المرأة والفعل الثقافيّ (2) المرأة واليوميّ : تعقيبا على مها حسن ورجاء بن سلامة”

قد يكون السؤال المركزيّ الّذي يستقطب الاهتمام: لماذا يقلّ إنتاج المرأة الفكريّ مقارنة بإنتاج الرجل؟

قد تتعدّد الأسباب و لكن نظنّ أنّ السبب الرئيسيّ مرتبط بصراع المرأة اليوميّ مع اليوميّ من المشاغل والمهامّ و المسؤوليّات المضاعفة والمنوطة بعهدتها دون الرّجل، بين الداخل والخارج، بين جدران بيتها وخارجه في مكان عملها.
فالمرأة الّتي استطاعت أن تمزّق شرنقة الوضع “الطبيعيّ ” الّذي رسمه لها المجتمع الأبويّ الذكوريّ لتخرج إلى العالم الخارجيّ ـ الّذي كان إلى وقت ليس بالبعيد عالم الرّجال وربّما مازال يحتفظ بهذه الصورة وهذا التصوّر عنه إلى الآن- وكان عليها لتخرج إلى هذا العالم لتعمل أن تدفع الثمن.

لم تتخلّص من المهامّ ” الطبيعيّة” الموكلة إليها سواء من “الطبيعة” أو من المجتمع، ولكنّها أضافت إليها مهّاما أخرى ” ثقافيّة” إن صحّ التعبير.

فالمرأة ما زالت الابنة والأخت والزوجة والأمّ الّتي عليها أن تلبّي طلبات الأب والأخ والأمّ أيضا… المرأة الّتي عليها أن تهتمّ بشؤون زوجها… الزوجة الّتي عليها أن تسهر على راحة زوجها… الأمّ الّتي عليها أن تهتمّ بشؤون أبنائها… المرأة الّتي عليها أن تطبخ و تغسل وتخيط جوارب زوجها وتكوي قميصه وتربط له ربطة عنقه… الأمّ الّتي عليها أن تبدّل “حفّاظات” ابنها… المرأة الّتي تحمل ابنها تسعا، وترضعه حولين، وتسهر عليه الليل كلّه في مرضه وفي عافيته. الأمّ الّتي تسهر على تربية أبنائها في كلّ مراحل نموّهم وحياتهم من المهد إلى أن يضعوها في اللحد…

المرأة- الزوجة- الأمّ الّتي عليها أن تعود من عملها مسرعة رأسا إلى المطبخ لتطبخ لزوجها ولأبنائها… المرأة – الزوجة- الأمّ الّتي عليها أن تذهب إلى السوق لتشتري لوازم البيت على إيقاع تحرّشات الذكور الّذين يرفضون تواجدها في فضاءاتهم.

ما الّذي تغيّر؟؟

خرجت المرأة من البيت إلى العمل؟ كسّرت قيودها وخرجت من سجنها الضيّق إلى فضاء العمل الرحب؟ تحرّرت من تبعيّتها للرّجل؟ تحرّرت اقتصاديّا؟ أصبحت تتقاضى أجرا مقابل ما تقدّمه من أعمال ؟ أصبحت تُنفق؟ غزت كلّ الفضاءات الّذي كانت مُقتصرة على الرّجال؟ أصبحت تُشارك الرّجل في كلّ الأعمال الّتي كانت مقتصرة عليه دونها؟
ولكن…

هل تحرّرت المرأة ثقافيّا؟ هل تخلّصت من كلّ العادات والتقاليد الّذي كبّلتها ولا تزال؟

هل تخلّصت من الذهنيّات والعقليّات الّتي تُنمّطها وتُحنّطها في أعمال يراها المجتمع شأنا أنثويّا تعيب الرّجل؟
المرأة أصبحت تعمل…

ولكنّها تعمل منذ الأزل…

الّذي تغيّر أنّها أضافت إلى أعمالها غير المأجورة أعمالا تتقاضى عليها أجرا.

المرأة مطالبة بالتوفيق بين الداخل والخارج…

المرأة مطالبة بالنجاح في أن تكون زوجة وأمّا وعاملة…

المرأة تسعى جاهدة لتُثبت للمجتمع الأبويّ الذّكوريّ ولنفسها أيضا أنّها قادرة على دفع ثمن تحرّرها…

إن فشلت في دفع الثمن صحّت آراء الّذين يقولون إنّ وضع المرأة “الطبيعيّ” بيتها وزوجها
وأبناؤها…

على المرأة أن تعمل ولكن دون أن تُهمل أبناءها وزوجها….

عليها دائما أن تُقيم الحجّة على أنّها قادرة على دفع ثمن تحرّرها… أنّها قادرة على دفع ثمن خروجها من خدرها إلى الفضاء الخارجيّ…

فالمرأة في صراع متواصل مع خطاب تتعالى أصواته باستمرار قائلة بضرورة عودتها إلى البيت
والاضطلاع بالأدوار الّتي خصّتها بها الطبيعة دون سواها.

لذا نقول: الإبداع ليس ” جندريّا”، ولا يقتصر على جندر بعينه…

الإبداع لا يرتبط بجنس دون آخر…

الإبداع ليس ذكوريّا وليس نسويّا.

الإبداع إنسانيّ…

الرهان في رأينا ليس رهان المرأة مع نفسها أو مع ” ذاتها القديمة” على حدّ عبارة ” مها حسن”. الرهان الأساسيّ والأخطر المنوط بالمرأة والرّجل على حدّ سواء والمنوط بكلّ إنسان يطمح إلى إنسانيّة الإنسان ويحلم بأنسنة قضايا الإنسان بشقيه. الرهان هو تغيير العقليّات والذهنيّات الّتي ما زالت ترى الأعمال المنزليّة شأنا نسويّا يترفع عليه الرّجل ويخجل منه، وإن فعل ذلك فإنه يقوم به سرّا ويرهبه جهرا.

الطريق طويلة محفوفة بالحفر والأحجار والأشواك، تملؤها قنابل موقوتة من صنع الخطاب الأبويّ الّذكوريّ… ولكن لابدّ من المُضيّ فيها قُدما من أجل الحريّة الّتي لا تقبل الشروط والقيود…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This