“دردشة” مع توفيق علال، مؤسس “جمعية بيان الحريات”

حاملا معه عبق الستينات، وسحر تلك المرحلة التي بهرتنا، نحن الحالمين بالتغيير والثورات الفكرية،  يأتيك جليسك، توفيق علال . فهو ابن وفيّ، وشريك في أحداث أيار 68 . يحدثك بهدوء، ويختلف معك بأناقة، دون أن تشعر أنه يخالفك، فهو رغم انتمائه لأفكار جديدة ومتجددة، إلا أن طريقة طرحه لأفكاره لا تثير أي استفزاز، وتحقق للجميع التعادل في الحوار، ويمكن لأي طرف أن يجد نفسه في حوار كهذا يؤمن بالاختلاف، لا يقصي طرفا، ولا يدين أحدا، بل يطرح أفكاره براحة واسترخاء.
ولد توفيق علال في عائلة جزائرية كانت تعيش في المغرب. عاد إلى الجزائر، بعد الاستقلال، ليحصل على شهادة الثانوية العامة، البكالوريا، ثم قرر بعدها السفر إلى فرنسا لمتابعة دراساته، وبدأ بدراسة السينما أولا، ثم انتقل للفلسفة في جامعة السوربون بباريس. انضم لهيئة تحرير ” لي كاييه دو ماي “، أي دفاتر أيار، وهي جريدة يسارية مختصة بما يتعلق بأسباب نشوء أحداث أيار 68 في فرنسا، وتحليل ظواهرها.
كان جل اهتمامه منصبا على أوضاع العمال المهاجرين، وكان يقوم بإعداد دراسات عنهم، مشاكل السكن، العمل…
التقيته في باريس، بهدف الحوار معه، والتعرف على نشاطه، وعلى جمعيته، غير المعروفة كثيرا للقارئ العربي، لأن كل نشاط الجمعية يتم باللغة الفرنسية، لغة البلد الذي يقيم فيه علال، ومعظم أعضاء الجمعية، ويمارسون نشاطاتهم الفكرية والنقدية من موقعهم في فرنسا.
من المؤسف فعلا، أن لا يستطيع القارئ غير المتمكن من الفرنسية، أن يطلع على أفكار هؤلاء الأشخاص، الذين يمثلون خطا مهما في الفكر العربي، ويتخذون موقفا من الإسلام، شديد الرصانة، موقفا لا يستعدي أحدا، ولا يقصي أحدا، موقفا يدعو إلى التأمل ويحرض على التفكير، ويشيع أجواء الديمقراطية، ويحث ويركز على فكرة الحريات الشخصية، ومن هنا جاء اسم الجمعية: “جمعيّة بيان الحرّيّات”.
ورغم وجود صعوبة في محاورة توفيق علال، الذي لا تكفي مقابلة واحدة، للإلمام بأفكاره، ولابد من العودة إلى كتاباته ومقابلاته ومقالاته هنا وهناك، فإنّ هذه ” الدردشة ” معه قد تكون بداية الطريق، عله يتم في المستقبل، إيجاد خطوات أخرى، للتواصل مع هؤلاء الأشخاص، الذين نحتاج اليهم في تأسيس النهضة الجديدة في الفكر العربي، حيث الإسلام أضحى ظاهرة، وحيث يرتبط كل ما هو عربي، بما هو مسلم، وحيث الدفاع عن الهوية المقطوعة عن المفهوم القطيعي أو الجمعي للهوية، إذ يستخدم علال كلمة جميلة وفنية ، للإشارة إلى خصوصية الهوية واختلافها من شخص لآخر، وهي ” المطبخ ” ، فلكل منا ” مطبخه ” الخاص الذي تتشكل فيه هويته ، والهوية ليست محمولا واحدا ، وليس كل المسلمين أبناء ” الأمة الإسلامية ” .
سأحاول هنا أن أخلص لحواري أو ” دردشتي ” المتشعبة مع السيد علال، الذي يثير الأسئلة، ويخلق الرغبة في التفكير، لأنه لا يملك الوصفات السحرية لكل حالة، عسى أن أقدم للقارئ العربي، بعضا من وجوه نشطة وفعالة في الساحة الفرنسية، لأشخاص ينحدرون من ثقافات وجغرافيات أخرى، يصعب تعريفها وتحديد انتمائها في كلمة “عربي”  أو “مسلم”…
هذه بعض مقتطفات من ” دردشتنا “:  
كيف نشأت لديك فكرة الجمعية، أي بيان حريات ؟
– كان الدين دوما بالنسبة لي أمرا شخصيا، وبدأت ظاهرة الإسلام تظهر بقوة في فرنسا، وخاصة لدى الجيل الجديد، ووجدتني أتحاور مع أصدقائي المقربين، مثل فتحي بن سلامة ومحمد حربي، وصرنا نتساءل: ثمة طارق رمضان، وثمة فريق معارض لطارق رمضان، ولكن أين نقف نحن ؟ كنا نشعر أن الإسلام يتحدث باسمنا، ولكننا لم نشعر أن الفريق المعارض لطارق رمضان يمثلنا، ولم نتفق مع الصحافة وإلاعلام المعارض لرمضان ، فنحن لسنا لا مع هذا الطرف، ولا مع الآخر، لذلك أسسنا جمعيتنا ” بيان حريات ” لنطرح أنفسنا في الساحة، ونقدم وجهة نظرنا الجدية، ونقدم شكلا جديدا من أشكال التفكير.
مثلا، من الأمور الأساسية التي نتعرض لها، مفهوم الأمة الإسلامية، أنا لا أشعر أني أنتمي لهذه الفكرة، أنا لست ضمن ” الأمة الإسلامية “.
لم يعد الإسلام ينسجم مع أفكارنا، فأنا أؤمن بالحرية الفردية، والإسلام الذي ولد في عصر ما، لم يعد يتفق مع المتطلبات الفكرية لهذا العصر. يجب مناقشة الإسلام، وفق التغييرات الذهنية الجديدة. ليست المسألة مسألة علمانية، بل مسألة حرية فردية.
من أهم أهدافنا  التركيز على الحرية الفردية من داخل الثقافة الإسلامية. فأنا مثلا غير مؤمن، ولكني أحمل ثقافة إسلامية، إذ تلقيت تربية إسلامية، وأحمل هذا التراث. كانت أمي امرأة متدينة، ولكني لا أستطيع أن أكون مثلها، إلا أن إسلامها يمسني، لأنه من ضمن تربيتي، ولكن تاريخي الشخصي يختلف عن تاريخ أمي، وأنا أحمل اكتشافاتي الشخصية، لذلك لن أحمل إيمان أمي ولا تدينها.
كيف تنظرون إذن إلى موضوع تجديد الإسلام، أو حل أزمة الحريات الفردية في الفكر الإسلامي؟
– إن الجمعية مكونة من عناصر عدة بعضها مؤمن أو يفكر داخل دائرة الإيمان، وبعضها الآخر ملحد، وبعضها الآخر لائكي (أو علماني). والأهم أن الجمعية هي فضاء فكر حر يعيد استنطاق المعتقدات والهويات.
أحد الفرقاء، يرى إمكان حل هذه الأزمة عبر التطرق لمعضلتين أساسيتين، هما موضوع المرأة، وموضوع الأقليات. يجب التركيز على التعادل الكامل بين المرأة والرجل ، وكذلك إرساء المساواة في حقوق الأقليات ، مهما كان شكل هذه الأقليات، دينية ، إثنية ، جنسية … فمثلا ، حول موضوع دارفور ، نحن نؤمن بدولة القانون كحل عادل لجميع الفئات، دون تمييز، لا بين أبيض أو أسود، ولا مواطن أو غير مواطن، ولا امرأة أو رجل، لا مسلم ولا مسيحي … نحن لا نطرح الديمقراطية ولا العلمانية، السؤال الأساسي هنا، ضمان مساواة الجميع، وأكرر من حيث حقوق المرأة والرجل، وحقوق الأقليات. أما الديمقراطية والعلمانية، فهذه أمور يمكن تأسيسها فيما بعد، ولكن السؤال الذي لا حياد عنه: المساواة.
ثمة تيارات متعددة في الجمعية، فأحد أهداف جمعية بيان الحريات هو تركيب وتعقيد وإعادة النظر في هذه المتضادات الميتافيزيقية. أحد هذه التيارات، تيار مؤمن، كـ غالب بن شيخ، الذي يدعو إلى إعادة تصنيف أو فرز السور القرآنية، بحيث تستبعد تلك التي تحرض على عدم المساواة بين المرأة والرجل، وبين المسلمين والنصارى واليهود، أي فتح باب الاجتهاد، والإيمان بأن الدين أمر شخصي.
وثمة فريق آخر، وهو فريق ملحد، وأمثله أنا. فأنا لا أؤمن بالاجتهاد، لا يمكن إنكار أن الحضارة الإسلامية كنز لنا، وكانت لها أهميتها التاريخية، ولكن الإسلاميين المتطرفين في طريقهم، أو يحاولون، نسف وتهديم هذه الحضارة، نحن نريد الحفاظ على هذا التراث، ولكن الأزمة هي أزمة ثقافية، وهذا يتطلب وقتا طويلا، يجب إعادة النظر في التعليم والتربية لتأسيس ثقافة جديدة لدى الجيل المسلم . فالجميع يعرف أن صناعة ” انتحاري ” لا تستغرق أكثر من عدة أيام، أما تأسيس إنسان مثقف وعاقل، فيحتاج لسنوات طويلة.
فالمنطقة العربية لم تنظر في مسألة الحريات، وليست هذه الحرّيّات  ضمن الثقافة العربية. إن جميع حركات التحرر الوطني، والثورات ضد الاستعمار، ونضالات الشعب للحصول على الاستقلال، كانت جميعها من أجل الهوية الإسلامية، لا من أجل الحرية . ثمة استثناء واحد، يتعلق بفترة حكم بورقيبة، حيث اهتم بموضوع المرأة، إلا أن جميع الحركات السياسية الأخرى، لم تعن بموضع الحرية الشخصية.

ولكن العدالة والحريات التي تسعون إليها وتتبنونها في برامجكم ، هل هي في رأيكم مشروع سياسي ؟
– إن هاجسي أنا هو هاجس فكري، ولكن فعلا أي من الحالات السياسية المعارضة، لم يسع لطرح مسألة المساواة بين المرأة والرجل، بل على العكس، استخدم الكثير من الديكتاتوريين العرب الإسلام لتثبيت سلطاتهم، لذلك لم يطرحوا موضوع الحريات، ولم يقم المسلمون بذلك أيضا.

والغرب ؟ أوربا ، فرنسا ؟ هل تعتقدون أن لها دورا في الجهود المبذولة لإعادة النظر في الإسلام ؟
أنا أكرر دوما، أن موعد الشعب العربي مع الحرية، لا ينسجم مع الأجندة الغربية، إن هذا هو عملنا نحن، ومهمتنا نحن ، والغرب لا يهمه هذا ، بل ولا ينسجم معه . أنا أضحك حين يتحدثون عن الديمقراطية الأميركية، ومشروع الشرق الأوسط الكبير… الغرب لا تهمه الديمقراطية والحريات في بلادنا. مثلا موضوع الرسوم الكاريكاتورية، هذا أمر يعنينا، ويجب التصدي له، لقد قمنا هنا في فرنسا بنشاطات مختلفة للدفاع عن الرسام الكاريكاتوري، وقد تعرضت لحملة انتقاد كبيرة. كنت أؤكد على موضوع الحرية، وهذا المعيار لا يمكن تجزئته. فنحن مثلا انتقدنا  روبير رودكير الذي هاجم الإسلام، واعتبرنا موقفه أسوأ من فكرة معاداة السامية، ولكننا دافعنا عن حرّيّته في التعبير. لذلك قلنا إذا كان ثمة اعتراض على موضوع الرسوم، فلتلجؤوا إلى القضاء، ولتطالبوا بمحاكمة الرسام، وإذا كان رأي الرسام، أو غيره في الإسلام هكذا، إذا كانوا يرون محمد كما رسمه الرسام، فهذا رأيه، وعلينا أن نقدم لهم صورة إسلام مختلفة، حتى نقنعه. بالإقناع لا بالعنف يمكننا تغيير رأيهم في الإسلام أو الرسول .
كذلك عملنا، من موقعنا هذا في فرنسا، على الدفاع عن حقوق اللاجئين السود في الجزائر، وحريات الصحافة، والنقابات، وفي المغرب ، دافعنا عن حقوق المثليّين. نحن ندعم تجربة الحرية في أي مكان عربي، وهذا هو دورنا، وليس دور الغرب.
كأنّ جل نشاطكم مرتكز على المغرب العربي، لا المشرق. هناك بعض الأسماء اللبنانيّة الموقعة على البيان، ولكني مثلا لم ألحظ اسما سوريا… فكأن أجندة عملكم متوقفة على المغرب العربي ؟
هذا يعود لسببين ، الأول تاريخي ، والثاني لغوي. التاريخي مرتبط بالتاريخ الاستعماري الخاص جدا بين المغرب العربي وفرنسا، ولدينا حاجز اللغة. أنا أحب اللغة العربية كثيرا، وهذا وجعي، أنني لا أتقنها، اللغة العربية هي لغة بلدي، الجزائر التي أحبها كثيرا، وأكن لها الكثير من التقدير، لأنها بلد تستحق هذا، أنا مرتبط بالعربية ارتباطا عاطفيا وتاريخيا، فهي لغة أمي. ومع أني لا أؤمن بالقوميات، فأنا لست عربيا، بل جزائري، وبرأيي، فإن العالم العربي انتهى.  ثمة بلاد تتحدث العربية، وثمة نقاط تشابه بينها. هذا هو كل شيء.
أنا مؤمن بأن ما سيبقى من السياسة العربية، للمستقبل، هو اللغة العربية فقط، وأتمنى أن تكون هذه اللغة لغة انفتاح وحوار، أن تمتلك تجربة الحرية، ودولة القانون. إن ما يجمع العرب برأيي، هو اللغة.
ومع ذلك فقد اهتممنا بما حصل في لبنان، بعد انسحاب الجيش السوري، وآمنا أن الحل في لبنان، هو دولة القانون، وهذا ما يحل جميع الإشكاليات الإثنية والطائفية لديهم، وكذلك في مصر، إن المشكلة بين الأقباط والمسلمين هي مسألة تكريس الحرية الشخصية وإرساء دولة القانون.
دولة القانون هي الحل لكل الخلافات.
هل جميع المنتسبين إلى جمعيتكم من أصول إسلامية، أم ثمة أشخاص آخرون ؟
ما يحصل في العالم العربي خطير، يجب التدخل والمساعدة لحل هذه المشاكل. ما من صحافة في العالم اليوم، لا تتحدث يوميا عن الإسلام، فقد أصبح الإسلام ” أزمة “، وقد رفعنا شعارا في الجمعية هو : “الإسلام ليس شأنا إسلاميا فحسب”، لذلك  ثمة أشخاص غير مسلمين قد انتسبوا لهذه الجمعية. نحاول هنا في فرنسا أن نخلق مجالا سياسيا شعبيا علمانيا ، حيث نتبادل الخبرات ونتحاور حول أزمة الإسلام.
في رأيك، ما هي النتائج التي حققتها جمعيتكم منذ تأسيسها في عام 2004 إلى اليوم ؟
– لقد تم تعريفنا على أننا أشخاص نرتبط بهذه الثقافة، لكننا نحمل نقاط اختلاف كثيرة عن هؤلاء المسلمين. لقد أظهرنا للفرنسيين، أن مفهوم ” الأمة الإسلامية ” واسع ومتنوع، حيث ثمة تيارات متعددة داخل المسلمين، بل وتيارات متناقضة. لذلك قدمنا شكلا جديدا لتعريف المسلم، فالمسلم ليس نموذجا واحدا، وبدؤوا يفهمون أن ثمة الكثير من المسلمين المتنوعين، وأن الإسلام ليست له نمطية أو مرجعية وحيدة. هذا فيما يتعلق بنتائج عملنا هنا، أما هناك، أقصد في البلدان الإسلامية، فإننا نواظب على عملنا من خلال التحليل، والمشاركة، ودعم كل الخبرات الجديدة. نحاول استقطاب الأجيال الجديدة بخاصة، حتى لا نجعلها تذهب في اتجاه ” الأمة ” الذي لا يمثلها، نحاول خلق التوعية في الجيل الجديد، وتنمية التربية العلمانية لديه، وكذلك تنمية مسألة الحرية في جميع البلدان العربي.  إن لوجودنا هنا أهمية كبيرة، من حيث الحرية المتاحة، حيث نستطيع أن نعمل دون أن يهدد أحد نشاطاتنا، ففرنسا مختلفة عن كل دول العالم، فهي بالنسبة للمسلمين تختلف عن ألمانيا وانكلترا وأميركا… لأسباب تاريخية واجتماعية، فإن وضع المسلمين في فرنسا يختلف عنه في أماكن أخرى من العالم.
ويبقى الحديث مع توفيق علال مفتوحا ، وأشير إلى أن الجمعية ستنظم في شهر أيار القادم حوارا عن وضع العمال المهاجرين ، منذ الاستقلال وحتى ثورة أيار الفرنسية الشهيرة.
مواضيع ذات صلة : بيان الحرّيّات

 

رابط الجمعيّة لكل من يهمه الإطلاع على نشاطها، والتوقيع على بيان حريات :

http://www.manifeste.org/article.php3?id_article=113

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This