نعوم تشومسكي وجلبير الأشقر يقرأن منطقتنا “السلطان الخطير” …… السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط

ليس كتاب “السلطان الخطير – السياسية الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط” والصادر في طبعته الأولى عن دار الساقي، من نوعية الكتب الكلاسيكية التي يتناول فيها كتاب غربيون ” كتاب من دول المركز” الشأن السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي لمنطقتنا . حيث التأيد لإسرائيل ومحاولة إيجاد أعذار لتصرفاتها في مجال حقوق الإنسان والملف النووي الخاص بها من طرف، ومحاولة رد الحالة العربية المتردية في مجالات التنمية الإنسانية لأسباب ثقافية جوهرانية، تكون من أهم سمات مثل تلك الكتابات. لكن هذا الكتاب الذي حرره وقدمه الصحفي والباحث المعروف ستيفن شالوم عن لقاءات حوارية مطولة بين الأكاديمي الفرنسي من أصل لبناني جلبير أشقر والمفكر والمنشق الأمريكي نعوم تشومسكي، يأخذ نكهة مختلفة . فالكاتبان المعروفان بسعة اطلاعهما في الشأن الثقافي السياسي للمنطقة، والموصوفان بموضوعيتهما، طبعا مع احتفاظ كل منهما بالروح النقدية وحس المثقف المنحاز للكل الإنساني . فتلك الحوارات التي امتدت لأشهر شهدت خلافات رأي بين الطرفين المتناقشين في بعض الأحيان وتوافقا في أحيان الأخرى، حيث التحليل والتفكيك يتم من وجهتي نظر ومن موقعين ثقافيين مختلفين، مما يتيح للقارئ مقدرة استيعاب الموضوع بروح غير استسلامية للقدرات الخطابية للكاتب .
الكتاب الذي ترجمه ربيع وهبي وراجعته أمل حوا، يقع في 367 صفحة، وينقسم إلى خمسة فصول وخاتمة، حيث قسم من حسب المواضيع التي تطرق إليها الكاتبان .

ففي الفصل الأول يبحثان في شأن الإرهاب، ويختلفان منذ البداية حول تعريف، فتعريف الإرهاب حسبهما خاضع للمؤثرات الأيدلوجية للطرف المعّرف، فوراء كل تعريف بذاته أبعاد سياسية وثقافية تريد تحقيق غاية ما. فثمة التعريف الأوربيّ : “التسبب بإلحاق دمار واسع بحكومة أو مرفق عام… مكان عام أو ممتلكات خاصة يحتمل أن يسفر عن خسارة اقتصادية كبيرة ” والتعريف الأميركي : “الاستخدام المدروس للعنف، أو التهديد بالعنف، لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو إيديولوجية في طبيعتها من خلال الترهيب والإكراه”. وهنا يشرح تشومسكي بلذة، كيف أن الولايات المتحدة بحسب تعريفها هي، تغدو دولة إرهابية. حيث يعيد القصة الشهيرة التي كان ذكرها في كتابه السياسي الكلاسيكي ” قراصنة وأباطرة”، قصة ذلك القرصان الذي كان يجوب البحار، إلى أن قبض عليه يوما ملك البلاد وتعهده بجزاء قاسي، فرد القرصان عليه : أنا أسرق أشياء متواضعة من بعض البحارة فأسمى قرصانا، أما أنت الذي تسرق بلادا كاملة فتسمى ملكا” !؟ يحاول تشومسكي بناء تعريفه الخاص للإرهاب صابّا اهتمامه على إرهاب الدول ومنطلقا من كلية الأحوال والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية التي تكون الإرهاب كظاهرة . منددا بالتعريفات الإقصائية التي تنطوي على رغبات ودعوات ثقافية وسياسية غير ديمقراطية .

ثم يعود الكاتبان إلى قراءة أحداث 11 أيلول، فيستبعدان الروايات التي ترى أن جهات من الاستخبارات الأمريكية كانت على علم بتلك الأحداث، في الوقت نفسه يبرهنان على الاستخدام الأمريكي المفرط لتلك الأحداث في مناطق شتى من العالم. حيث تحول التخوف من الإرهاب “العمل تحت يافطة محاربة الإرهاب ” إلى شعار للدعاية السياسية الداخلية الأمريكية، والى حمال سياسي للحروب التي تخوضها أمريكا في أنحاء شتى من المعمورة .

ففي الفصل الثاني من الكتاب، يفكك الحوار ظاهرة الأصولية الدينية في المنطقة وما يقابلها من دعوات لدمقرطة العالم العربي الإسلامي . فيستعرض المتحاوران الجذور التاريخية لصعود التيار السلفي الجهادي في العالم العربي، وكيف أن الولايات المتحدة كانت من أهم الداعمين لتلك التيارات أثناء حقبة الحرب الباردة، وأنها كانت من أكثر المناوئين للتيارات العلمانية التقدمية، المتمثلة في التيار الناصري والتيارات اليسارية العربية . وفي مقام آخر يستغرب الباحثان التغاضي الأميركي عن حلفائها السياسيين مهما كانت درجة انغماسهم في تنمية الأصولية، من خلال التصرفات السياسية المباشرة، أو من خلال ما يمارسونه كدولة من قمع للحريات العامة، السياسية وغير السياسية . ويذكران بالضبط المملكة العربية السعودية، التي لم تتعرض يوما لأية انتقادات أمريكية، رغم وضعها المزري في مجالات حقوق الإنسان والحريات السياسية .
ومن هناك يفندان الدعوات الأمريكية المطالبة بدمقرطة المنطقة . حيث أن النظام المُطَالب بالتحول الديمقراطي، يكون، دون صدفة، دوما من المتباينين مع السياسات الأمريكية. ودليل ذلك أن تلك المطالبات ما تلبث أن تختفي بمجرد تحول سياسيات تلك الدول للشطر السياسي الأمريكي . ويذكر تشومسكي مذكرات أحد الدبلوماسيين السابقين، الأستاذ الجامعي ” توماس كاروذرس ” الذي يدعو نفسه بالنيو- ليبرالي، حيث كتب بأمانة كبيرة، بعد أن كان ضمن فريق وزارة الخارجية في الثمانينات فيما يدعوه ببرنامج ” إشاعة الديمقراطية ” democracy enhancement ” تحت رعاية الرئيس ريغان . يصف توماس هذا البرنامج : كان ثمة مشكلة أساسية تواجهنا فالأشخاص غير المناسبين ربما كانوا قد يفوزون، مثلا في السلفادور التي كانت مثال التفوق بالنسبة إليهم، يذكر كاروذرس أن الولايات المتحدة كان لديها خياران سياسيان :

1 انتخابات ذات صدقية يفوز بها المرشح غير المناسب لنا.

2 فوز مرشحنا دون شك.

واتبعنا السياسة التي كانت تصب في صالح مرشحنا، وهذا كان يعني ذبح 70000 إنسان . فقد كانت المطالبة بالديمقراطية في ما يلبي حاجتنا فقط “.

كما يذكر جلبير الأشقر كيف أن أمريكا وضعت اسم سوريا في لائحة الدول الداعمة للإرهاب، وأن الإدارة الأمريكية زمن الرئيس كلنتون عرضت رفع اسمها في أواسط التسعينات بغية الدفع نحو تسوية سياسية في المنطقة، لكن حين رفضت التنازل عن بعض أراضيها في الجولان، أعادت الإدارة الأمريكية اسمها لتلك القائمة. وفي هذا ما يستدل على السلوك الأمريكي غير السوي في قضية الدمقرطة .

في الفصل الثالث يحاول المتحاوران فهم مصادر السياسية الأمريكية نحو المنطقة العربية، ويتفقان على أن اللوبي الصهيوني هو من أهم مصادر تلك السياسية، لكن هنا ينتقد تشومسكي الاستسلام العربي لهذا الشعار. حيث يعتبر الاعتقاد بأن الولايات المتحدة مقادة بالكامل من قبل اللوبي الصهيوني جزء من التوهم الذي يحاول ذلك اللوبي رسمه، حيث أن المصالح الاقتصادية العربية في أمريكا، حسب تشومسكي، قادرة إن تقننت في تكوين لوبي منافس للوبي الإسرائيلي . ثم يخوض الكاتبان في بحر الأجواء الثقافية الأمريكية، وكيف أن التهديد بتهمة المعاداة للسامية تلاحق كل من ينادي بتوجهات فكرية مناقضة لدعوات هذا اللوبي، حيث يغرق الجو الثقافي الأمريكي بالدعوات لمناهضة المعاداة للسامية . رغم الندرة البالغة لتلك الظاهرة من عقود . فيذكر تشومسكي العدد الهائل من الدعوات التي يتلقاها كل شهر للحديث عن معاداة السامية في المجتمع الأمريكي. حيث يقول بلذة في احدى الفقرات : ” في إحدى المرات التي دعيت للحديث عن ظاهرة معاداة السامية أمام طلاب احدى الجامعات، في ذلك اللقاء ألقيت على الطلبة مجموعة من المقالات والكتابات الصحفية التي كتبت في الولايات المتحدة، والتي كانت تتناول اليهود بالنقد والشتم والقدح، فكانت ردت فعلهم بالغة السخط على تلك الكتابات . إلى أن أخبرتهم في آخر المحاضرة أني بدلت كل كلمة “إسلام” في تلك الكتابات بكلمة ” يهودية” وسألتهم : أيهما أكبر في أمريكا معاداة السامية أم معاداة الإسلام …. الخ .

في الفصل اللاحق يناقش الطرفان الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة، تحت يافطات حقوق الإنسان أو محاربة الإرهاب أو البحث أن أسلحة الدمار الشامل، ويفندان تلك الدعوات الأمريكية، ويثبتان المنطلقات الإستراتيجية الأمريكية الاقتصادية الكامنة وراء تلك الحروب . مع إثبات عدم صدقية الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية من وراء تلك الحروب. حيث تسعى في أفضل الأحوال إلى تحويل تلك الدول المحتلة إلى توابع سياسية. وبحثا في أسباب إطالة بريمر الانتخابات التي كان يطالب بها المرجع الشيعي السيستاني منذ بداية الاحتلال، وكيف أن الولايات المتحدة كانت تتحكم بالمعادلة السياسية العراقية من خلال حلفائها من التحالف الكردستاني والقوى التي قويت بالوجود الأمريكي. فالولايات في أفضل الاحتمالات تريد العراق وأفغانستان على شاكلة الدول الأوربية الشرقية والاتحاد السوفيتي, حيث كان الرئيس السوفيتي ليونيد بريجنف يقول في نهاية الستينات عقب غزو تشيكوسلوفاكيا : “إن الدول الأوربية الشرقية حرة في خياراتها فقط فيما لا يتناقض مع المصالح السوفيتية” !!

في الفصل الأخير يتحدث الطرفان عن عملية السلام في الشرق الأوسط، وعن غياب الإرادة العالمية ” الأمريكية” في صنع السلام في المنطقة، فالرغبة هي باتجاه عملية سلام وليس السلام بحد ذاته، حيث أن عملية السلام تكون لينة في التصعيد والتهدئة حسب مستلزمات الدول المركزية منه. فالسلام يتطلب من الدولة المعتدية “إسرائيل” تقديم تنازلات مؤلمة، مؤلمة من وجهة نظرها لكنها محقة بمنظار العدالة، وفي هذا إزعاج لقوى مهمة في المجتمع السياسي الأمريكي، وهو ما لا يشجع أية أدارة للخوض فيها . وهنا يبدو الطرفان متشائمان بمستقبل السلام بالشرق الأوسط. لكن يبدو تشومسكي أقل تشاؤما من أشقر، حيث يرفض هذا الأخير أية تسوية لا يُوافق عليه من قبل جميع الفلسطينيين، الموجودين بالداخل والخارج. حيث يعتبر تشومسكي ذلك وصفة لحرب مدتها عشرات السنين بين الطرفين، لكن الأشقر يعتبر أن أي حل بغير استفتاء جميع الفلسطينيين عليه سيكون اتفاقا غير ديمقراطي. ليعود الطرفان للاتفاق على أن إسرائيل فقدت فرصتها الوحيدة في الحياة كدولة عادية حينما لم تستثمر اتفاقية أوسلو بطريقة سليمة .

في كل فقرات الحوار الشيق الذي يغطي كتاب “السلطان الخطير” يتفق الباحثان على خطورة الولايات المتحدة على السلام والتنمية الإنسانية في منطقة الشرق الأوسط. وأهم منابع خطورتها هو عدم اقتران قوتها البالغة بأية كوابح “أخلاقية بالمعنى الكانتي الفلسفي”. حيث يعبران من خلال مثال العلاقة الأمريكية التركية على مدى البراغماتية الأمريكية في التعامل مع حقوق الشعوب في الشرق الأوسط . فقد كانت تركيا في مجال استيراد الأسلحة الأمريكية تعد في المرتبة الثالثة بعد مصر وإسرائيل حتى 1999، حيث كان معدل القمع للانتفاضة الكردية هناك ما برح يتحول إلى حدا كبير في التسعينات، منذ أن بدأت عام 1984 ففي عام 1997 كانت ذروة الفظائع في حرق القرى الكردية وقد كانت المعونة الأمريكية لتركيا قد ساوت كل المعاونة من عام 1950 إلى عام 1983 ووصلت المعونة الأمريكية لتركيا لحدود الـ 80 من مجموع الأسلحة التركية. بعد ذلك بسنوات جاء الرئيس الأمريكي السابق كلنتون للبرلمان التركي، ومن ذلك المنبر طالب بالحقوق الثقافية للأكراد في تركيا ” !!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق