مختارات من ديوان الجندي الأمريكي في العراق برايان تيرنر – ترجمة خالد الجبيلي

هي قصائد من ديوان نشره جنديّ أمريكيّ بالعراق، تحت عنوان عنوان “هنا رصاصة” : Here bullet، وقد تفضّل بترجمتها وإرسالها إلينا خالد الجبيلي من العراق.

{{حلم ليلة البارحة}}

{{إلى عشتار}}

في الحلم، نهداها يضطربان ويرتعشان بين شفتي. أرمي زاوية سمت إلى سرتها فيما أطراف أصابعها المرتعشة تلمسني، وكأن متفجرات تسري في أعصاب جسمي، كما لو كانت الأسلاك تقيدني، وجهاز استقبال ضخم لراديو عالي التردد، تتقافز تردداته في لسانينا وأحدنا يقبّل الآخر، ثم أنسلّ فيها مع أصوات قنابل يدوية مضيئة فيغشى عينيها الدخان من الحرارة المنبعثة منها.

في الحلم تقبّل اللغة العربية جلدي وأفهم كلّ كلمة منها، أدوّنها من الأمام إلى الخلف بحروف مسمارية، وأغيّر اسم شرايين وعروق كلّ نهر وواد من دهوك في الشمال إلى البصرة في الجنوب، وأتحسس هذه الجغرافيا من المتعة، لساني قلم خطاط يكتب حتى تحت المطر، حتى في الملح والعرق، وأكتب به الآن، فوق كلّ عطفة وثنية في جسدها.

في الحلم رعشة جماعنا تحطّم بلداً، تترك مسحوق الألمنيوم والبارود في الهواء فوقنا، خشخشة وطقطقة الراديو فيما نقبّل بعضنا، طويلاً حتى نقطة التقاء الجلد والنار، حيث تحلق مروحيات الميدفاك في كهوف رئتينا المظلمة بحثاً عن الجرحى، ويتنفسها كل منها في الآخر، إحساس عميق بالألم والضمادات.

{{جلجامش}}

إلى سين – ليج- أونيني

في شهر آب، في أواخر الصيف

من القرن السابع قبل الميلاد، نقش شاعر

بالإزميل على ألواح حجرية،

ثلاثة آلاف سطر، وفركها وصقلها بيده،

ونفخ عنها التراب بنَفَسه الهامس.

إنه يترجم الملحمة السومرية القديمة،

يستنبط من جديد مدينة أوروك، الرجل المتوحش، والمرأة التي بُعثت لإغوائه.

أصبحت قصّة قديمة الآن. كانت قصّة قديمة آنذاك،

مليئة بالآلهة والوحوش ونقاط اللاعودة الحتمية

التي على كلّ عصر أن يتعلمها.

في حرارة منتصف شهر آب من عام 2004،

يتوقّف عالم آثار عند شكل عظمة،

توقيع جسم امرئ على الأرض،

يقرأها بعناية بفرشاة من وبر الجمل

وبتأن، وكلّ ضربة من فرشاة وبر الجمل تكشف كسراً.

التاريخ مرآة غائمة، صُنع من التراب

والعظم والخراب. وماذا عن الحبّ؟ وماذا عن الفقدان؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن نجيب عنها

بالحرب والمجاعة والوباء، ومرة أخرى بلمسة وقبلة،

لأن كلّ عصر يجب أن يتعلم

أن هذا هو درب رحلة الشمس في الليل.

{{الطريق السريع1}}

أرى أفقاً بنجيع الدماء

تنوّر واختفت الأنجمُ.

وجيلاً يروح وجيلاً يجيء

وناراً إزاءَهما تضرمُ

“الجواهري”

طريق الموت يبدأ،

بعدد لا يحصى من الأشباح

التي تطوف تائهة في الطريق ليلاً،

تبحث عن السبيل المفضي إلى

البيت، إلى النجف، إلى كركوك،

إلى الموصل وخان سعد.

يبدأ هنا مجرجراً قدميه على الطريق الطويل نحو الشمال.

هذا هو طريق التوابل القديم،

وآثار الغبار والحرارة التي خلفتها قوافل الجمال،

حيث الجير المصري، والليمون السلطاني يتأرجح في الصناديق

المربوطة بشرائط جلدية،

حيث يبيع التجار زهور الحناء والمسك والصبار وأقراص العسل والحرير

التي يجلبونها من الشرق.

بعد أن يجتازوا شط العرب ونواعير الفرات،

بعد أن يجتازوا الجمال البرّية والأطفال الذين يلوحون بأيديهم،

الذين يُعجبون بالبنادق المطلية، وتواصل القافلة شق طريقها،

مجتازة أطلال بابل وسومر،

وتعبر أرض جلجامش، حيث تتردد من المآذن أصوات المؤذّنين، عذبة وعميقة.

وتجثم الغرانيق على خطوط الكهرباء،

في أعشاش بشكل طاسة ضخمة مصنوعة من الأعواد والأغصان،

وعندما يطلق الجندي النار من الطريق السريع،

تتوقّف مذهولة، وكأن الموت قد عثر عليها هنا،

في الساعة السابعة من صباح يوم جميل،

قبل أن تهوي وتسقط على جانب الطريق

ويتطاير الريش والجناحان ببطء.

{{الخازن* البصري}}

لو كان بوسعي أن أسافر وأعود

في الزمن إلى ألف سنة

إلى شهر آب من سنة 1004،

إلى خيمة صغيرة حيث يغط الخازن في النوم بين الكتب

عن الغروب والظلال، والضوء نفسه،

لما سألته إن كان الضوء ينتقل في خط مستقيم،

وما الذي يحكم قوانين انكسار الضوء، وكيف

اكتشف أساس الهندسة التحليلية؛

بل لسألته عن الضوء في داخلنا،

عما يشّع في مستودع العقل العظيم

من حلم، وإن كان قد درس الظلال العميقة

التي يجلبها ضوء النهار، وكيف يحددنا الضوء.

-*أبو جعفر الخازن هو أبو جعفر محمد بن الحسين الخازن الخراساني، اشتهر بالرياضيات والفلك، من علماء القرن
الرابع الهجري.

{{المحراب}}

يقولون إن جنّة عدن قد أزهرت وأينعت هنا

منذ عهد سحيق، وهذا كلّ ما تبقى،

عقارب الريح والغبار، وطائر أبو زريق الشبيه بالغراب

الذي ينعق بصوته الأجش متذكراً

أغنية، وشبح من الجمال

يطوف في الظلّ.

دعني استلقى هنا وأحلم بحياة أفضل.

ليرتفع الجمال الكائن هناك

ويُقدم إلى العالم الأعظم

وأنا أستمع إلى أفواه النمل

يقرض الأرض، وينقر بجسمه

إيقاعاً في التراب، لا يهاب شيئاً

في عماه، والملايين

يشيدون أبنية على طول خط السماء

التي ينيرها ضوء القمر الدامي.

دعني أبقى هنا مع هذه الطيور

أنصت إلى أغانيها القاسية.

لو قلت إن الصحراء صورة تمثل في المخيلة،

وإن الطيور تغرّد لنا، وإن القمر

هو قلب الله، يتلألأ في السماء،

وإنه إن كانت هناك سماء

فهي عميقة في داخلنا،

وإن النهار لا يجلب إلا الأوراق التي عرّتها الأشجار.

ونصبح عند المغيب منهكين،

ثم دع الأمر هكذا، لأنه إن كان ثمة تعريف

في غياب الضوء،

وإن كان ثمة شبح يستطيع أن يطوف مذهولاً

أثناء أيام حياته، فهو أنا،

هنا في جنّة عدن،

حيث يستحيل أن ندع

من نحب، ومن فقدنا، يذهبون،

هنا، حيث نَفَس الله لنا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This