المرأة والفعل الثقافي (4) استخدام أدوات الآخرين : في سلطة المداورة

لم أكن أريد أن يبدو مقالي بمثابة الرد، لذلك حاولت أن أدع زمناً يفصله عن مقالة د. رجاء بن سلامة المعنونة “دفاعاً عن شهرزاد وعن نسوية غير حانقة”، المنشورة في موقع الأوان. ولكن مقال مها حسن المعنون “المرأة والجندر- رد على رجاء بن سلامة”، جعلني لا أطيق الصبر فاستعجلت الكتابة.

بداية سأتحدث عن مقالة مها حسن ثم أنتقل إلى مقالة د. رجاء، فرغم موافقتي المبدئية على ما قالته مها حسن في مقالها عن قلة الأسماء النسائية مقارنة بالأسماء الذكورية في الميادين الفكرية والأدبية، وذلك أمر جليّ بنظرة استعراضية سريعة، فإنني لا أستطيع أن أقبل، في محاولة لإثبات الفكرة والدفاع عنها، أن أقدم معلومات خاطئة للقارئ، أو أن أقبل بالإنتقائية طريقة للبرهان، أو أسلط الضوء على زاوية دون أخرى. فما استفزني، بالدرجة الأولى، هو الحديث عن جائزة نوبل التي تأسست في سنة 1901 مما يعني أن عدد الحاصلين والحاصلات على جائزة نوبل للآداب سيبلغ هذه السنة 107، وليس أكثر من مائتي اسم كما أوردت حسن، ولن يكون عدد الحاصلات على جائزة نوبل للآداب لا يتجاوز أصابع اليد، كما قالت، لأن دوريس ليسنغ الحاصلة على نوبل العام الفائت كان ترتيبها 11 من بين الفائزات.

ثم تنعي الكاتبة، في معرض دفاعها عن فكرتها، الفيلسوفات، كما تنعي المفكرات والأديبات، وتلمّح بأن المفكرات انتهين بعد سيمون دو بوفوار ناسية أن سمة النصف الثاني من القرن العشرين هي اكتساح أسماء المفكرات والفيلسوفات لساحة الكتابة واللغة فيما سمي مدارس ما بعد الحداثة التي سيطرت على الفكر الغربي أواخر القرن الفائت، خصوصاً في الحركات النسوية منها ومدارس النقد النسوي، وربما كان عدد النساء العاملات في مجال الكتابة، سواء الفكرية منها أو الفلسفية أو الأدبية في هذه العقود القليلة، يتجاوز عددهن مجتمعات منذ اختراع الكتابة، ونستطيع أن نورد، على سبيل المثال لا الحصر، الألسنيات جوليا كريستيفا وهيلين سيكسو ولوسي أريكاري وإلين شوولتر، هذا غير الأنثروبولوجيات والعاملات في حقل نبش الأساطير والأركولوجيات المدونات وما إلى ذلك.

وأرجو ألا يفهم كلامي بأني اكتفيت من وجود هذه الأسماء لأنها ما تزال قليلة بالتأكيد مقارنة بالحلم، لكن لا يعقل أن ألغيها من تاريخ الفكر الإنساني لأثبت أن حضور النساء قليل تجاه حضور الرجال.

ثم تقول: “ولكن بعد فدوى طوقان، لا نكاد نسمع اسماً نسوياً، وحتى الظهور الخفيف لأعمال خالدة السعيد، وهي أيضا أسهمت في نقل ترجمات مهمة للفكر العربي، إلا أنهن، خالدة وغيرها الأقل شهرة، يقفن ككاتبات درجة ثانية من حيث الشهرة”…

أولاً لا أعتقد أن مها حسن قصدت “نسويا” بل نسائياً، وذلك لاختلاف المصطلحين اختلافاً جذرياً. كما أنني أتمنى أن نتفق على أن شهرة الاسم ليست دلالة أهميته الإبداعية ولا دلالة تأثيره على حركة الابداع والفكر. فاليوم هناك أسماء نسائية عمّت شهرتها الآفاق ولا أعتقد أنها أضافت إلى قيمة الإنجاز النسائي شيئاً. ثم لا يعقل أن أتناسى اسماً كنازك الملائكة رائدة قصيدة التفعيلة أو ما سمي القصيدة الحرة، وهي التي سبقت السياب، ولا سنية صالح التي اعتبرها النقاد من رواد قصيدة النثر العربية، ثم لا يعقل أن يكون تأثير خالدة سعيد “خفيفاً” هذا إذا تناسيت كاتبات كيمنى العيد وفاطمة المرنيسي وفريدة النقاش ونوال السعداوي ٍوإقبال بركة وفريال الغزول وهدى الصدة وسعاد المانع وغيرهن من مفكرات العرب. مع اعترافي بقلة اطلاعي على حركة الفكر والإبداع النسائي في المغرب العربي والسودان مثلاً. وأظن أن أكثر مشهد إبداعي ظهر اسم الكاتبة العربية فيه هو المشهد الأدبي، الروائي والقصصي على وجه التحديد، ولن أستطيع بالتأكيد، ولست بمعرض ذلك، أن أذكر اسم كل كاتبة ومنتجها، ولكني سأذكر بعض الكاتبات اللواتي غيّرن خارطة الرواية العربية، من أمثال غادة السمان وهدى بركات وحنان الشيخ ورضوى عاشور ورجاء عالم وسحر خليفة وغيرهن، هذا غير أسماء الشابات اللواتي تزداد إبداعاتهن كمّاً وقيمة يوماً بعد يوم.

لن أطيل في معرض مناقشة مقال مها حسن رغم اتفاقي معها، كما قلت آنفاً، حول الفكرة الأساسية وهي قلة حضور المرأة الكاتبة مقارنة بالرجل، وسأنتقل إلى مقالة د. رجاء بن سلامة في معرض ردها على فكرة طرحت على المائدة المستديرة التي نظّمها المجلس الأعلى للثقافة بمصر على هامش مؤتمر الإبداع الروائي العربي. وفيها تناقش رأي كل من الكاتبتين: المصرية سحر الموجي والسورية سمر يزبك اللتين طرحتا فكرتين متشابهتين حول ذكورية شهرزاد.
بداية لنتفق أن من حق أي كاتب أو كاتبة أن يعيد النظر في أيّ مسلّمة أو رمز أو وثن، أي من حقّنا ألاّ نخضع لوهم قدسية الموروث التي تكبّل إعادة نبشنا أياً كانت تمظهراته. وباعتباري أتّفق مع د. رجاء في أنّ شهرزاد هي رمز لذلك فلن يكون الرمز رمزاً ما لم يكن متاحاً لتفكيكه وقتله بالمعنى الأبويّ، بمعنى أنه لن يستحقّ أن يكون رمزاً، كما يرى فرويد، بالتالي فمن حقّ أية كاتبة أن تعيد تفكيك هذا الرمز من منظورها الحالي. النظر إلى شهرزاد (الممجّدة) من وجهة مناقضة ليس كفراً، فمناقشة الموروثات ستتم بالتأكيد من وجهات نظر جديدة وبناء على رؤى جديدة وليست تقليدية وإلا ما الذي سنضيفه؟ وإذا كانت حداثتنا هي لقاء بشهرزاد، كما تقول د. رجاء، “وإحياء لها على نحو مغاير للإحياء الدّيني المؤسّسي الفارض لنماذج منمّطة في السّلوك والعقيدة”، فحداثتنا أيضاً هي لقاء بشهرزاد على نحو مغاير للنحو المغاير السابق، ذلك أنها قضية مبدأ، يعني أن أكون مع (النحو المغاير) أياً كانت توجهاته، اتفقت معه أم اختلفت. وقوفي ضد ذلك شبيه بتكفير من يناقش الدين وتخوين من يعارض السلطة وتعهير من يجابه الأنظمة الاجتماعية، فلا مبرّر في رأيي أن تدقّ كاتبة كالدكتورة رجاء ناقوس الخطر في نهاية المقال حين تقول: “أرجو أن لا تكون هذه الموجة من التّشكيك في شهرزاد علامة على توجّه داخل القصّ النّسائيّ ذاته، أرجو أن لا يكون هذا القصّ يجري ناحية شهريار أو شيء شبيه بعالم شهريار…”.

في بداية المقال تقع د. رجاء في مطبّ أستغرب أن تقع كاتبة قديرة مثلها فيه فتقول: “شهرزاد لا تعبّر عن “وجهة نظر” أنثويّة. فأيّ “وجهة نظر” يمكن أن نطلبها من شخصيّة أسطوريّة أو خرافيّة؟” لكن الميثولوجيات، وشخصياتها المكثفة، ليست كذلك فحسب بل هي، وبصيغة أكثر عمقاً، تعبّر بدقة عن ثقافة عصرها ومعارفه وقيمه، بالإضافة إلى عكسها لمجموعة الأنظمة السيسيولوجية والثيولوجية المختلفة السائدة، وإلى تكثيفها فلسفات الشعوب ومحاولاتها الفكرية الأولى. يمكننا اعتبار شخصيات الميثولوجيا إذاً بمثابة الرابط بين التاريخ الشخصي والتاريخ الجمعي لذلك المجتمع الافتراضي، كما يرى “إريك فروم” في كتابه اللغة المنسيّة. إذاً نحن نطلب بالتأكيد وجهة نظر، بل نمط فعل وتفكير، من شخصيات الأسطورة، وبمعنى آخر فإن علوم الأنثروبولوجيا المقارنة مثلاً اعتمدت اعتماداً كاملاً على تفكيك عمق الشخصيات الأسطورية، وتأثيراتها الاجتماعية والفكرية والمعرفية والإنسانية الفردية وما إلى ذلك.

وسأتفق مع د. رجاء على أنّ النص متعدّد الأصوات، وأنّ قراءتنا له لا ينبغي أن تكون على أسس إيديولوجية. هذا إذا لم ننس أن ألف ليلة وليلة نصّ لم يكتبه كاتب واحد في حقبة واحدة. لكن الذي رأيته أنها تعود لتحاكم النص بالطريقة ذاتها. يعني أنها عادت ورفضت قراءة الكاتبتين لنص ألف ليلة وليلة، رغم أنها اعتبرته نصاً رمزياً.

وهذا الاختلاف ليس ارتهاناً للأسطوري في الإيديولوجي السطحي، كما تقول، بل إنه تفكيك لرمز بدأ منذ فجر الحضارة حين اختلفت إنانا وليليت، إنانا التي خضعت للحكم الذكوري بتخليها عن الربوبية المطلقة وليليت التي رفضت ذلك وهامت في البراري، وحقيقة عمل التاريخ الذكوري جهده في تشويه سمعتها. فشهرزاد، برأيي، استخدمت أدوات الآخرين لتدافع عن قضيتها، ولا ضير في عدم موافقتنا على أسلوبها، فمنذ زمن طويل كان هناك من انتصر لإنانا وهناك من انتصر لليليت، ولكني سأعترف بإعجابي بحركة تبتغي قلب فاعلية المرأة من فاعلية تكون باستخدام الأدوات الذكورية، كما فعلت مثيلات شهرزاد، إلى فاعلية تصرّ على استخدام الأدوات الخاصة المبتكرة. فشهرزاد تستخدم ما أسماه “بوعلي ياسين” في كتابه “خير الزاد من حكايا شهرزاد” ،”سلطة المداورة” التي تعتمد الاتكاء على أنوثتها أو دهائها وتكييف رغباتها بما لا يتعارض مع ما هو مطلوب منها في الثقافة الذكورية. من الممكن أن أفهم اعتبار ذلك قبلاً نصراً لها ولبنات جنسها، في حين أنه من الطبيعي في حركة التطور أن يشكّل هذا التصرف اليوم، في عمقه الفكري والنفسي، استلاباً وجودياً وشكلاً من أشكال الوعي الشقي الذي يفضي بصاحبته لأن تكون ملكية أكثر من الملك! فيما استخدام الأدوات الخاصة شبيه بما تقوم به مدارس النقد النسوي ما بعد الحداثية وذلك بطرق كثيرة منها تفكيك القص الشعبي والأمثال الشعبية وترصّد القيم الذكورية المبثوثة منها إلى لاوعي الأطفال الذين ينشؤون عليها، كما محاولاتها لتفكيك لغة النصوص واكتشاف النظرة الذكورية المضمرة في الكلمة.

ثم تعود د. رجاء لتتساءل”هل المطلوب من شهرزاد حتّى تكون لاذكوريّة أن تعظ شهريار وتتحوّل إلى مناضلة نسويّة تدافع عن حقوق النّساء بلغة عصرنا؟”

بالتأكيد لا، ولكنها كانت تستطيع أن تطرح المرأة بعيداً عن الصور النمطية التي سجنها فيها الرجل: عجوز شريرة أو جارية لعوب أو طاهرة عذراء… إلخ. وإن كانت شهرزاد قد ظهرت ذات عقل وحكمة فلأنها طرحت النساء بأنماطهن التي حددها الرجل كما قلت قبل قليل.

نهاية أحب أن أشبّه القول بكون شهرزاد ممثلة للمرأة فيما كان يقال قبلاً بأن مجرد كتابة المرأة هو خطوة في طريق تحررها، اليوم لم يعد هذا كافياً بل على كتابتها أن تعيد ترتيب العالم ونبشه ومناقشته وتفكيكه وتقديم الجديد حتى تعتبر خطوة داعمة لها. على نساء اليوم ألا يكتفين بسلطة شهرزاد السردية وغواية حكاياتها بل أن يذهبن إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، وهذا مطلب مشروع وليس مجرد نسوية حانقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This