحتاجونها. من الضروري الخروج من هذا التمثيل المانوي للعدو.

ب: هذا التمثيل المانوي يفيد أحيانا في استنفار الشعوب أنفسها ضد العدو.

ت: أعتقد أنه في هذه الحالة بدلا من مقاومته فإنه يتم تقويته. لو ربطنا بين حقيقة الإسلام وبين ما يحض عليه الإسلاميون فإننا نقوم بإسداء معروف كبير إلى ابن لادن. الأغلبية العظمى من ضحايا الإرهاب الإسلامي مسلمون. من الأهمية بمكان تنسيق وتفريق وملاحظة العالم المحدد وفهم تنوعه. مثلما فعل كورتيس.

ب: لم يتم إحكام الأمر كثيرا عند غزو العراق. الإطاحة بالديكتاتور، أسلحة الدمار الشامل، الشبكات الإرهابية…؟

ت: الخطر الأشد أن تدخل في خط حلزوني من الفعل ورد الفعل فهذا يخرج الأشياء أكثر فأكثر عن طورها. في الهجوم على البرجين مات ثلاثة آلاف شخص. الضحايا الذين سقطوا في حرب العراق ثلاثمائة ألف والحرب لم تنته بعد. أعتقد أنه ستكون هناك كارثة، خراب لو فكرت أمريكا بغزو إيران. كارثة سوف نظل نعاني منها طوال حقب حتى نفرغ منها.

-*الرسام الفلامنكي روبرت كامبين (1375-1444).

-*تجدر الإشارة كذلك إلى الترجمة العربية لكتاب تودوروف: فتح أمريكا، مسألة الآخر. ترجمة: بشير السباعي، دار سينا، القاهرة 1992.م.

-*الترجمة عن جريدة الباييس الإسبانية 15.03.2008

-*الملحق الأدبيّ Babelia

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق