ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا( 15) في مديح التمرّد

عندما كان مرشّحاً للرئاسة، دعا الرئيس نيكولا ساركوزي الفرنسيين إلى “القطيعة مع وقاحة مايو 1968 التي ألغت الفرق بين الخير والشر وبين الحقيقة والكذب وبين الجمال والقبح”. ليس مستغرباً أن تأتي هذه الشتائم من ساركوزي، فغير بعيدة عن الأذهان الوحشية التي تعاملت بها قوات الأمن مع تظاهرات الضواحي، يومَ كان وزيراً للداخلية، وكان همه حينها ألا تنذر انتفاضة الضواحي بانتفاضة مماثلة لما جرى في مايو 1968. القطيعة الأهمّ التي يريدها ساركوزي وأمثاله ليست مع مطالب الانتفاضة، وقد أصبح جزء منها أمراً واقعاً يستحيل التراجع عنه، القطيعة المأمولة هي مع “وقاحة” التمرد. المسألة، كما نقرؤها، لا تعبّر عن نزوع ثأريّ تجاه واقعة معينة في التاريخ، بل تجاه القيمة المتضمَنة في تلك الواقعة. ثمة رغبة في إلغاء قيَم أثبتت وجودها عبر التاريخ، أو بالأحرى أثبتت ضرورتها عبر التاريخ، من أجل صياغة جديدة تجعل الصراع صراعاً بين أصوليات وحسب.

ماذا تعني فرنسا بلا انتفاضة 68 والحي اللاتيني، وطبعاً قبل ذلك الثورة الفرنسية؟! أعتقد أن هذا هو السؤال الصحيح في هذه المناسبة. اليوم قد لا يجد الزائرُ الحيَّ اللاتيني الذي قرأ عنه كثيراً، لكن الصورة الثقافية الباقية للحي اللاتيني أمضى من كل التقسيمات الإدارية لباريس اليوم. وفي الواقع قد لا يعرف، أو لا يتذكّر، الكثيرون ما الذي كانت عليه فرنسا قبل انتفاضة 68. فالصورة الثقافية السائدة هي ذكريات الحركة الوجودية، أو اليسارية، قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، أما فرنسا الديغولية المحرَّرة فقلّما عرفناها، خاصة مع الحفاوة العربية بالسياسات الخارجية للعهد الديغولي. على سبيل المثال، قبل انتفاضة 68، فصلت مذيعة من عملها لأنها وضعت ساقاً على ساق وكانت ركبتها ظاهرة، أي كان اللباس المسموح به رقابياً هو التنورة على أن تغطي الركبة، لأنه لم يكن يُسمح للنساء بالعمل وهنّ يرتدين البنطلون. ومن باب أولى أن الحقوق الأخرى لم تكن واردة أبداً مثل الحقّ بالإجهاض، أو حتى حقّ الطلاق بالتراضي.

هذا إذا لم نذهب إلى الجانب الاقتصادي، فالقليل من المرافق الاقتصادية كان يمنح العمال عطلة مأجورة. على العموم إن صورة فرنسا صنعتها الأحداث التي أصبحت مثلاً في تاريخ البشرية، كالثورة الفرنسية والانتفاضة الطلابية وإنجازاتهما، بالإضافة طبعاً إلى ما رافق هذه الأحداث من تطورات على الصعيد الفكري والثقافي على وجه الإجمال.

المقارنة بعد أربعين عاماً تدعو إلى اليأس، إذ نكاد نفتقد تماماً روح التمرد التي ألهمت الانتفاضة الطلابية آنذاك؛ اضمحل الوجه الاجتماعي والثقافي للجامعات، وبات الاهتمام مقتصراً على الجانب الأكاديمي فقط، وكأن صورة الشباب المتمرد أصبحت من رومانسيات الزمن الغابر، وهذا ما يطرح سؤالاً آخر: ماذا يعني الشباب إن لم يتضمن طاقة الرفض والتجاوز؟ وكيف للعالم أن يجدد نفسه بدون تلك الطاقة؟ نستذكر زمناً مضى، كان التمرد فيه من المسلّمات، وكان التطلّع إلى عالم أكثر عدالة وإنسانية سمة مرادفة للتمرد، وإن انضوت غالبية هذه القيم تحت يافطة فضفاضة هي “اليسارية”. حتى إن مقولة شائعة، تُنسَب إلى شاه إيران السابق، تدلّ على التسليم بذلك: “على المرء أن يحاسب ضميره إن لم يكن يسارياً في العشرين، وأن يحاسب عقله إن بقي كذلك في الأربعين”.

طبعاً لا تفوتنا السخرية المضمرة في العبارة السابقة، لكن السخرية ذاتها تشي بمبارحة التمرّد للعقل السائد، وإن كان ثمة ما يوصف بـ”عودة الابن الضالّ” فإن مرحلة “الضلال” هي التي قدّمت الأمثولة جيلاً وراء جيل.

بالعودة إلى انتفاضة 68، كان التمرد على السائد هو الناظم بين تيارات شتى، ولعل جزءاً من أهمية ما حدث هو في غياب الانسجام بين هذه التيارات. لم ترقَ الانتفاضة فتصبح ثورة، هذا جانب مشرق منها، إذ لطالما انتهت المثُل التي حملتها الثورات على أعواد المشانق أو شفرات المقاصل، بما في ذلك الثورة الفرنسية ذاتها. لم تحمل الانتفاضة برنامجاً أو مشروعاً، بل رفعت شعارات ومطالب بعضها يقارب الحلم، هذا لا يضيرها في شيء؛ عندما لا يتحقق الحلم فذلك لا يعني أن يكفّ الناس عن الأحلام. حتى قادة الانتفاضة لم يعدّوا أنفسهم للانقلاب على السلطة، أو استلام زمام أية سلطة، ومن أي نوع؛ هذه هي العفوية الضرورية لئلا تتحول الانتفاضة إلى ثورة تأكل أبناءها. تضافرت العوامل السابقة وغيرها لتجعل ما حدث عصياً على العقلنة، وهذا امتياز آخر يُضاف إلى الانتفاضة.

لقد نُظر طويلاً إلى التمرد على أنه قيمة سلبية، حصل ذلك من قبل القوى المستفيدة من ثبات الأوضاع على ما هي عليه، وحصل أيضاً من قبل القوى الثورية التي سعت إلى قوننة التمرد نظرياً وسلوكياً، فهيمن البراكسيس الثوري على مساحة الرفض، وشذّبها إذ قارع النظام بنظام والسلطة بسلطة ناجزة سلفاً. ثمة خوف مشترك بين قوى السلطة والقوى المنظَّمة المعارضة لها من “الفوضى” التي تخرج عن قواعد اللعبة، وتؤذن بزحزحة النظام ككل، وبالتالي تهزّ مواقع المستفيدين منه على الجانبين. ومع أن انتفاضة من هذا القبيل لا تتنطع إلى الحلول مكان القوى السابقة إلا أن فعلها التخريبي يتمثّل في رفض الأجوبة السائدة، ومن ثم رفض الأسئلة المولِّدة لها، ما يجبر الآخرين على إعادة النظر فيما استقروا عليه. هكذا يكون من شأن التمرد أن يلامس القاع الذي يغلي تحت اليقينيات، وإذ يكشف عن الاحتقان المضمر فهو يطمح إلى الحلول المتطرفة أو الحالمة، تاركاً لقوى الواقع مهمة التكيّف مع الجديد، وصياغة التسويات المؤقتة بدورها.

تحاول القوى المسيطرة أن تضمن استتباب الأمر لها نهائياً، ومن هنا يأتي الترويج لمقولات كنهاية التاريخ، مع أن التاريخ يثبت عدم توقفه عند حدّ أو سلطة مهما بلغ شأنها. لكن القوى المنتصرة، في نشوة انتصارها، تسعى إلى مطاردة حتى الفلول الفكرية للمهزوم، ظنّاً منها أنها قادرة على امتلاك الزمن بماضيه ومستقبله أيضاً. هذا هو حال الأصوليات اليوم التي تحاول جميعاً، وكل منها من موقعها، استتابة المجتمعات، وتنشئة أجيال مستتابة بلا مرور بالتمرد اللازم والضروري طبيعياً. وللإنصاف فإن هذه القوى أحرزت نجاحات كبيرة في سعيها، ساعدتها في ذلك الثورات المهزومة التي قدّمت مثلاً رديئاً عن القيم الإنسانية، وإذا كانت الأخيرة حاولت احتكار قيم المقاومة فإنها أعطت الأولى ذريعة لتعلن انتصارها الساحق والنهائي.

بعد أربعين عاماً على انتفاضة مايو تبدو الصورة قاتمة، مع أن العالم شهد الكثير من الإنجازات بعدها، لكن مسار الأمور خلال العقدين الماضيين ينذر بالتراجع على أصعدة عديدة، ومنها تعزيز ثقافة الخوف واليأس. يبدو إنسان اليوم أقل ثقة بالنفس، وأقل اكتراثاً بالعالم، وحتى أكثر قابلية للانتحار من رغبته في التمرد؛ هذه ليست بالصورة النهائية، إذ لا نعرف متى ومن أين تنطلق شرارة التمرد التالية. بعد أربعين عاماً ليس مطلوباً من الانتفاضة سوى تذكيرنا بأن الحلم ممكن وضروري، وربما تنبيهنا إلى واجبنا الدائم في محاسبة ضمائرنا وعقولنا أيضاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This