لقاء مع المحلّل النّفسانيّ أوليفييه دوفيل – وكتابه “المراهقة التّائهة”- إعداد وترجمة رجاء بن سلامة

-الحداثة اسم للانفتاح على مستقبل غير محدّد.. مدرسة للفراق.. ولكنّها صدمة..

 

-التّائه دخيل أكثر منه غريب، وهو في الغالب محمّل بذاكرة مُخزية ومكتومة ومخفيّة..
-علينا أن نفكّر معا في “الأمراض الاجتماعيّة الجديدة للعقليّة”، وهي ناجمة عن فقدان الهويّة أو فرط الشّعور بالهويّة..
أوليفييه دوفيل Olivier Douville  محلّل نفسانيّ فرنسيّ تتّجه اهتماماته العياديّة إلى المساعدة النّفسيّة في مجال الذّهان، وهو جامعيّ ومدير “مجلّة علم النّفس العياديّ” الصّادرة بالفرنسيّة. وهو إلى ذلك مهتمّ بالأنتروبولوجيا، ورحّالة.. فقد درّس في الصّين والبرازيل وبركينا فاسو، وعمل بغربيّ إفريقيا وبالكونغو في مجال العناية بالأطفال والمراهقين ضحايا الحرب، وقام ببحث حول الأطفال المجنّدين بالتّشاد، وهو يتعاون مع منظّمة الإنقاذ الاجتماعيّ التي أسّست لها فرعا بالقاهرة مهمّته تقديم المساعدة الطّبّيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة لأطفال الشّوارع.
في إحدى زياراته إلى القاهرة، قدّم محاضرة عن الذّهان وقراءة جديدة لحالة شريبير (القاضي شريبير هو المصاب بالبارنويا الذي كتب مذكّراته سنة 1903 وتناولها فرويد بالدّراسة)، والتقينا به للحديث عن كتابه الأخير “في المراهقة التّائهة” (انظر الملحق) ولمحاورته : 
الحوار : 

-يشهد العالم الآن أشكالا جديدة من إقصاء التّحليل النّفسيّ، نتيجة تطوّر الطّبّ النّفسيّ العقاقيريّ، ووسائل العلاج العرفانيّة-السّلوكيّة (المعروفة بـ TCC )، ونتيجة كلّ محاولات القولبة والقياس الكمّيّ التي جاء بها الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع للاضطرابات العقلية DSM-IV.. (1) ما الذي يواصل التّحليل النّفسيّ وعْدنا به؟ ما الذي يختصّ به اليوم العلاج التّحليلنفسيّ : ممارسة الإنصات أم التّفسير السّببيّ؟

 

-بُعد الإنصات إلى الحقيقة الذّاتيّة يوجد في صميم الممارسة التّحليليّة، وهي ممارسة تقوم كذلك على أفعال تأويليّة. وسائل العلاج العرفانيّة-السّلوكيّة هي في منطلقها، وفي بعض منها وسائل علاج استقاها من التّحليل النّفسيّ بعض العياديّين من أمريكا الشّماليّة. إنّها مشتقّة من مبدإ قديم هو “العلاج المعنويّ” الذي يقوم على الحديث المتعقّل مع المعالًج لإيقاظ وعيه النّقديّ إزاء أعراضه وإزاء الصّعوبات الحياتيّة التي يواجهها.
لو أردنا أن نجد سوابق لهذه الوسائل، أكثر مهابة في تقديري، لذكرنا مثلا بينال Pinel أو أسكيرول  Esquirol أو ديبوا Dubois  ثمّ كلّ “شفاة النّفوس” الذين تسابقوا بعد ميلاد علم الأعصاب، أي بعد 1870، إلى تقنية الإيحاء المغناطيسيّ ليفرضوا على المعالًج سعادة ما. وهو ما أدّى إلى نتائج عابرة وغير مقنعة.  فرويد هو أكثر من سمح في عصره بالقطيعة مع هذا الولوع المنتشر بالإيحاء المغناطيسيّ. ومؤخّرا بدأ أصحاب وسائل العلاج المسمّاة “عرفانيّة” يحاولون إضفاء طابع جدّي وعلميّ على منهجهم العتيق بادّعائهم استخلاص النّتائج العمليّة من علوم الأعصاب ومن علوم النّفس العرفانيّة التي يقال عنها “متطوّرة جدّا”. والحال أنّ أهمّ أو أكثر الباحثين خصوبة في هذين المجالين لا يكادون يعتبرون أنفسهم معنيّين بما قد يعدّ نتائج مستخلصة من أعمالهم يمكن تطبيقها على الأجهزة العلاجيّة.
ما يروج الآن ويروّج له هو ركام لامنطقيّ كبير من المفاهيم ومن ألوان الجهل العياديّ الباعث على الدّهشة والأسف. ما كان يسم الطّبّ النّفسيّ بالوجاهة، أي الجداول الكبرى المتمثّلة في الماليخوليا والهستيريا والبارانويا اختفى أو بقي في شكل ضروب من الخلط الكبير (الخلط بين الماليخوليا والانهيار، أو بين الهستيريا hystérie وحبّ إثارة الانتباه histrionisme مثلا). أضف إلى ذلك خلطا أساسيّا يهدف إلى الجمع في نفس البوتقة بين ما يعود إلى المرضيّ النّفسيّ وما يعود إلى العرض الاجتماعيّ. وأكثر ما يبعث اليوم على القلق  هو عودة الوراثيّة وعلم النّفسيّ التّنبّؤيّ تحت تعلّة الوقاية. فمن العبث أن يزعم بعضهم إمكان الكشف عن الانحراف (وهو في حدّ ذاته لوحة غير مرضيّة نفسيّة)، أو الكشف عن نزعة انتحاريّة (ومن المجدي أن نشكّ في أنّها عامل من عوامل الشّخصيّة) منذ سنوات الطّفل الأولى، كما يفعلون الآن.
التّحليل النّفسيّ محلّ هجوم عنيف في دوائر العلاج أو في التّعليم الجامعيّ بفرنسا، والتّخوّف المفرط لمؤسّسات أو مدارس التّحليل النّفسيّ من التّفكير في البعد السّياسيّ والاجتماعيّ لا يمكن إلاّ أن يزيد الطّين بلّة. لكن هناك حركات مقاومة جيّدة، لا سيّما تلك التي تتمّ عن طريق المنظّمات المهنيّة سواء في الجامعة أو في الطّبّ النّفسيّ. ولئن كان التّحليل النّفسيّ يجتذب الآن أهل الفكر أقلّ ممّا كان يفعل منذ أربعين أو ثلاثين عاما، فإنّه محلّ اهتمام من قبل المعالجين الشّبّان أو الذين هم في طور التّخرّج، سواء في الجامعة أو في أماكن العلاج. ويبدو أنّ مفهوم اللاّشعور، ومسألة الجنسانيّة اللاّشعوريّة ومسألة الجنون توجد في صميم الالتزام المهنيّ للكثير من الشبّان المعاصرين لنا. علينا نحن أن نستقبل هذا الحراك.
-تتحدّث في كتابك “المراهقة التّائهة” عن “الحداثات”، بصيغة الجمع. ما سبب هذا الاختيار، وما هي “الأعطاب” التي تفترض وجودها في هذه الحداثات المختلفة؟

 

-أتحدّث عن “الحداثات” بصيغة الجمع لما بدا لي من وجود تفاوت واختلاف في الدّخول إلى الحداثة طبقا للبلدان والثّقافات والعلاقات بالغرب. فالحداثة، وفي الأمر مفارقة، تتميّز بأنّها لحظة الفراق الكبرى، ولحظة عزوف الإنسان عن أن يكون معاصرا لأصله. إنّها مدرسة للفراق، تؤدّي إلى وقوع الجيل الآتي في حالة تحوّل بالنّسبة إلى الأجيال السّابقة. الحداثة هي اسم للانفتاح على مستقبل غير محدّد. ولكنّ هذه الحداثة التي تقدّم نفسها على أنّها حاجة متأكّدة هي صدمة.  أقصد بذلك أنّ عولمة الأسواق والصّور تؤدّي إلى رغبة في وقوع الآخرين في أسر الغرب، وهو ما ينجرّ عنه ضيق في الهويّات التي تعجز عن إيجاد حلول إعلائيّة sublimatoires.
 
-كيف تحمل “المراهقة التّائهة” وصمة هذه الحداثات؟

 

-إنّها تحمل وصمة الذّات التي ليس لها مكان. الذّات التي تعجز عن بسط علامات حضورها في العالم على ما هو اجتماعيّ. وصمة الحداثات هنا هي امّحاء العلاقة الجدليّة بالماضي، وهي علاقة أكثر تعقّدا من مجرّد “واجب الذّاكرة” نحو هذا الماضي. التّيه بالنّسبة إليّ هو بمثابة الجدول الممثّل لغيريّة عاجزة عن التّوافق مع الاجتماعيّ، فيما الاجتماعيّ عاجز عن التّوافق معها. التّائه دخيل أكثر منه غريب، وهو في الغالب محمّل بذاكرة مخزية ومكتومة ومخفيّة، قد تكون أحيانا ذاكرة هجرة الأبوين…  
-أنت تحيل كثيرا على الأنتروبولوجيا في دراساتك العياديّة وفي تدريسك الجامعيّ. كيف تسنّى لك إقامة حوار بين التّحليل النّفسيّ والأنتروبولوجيا؟ لا شكّ أنّ المعرفتين “معنيّتان بالجسد البشريّ”، وبـ”الطّريقة التي يبتدئ بها الجسد البشريّ” كما تقول في كتابك، ولكن أليستا مختلفتين، بما أنّ التّحليل النّفسيّ يظلّ معرفة مفارقيّة بالخاصّ، وعلاجا قوامه الخاصّ والفريد؟

 

-من منّا في وسط التّحليل النّفسيّ يمكن أن يزعم بأنّ التّحليل النّفسيّ والعياديّة يجب أن يكونا بمعزل عن الأنتروبولوجيا وخارجا عنها؟ أما زلنا في حاجة إلى الاستدلال على التّرابط بين التّحليل النّفسيّ والأنتروبولوجيا بالعودة إلى كلّ ما توصّل فرويد بفضل عبقريّته إلى جلبه من الأطروحات السّوسيولوجيّة والأنتروبولوجيّة المتوفّرة في عصره؟ هذه الأطروحات ألم يكن لها صدى واسع في أعماله، لا سيّما عبر أعمال روبار رانولف مارت أو برونسلو مالينوفسكي أو وليام ريفرز أو ألفرد كروبر؟ ومن جهة أخرى هل كان بإمكان جاك لاكان أن يصل إلى توليفاته الأولى في ما يخصّ نظريّته في الرّمزيّ لو لم يحقّق لفي ستروس ذلك التّقدّم في مجال الأنتروبولوجيا؟
إنّ مفهوم الأنتروبولوجيا العياديّة واسع جدّا. فمصادره هي أوّلا فينمنولوجيّة. كان الاهتمام بالبحث الأنتروبولوجيّ منهجا، وكان أكثر من ذلك موقفا علائقيّا استطاع لودفيغ بينسفنغر Binsvanger تعريفه بالنّسبة إلى الطّبيب النّفسيّ، منذ المداخلة التي قدّمها في المؤتمر العالميّ للتحليل النّفسيّ الذي انعقد في برلين في سبتمبر  1922، وهي تحمل عنوان “التّحليل النّفسيّ والطّبّ النّفسيّ العياديّ”. فالرّافد الفنمنولوجيّ يسمح بعقد الصّلة بين أمرين، أوّلهما نوع من التّفكير في المنزلة البشريّة، في الإنسان من حيث جسده ولغته ووضعيّته في الزّمان والمكان، وثانيهما تفكير في كيفيّة العناية والعلاج. نحن أبعد ما يكون عن البحث الأتنولوجيّ المتمركز على  ميدان الغريب والباعث على الفضول (l’exotique). الفنمنولوجيا هنا هي بمثابة الأنتروبولوجيا الأساسيّة…
كلّ عقل نيّر يشاطر فرويد فكرته التي مفادها أنّ الثّقافة تشتغل بالوسائل ذاتها التي يعمل بها الفرد، مضطرّ إلى اعتبار الثّقافة متمثّلة في ما يمكن أن ينتج صيغا لغويّة وطقوسيّة ونصّيّة تجعل من العالم عالما بشريّا، أي خاضعا إلى تحديد سلاليّ. إنّ تأمّلات بيار لوجندر Legendre  حول ما يجمع على مرّ الأجيال الموادّ البشريّة (أجساد، صور، كلمات) تندرج أيضا في إطار مشروع الأنتروبولوجيا العياديّة هذا، وهو مشروع بعيد إلى حدّ ما عن الأفق الفنمنولوجيّ، لكنّه ليس في طلاق معه.
علينا أن نفكّر معا، في إطار تداخل معرفيّ بين اللّغات والمناهج، في ما أسمّيه بـ”الأمراض الاجتماعيّة الجديدة للعقليّة”، وما أقصد به الأمراض النّاتجة عن فقدان الهويّة، وتلك النّاجمة عن فرط الشّعور بالهويّة. وفي هذا الإطار يمكن أن نعتبر ما كتبه رونيه كاييس Kaës حول الآلام المرتبطة بالهويّة ذا راهنيّة قصوى. فما نلاحظه اليوم من ممارسات تتعلّق بالفضاء وبالحدود، وبحركات اللاّمكانيّة والتّيه، والتّمييز والإقصاء، كلّ هذه الأمور يمكن أن تمثّل بالنّسبة إلينا إحداثيّات تجعلنا نشتغل على الأمراض الجديدة للهويّة، ومصائر الوظيفة الإبداعيّة للجنون، في وضعيّات جديدة من المواجهة المباشرة بين المستقبل والماضي، أو من الانهيار الكارثيّ للماضي.
أقترح الفرضيّة التّالية، وهي وجود تفاعل بين البنى الفوقيّة للعولمة وظهور أمراض جديدة تمسّ الرابط الاجتماعيّ وتزعزع بشكل خطير الأجهزة الرّمزيّة التي بها يتمّ نقل الإرث الثّقافيّ والدّيْن la dette. ولذلك فإنّ بعض الشّبّان الذين التقيت بهم في إفريقيا يمثّلون نفايات لما بقي بعد انقطاع في نقل الدّيْن والقيم. وهذا واضح جدّا بالنّسبة إلى من يسمّون بـ”الأطفال-السّحرة”، الذين لم يعودوا ذواتا يدين إليهم عالم الكهول بشيء ما.
هذه الفرضيّة المتعلّقة بالتّفاعل بين البنى الفوقيّة والانهيار المرضيّ لعلاقات التّبادل والدّيون المشتركة، يمكن أن نوكل إليها مهمّة استكمال الأطروحات السّائدة حول “ضيق الحضارة”.
يجب علينا أن نواصل الاشتغال معا، وأن نشتغل خاصّة على ما يقاوم تآكل الرّوابط والتّرميزات، ولا يكفي أن نكون شاهدين على هذه المقاومة بل يجب أن نكون فاعلين فيها.
ملحق : كتاب المراهقة التّائهة : تنويعات على اللّامكان في حداثاتنا

صدر الكتاب عن دار نشر “نار حامية”، ضمن سلسلة تحمل اسم “اللاّمفكّر فيه المعاصر”. وهذا الكتاب حصيلة سنوات طويلة من العمل العياديّ مع الأطفال والمراهقين في أصقاع شتّى من العالم. وهو يستمدّ أهمّيّته من حديثه عن “أنتروبولوجيا العوالم الحديثة”، وعن أعطاب الذّات والذّاكرة في عالمنا الحديث، وعن أهمّيّة البعد السّياسيّ في تدارك هذه الأعطاب.
وممّا جاء في تقديم الكتاب في صفحة الغلاف الرّابعة :
“إذا كانت كلمة التّيه تدلّ على فوضى اتّجاه الأجساد في الفضاءات العموميّة، فإنّ واقعها الحاليّ يجعلنا نلتقي بذوات شبّان لا يخشون شيئا أكثر من البقاء في مسكن.
هؤلاء التّائهون الشّبّان يضعوننا هنا أما تحدّ، في لا مبالاة لا تخلو من الحزن. ما يبقى لنا وعلينا هو أن نصاحبهم حتّى يستنبطوا لأنفسهم رحلة وبلدا. هل يوجد وجه أكثر تجهّما من وجوه هؤلاء المراهقين بلا مكان ولا أمل؟ من واجبنا أن نساعدهم على خطّ طريق واتّجاه للجسد والكلام، وأن نمنحهم من جديد شهوة الاتّصال البشريّ.
De l’adolescence errante
Variations sur les non-lieux de nos modernités
Editions Pleins Feux
Collection “L’impensé contemporain”
Paris, 2008
60p

 

(1)هو دليل الطّبّ النّفسيّ الأمريكيّ الذي يعمل به الكثير من الأطبّاء النّفسيّين. ونذكّر بالفارق بين التّحليل النّفسيّ  psychoanalysisالذي يعتمد العلاج فيه على الإنصات والكلام والتّداعيات الحرّة والأفعال التّأويليّة التي يكون فيها المعالَج فعّالا، والطّبّ النّفسيّ  Psychiatry الذي يعتمد على العلاج الكيمياويّ أساسا.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق