المرأة والفعل الثقافي (3) محاولة في فهم الإناء و ما ينضح به

قبل الخوض في مسألة الإبداع الفكري وتفوق جنس على آخر – طرحت فكرته الدكتورة رجاء بن سلامة وتبعته بمقال مها الحسن مشكورتين- في مجتمعاتنا العربية أودّ القول أنه: إذا كان من السهل الحديث عن التسلط الذكوري على المرأة في هذه المجتمعات، فمن الصعوبة لنا الاعتراف بأن مفاهيم مثل: السلطة والمال والقوة، التي استمد الرجل منها القوانين وصاغها، اجتثت بذرة الحرية عند الرجل نفسه، وأربكت شخصيته ومسيرة تطوره وجعلت منه عبداً من نوع آخر!
وإنّ التعرض للفترة الذهبية من حياة مجتمعاتنا قد يوضح الصورة أكثر: ففي فترة التحرر الوطني، كان موضوع التنمية الاقتصادية هو الرقم واحد على قائمة البرامج الوطنية، وبحدوث الثورات الصناعية في بعض البلدان العربية وأهمها مصر ثم إنشاء السدود وما إلى ذلك، فإنّ الساحة المصرية والعربية اتسمت بالنشاط والحيويةً، انعكست هذه الحيوية والنشاط على أداء الرجال والنساء وجرتهم إلى واقع جديد يختلف عن ما كان سابقاً: واقع العمل، والقيم المرافقة له ليصيروا كتلة إنسانية لها حضورها في عملية التنمية، ولأن العمل بحد ذاته قيمة للإنسان فإنه يجعل منه فرداً متفاعلاً نشطاً منفتح الذهن على نفسه وعلى الآخرين مما يساعده على الانسجام مع بيئته الخاصة والبيئات العربية المحيطة به والعالمية.
إن التفاعل الحي بين الإنسان وعملية التنمية الاقتصادية في البلدان العربية وما رافقها من مفاهيم دفع بالنساء والرجال لخلق كتلة إنسانية لها إيقاعاً ذهبياً انعكس على مسيرة الفكر والفن والحياة الاجتماعية عموماً واستهجان قيم الرشوة والسرقة من المال العام والصدق والشجاعة، وحتى بعض من حاول وضع الأفكار الدينية في سياق مختلف كفرج فودة وكانوا يتسمون بالشجاعة والإقدام استمدوا هذه الشجاعة من البيئة الاقتصادية الجديدة بالدرجة الأولى والمفاهيم السياسية التي رافقتها.

صحيح أن الظرف العام العالمي ساهم بدعم التنمية الاقتصادية العربية من جانب وحوربت من أجله من جانب آخر، إلا أن الواقع في البلدان العربية ما كان ليفرز عمالقة كعمالقة الزمن الجميل ولو كانت الكرة الأرضية كلها تقف بجانب هذا البلد أو ذاك ما لم يكن هناك تنمية ذاتية.

مع انكفاء البرامج جميعها دفعة واحدة، كان أهمها انكفاء برنامج التنمية الاقتصادية وظهور ما عرف بالبورجوازية الطفيلية والتي أدخلت الحركة الثقافية والفنية والفكرية في حالة سكون وشلل انعكس على أداء الفرد العربي ودخوله في حالة من السلبية لم نشهد مثلها.

إذاً لا بد من القول أن دخول الحركة الفكرية النسائية في أزمة، كان ناجماً عن دخول عملية التنمية كاملة في أزمة، ودخول الحركات السياسية في أزمة ثم الحركة الفكرية والثقافية عموماً في أزمة.

“الإبداع يحتاج إلى حرية”: نعم هذا كلام دقيق لكن ما لم تستوعبه النخب الثقافية أن المطالبة بالحرية وتحديداً حرية الإبداع وتحديداً أكثر حرية الإبداع النسائي لا يجيء من فضاء الأزمات ولا يمكن للحرية أن تحطّ في بنية اقتصادية سياسية مأزومة.

والمرأة والرجل لن يكونا حرين في فضاء ليس به أوكسجين، فضاء اقتصادي يوفر العمل وقيم العمل، وهما اللبنة الأساسية لبناء شخصية متطورة، فكيف إذا كانت هذه البنية الاقتصادية في البلدان العربية غير موجودة أو منتفية الوجود بالمعنى الحقيقي.

المرأة العربية عندها إرث ثقافي ذكوري تعيش في فلكه: أيضاً هذا صحيح لكن المرأة لن تتخلص منه بالآلية التي تعمل بها نساء الجندر اللواتي يحملن في الأساس أزمات البنية الاقتصادية وأزمات الأحزاب السياسية، ويضفن إليها أزمتهن الذاتية الموروثة، وإن الحديث عن تحرر المرأة من ذاتها القديمة لن يتحقق إلا في ظروف التنمية الاقتصادية التي تهيئ أرضية نسوية واسعة لتكون الحامل الحقيقي لدعوات الجندر.

إن نساء مثل السمان والسعداوي وفريدة النقاش والشعراوي وطوقان وأم كلثوم و…. هن نماذج عن النساء اللواتي حملن تفرداً ذاتياً ساهمت في انتصاره بيئة اقتصادية كانت تحمل جنين التطور قبل أن يحتضر.
ولذلك سيبقى الإناء ينضح بما فيه وليس في إنائنا في الوقت الراهن أكثر من ذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق