ظاهرة الوسيط الثقافي

من الظواهر الهامة واللافتة في مجالس ندماء وجلساء صاحب السلطان في القرن الرابع الهجري في العصر العباسي الثاني، ظاهرة الوسيط الثقافي، أو فيما وصفه التوحيدي، ونموذجه وشاهده في هذا أبو الوفاء المهندس من زكّاه عند ابن سعدان، ونال له حظوة مجالسته، نقيب المجلس، ومرتب القوم!! إن هؤلاء الوسطاء هم الذين كانوا يهيمنون فعليا على مجالس النخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يرجع إليهم اختيار الجلساء والندماء، في أحيان كثيرة، وهم أصحاب التزكية والتجريح بلفظ التوحيدي؛ وواضعو معاييرهما!! وبالطبع يلعب هؤلاء دورا أساسيا وهاما في حالة المثقفين الفقراء، والمهمشين من أمثال التوحيدي والسجستاني، وهو ما يجعل لهم عليهم حقوقا لا بدّ من توفيتها، وكأنها شروط غير معلنة لضمان استمرارية وجودهم في مجلس هذا الحاكم أو ذلك الوزير؛ لأنّ هؤلاء الوسطاء هم وحدهم من يملكون خيوط اللعبة ويعرفون كيف يمارسونها بمهارة عالية، وبما يضمن لهم وحدهم البقاء والاستمرار دون غيرهم في هذه المجالس!! إن هذه الوضعية التي تجلي وجها من وجوه تراتب الهيمنة القمعية داخل مجالس النخب، جعلت هؤلاء الوسطاء يمارسون حقّ الحياة والموت على المثقفين البؤساء الذين وقعوا في قبضتهم، ومدّوا أيديهم يستجدون الرعاية والرحمة والنعمة !!
يقول التوحيدي :
“أيها الشيخ (المهندس) – حفظ الله روحك… وعصب كل خير بحالك، وحشد كل نعمة في رحابك، ورحم هذه الجماعة الهائلة من أبناء الرجاء والأمل بعنايتك، ولا قطعك من عادة الإحسان إليهم، ولا ثنى طرفك من الرقة لهم، ولا أثقل عليك في إدناء قريبهم وبعيدهم، وإنالة مستحقهم، وغير مستحقهم أكثر مما في نفوسهم، من جاه تبذله، ووعد تقدمه، وضمان تؤكده… وأسأل الله ألا يزل قدمي في خدمتك، ولا يزيغني إلى ما يقطع مادة إحسانك”.
وناهيك عن لغة الابتزاز العاطفي للمهندس، فلعلنا نلاحظ تلك العبارة اللافتة حول إنالة المستحقين، وغير المستحقين في آن، وهو ما يضمر نقدا لاذعا للشيخ ولأمثاله، من الوسطاء الثقافيين، ومعاييرهم الذاتية!!
ولقد أعطت هذه الوضعية لهؤلاء الوسطاء الحق في طلب بل توجيه الأمر الصارم لهؤلاء بممارسة دور الجاسوس على صاحب السلطان لحسابهم الخاص، وربما لحساب سلطة أخرى أو أعلى، وإلا فهو التهديد، لا بقطع الوصل والاستبعاد والحرمان من حظوة الحضور فحسب، بل بإمكانية قلب الأمور على رؤوسهم وإيذائهم، فيصبح هؤلاء المثقفين الذين لا حول لهم ولا قوة هم المتهمين، وموطن الريب وسوء الظن، وأهل الخيانة والدس والوشاية، ويا لها من مفارقة لاذعة مريرة، ويا له من دور مزدوج ينبغي على هؤلاء الندماء والجلساء من المثقفين الفقراء لعبه، لحساب صاحب السلطان تارة، ولحساب الوسيط الثقافي وأمثاله، تارة أخرى !!
ومن المثير للانتباه، أن تكتسب هذه الممارسة مشروعيتها الواضحة لدى أهل الثقافة والحكمة، إذ كانت تتم لصالح صاحب السلطان، بل تبدو ضرورية وأساسية لإدارة الحكم الجيد!! فها هو ابن المقفع في نصه “رسالة في الصحابة (حاشية الأمير)”، يتعامل معهم وفقا لقراءة “عبد الله الشيخ موسى” بوصفهم وسطاء الأمير الذين لا غنى عنهم لنقل كافة الأخبار ونقلها لصاحب الدولة، لكنه يتحدث عن تجنيد الحاشية والندماء، بل إن ابن المقفع ينصح الخليفة بأن يجنّد علماء راسخين في العلوم الدينية (الفقه، السير/ السنة) إلى جانب خواص الرجال لينقلوا له كل ما يجرى في حواضره وثغوره.. إلخ!! أما مسألة التجسس لحساب الآخرين على صاحب السلطان، فلعلها كانت الأكثر ممارسة وفعالية رغم الموقف الأخلاقى المدين لها، والمتشدد إزاء من يمارسونها !!
وقد كتب نص الإمتاع والمؤانسة نفسه في ظل هذا السياق التجسسي، وبناءً على أمر من أيى الوفاء المهندس، وسيط التوحيدي لمجلس الوزير ابن سعدان !! ولو أننا راجعنا مقدمة الإمتاع والمؤانسة المليئة بالتهديد والوعيد، والتعنيف الشديد، ناهيك عن المعايرة القاسية والمهينة، لوجدنا أمرا صريحًا وواضحا في هذا الصدد، يقول التوحيدي راويا عن المهندس ما يلى:
“إنك تخلو بالوزير، أدام الله أيامه ليالي متتابعة ومختلفة فتحدثه بما تحب وتريد، وتلقي إليه ما تشاء وتختار، وتكتب إليه الرقعة بعد الرقعة، ولعلك في عرض ذلك تعدو طورك بالتشدق، وتجوز حدك بالاستحقار، وتتطاول إلى ما ليس لك، وتغلط في نفسك، وتنسى زلة العالم، وسقطة المتحرّي، وخجلة الواثق، هذا وأنت غرّ لا هيئة لك في لقاء الكبراء، ومحاورة الوزراء، وهذه حال تحتاج فيه إلى عادة غير عادتك… وقلّ من قرب من وزير خدم فأجاد، تكلم فأفاد، وبُسط فزاد، إلا سكر، وقلّ من سكر إلا عثر، وقل من عثر فانتعش، وما زهد في هذه الحال كثير من الحكماء الأولين والعباد الربانيين إلا لغلظها وصعوبتها، ومكروه عاقبتها… والعجب أنك مع هذه الخلة، تظن أنها مطوية عنى وخافية دوني، وأنك قد بلغت الغاية وادع القلب، وملكت المكانة… وقد انقطعت حاجتك عنّي وعمّن هو دوني، ووقع الغنى عن جاهي وكلامي ولطفي وتوصيلي، وجهلت أن من قدر على وصولك، يقدر على فصولك، وإن من صعد بك حين أراد، ينزل بك إذا شاء… إلا أن تطلعني طلع جميع ما تحاورتما وتجاذبتما هدب الحديث عليه، وتصرفتما في هزله وجده، وخيره وشره، وطيبه وخبيثه، وباديه ومكتومه، حتى كأني كنت شاهدا معكما، ورقيبا عليكما أو متوسطا بينكما، ومتى لم تفعل هذا، فانتظر عقبى استيحاشي منك، وتوقع قلة غفولي عنك، وكأني بك وقد أصبحت حيران يا أبا حيان تأكل إصبعك أسفا، وتزدرد ريقك لهفا، على ما فاتك من الحوطة لنفسك، والنظر في يومك لغدك، أتظن بغرارتك، وغمارتك، وذهابك في فسولتك التي اكتسبتها بمخالطة الصوفية والغرباء، والمجتدين الأدنياء والأردياء، أنك تقدر على مثل هذه الحال، وأنا منك على حسن الظن بك، وأتعامى عن حرّك وبردك.. هيهات رقدت فحلمت “!!
ولا ينبغي أن ننسى هنا مسألة شديدة الأهمية هي أن أقوال المهندس وصلتنا عبر صياغة التوحيدي لها، وهى صياغة لا تخلو من مبالغة ومغالاة تدخل في باب التجني والكذب، وهذا ليس بجديد على التوحيدي، بل هو نفسه يعترف به في مقدمة مثالب الوزيرين، كما هو معروف!! غير أن ما يعنينا هنا، على وجه الخصوص، هو إجلاء طبيعة الدور المطلوب من التوحيدي لعبه، وهو إخبار المهندس بكل ما دار بينه وبين الوزير في لياليهما التي اختليا فيها ببعضهما البعض!! بل إن حديث المهندس عن ضرورة أن يتم هذا، وكأنه كان شاهدا ورقيبا ومتوسطا بينهما يكاد يحسم الأمر في السياق الجاسوسي في يوحى بأن المهندس يعمل لحساب أطراف سلطوية، مثل الصاحب بن عباد، مثلا !! ومما يرجّح هذا الظن أن التوحيدي أورد في مثالبه أن المهندس كان مرتب مجلس الصاحب بن عباد في مرحلة مّا، ولعلّهما تقابلا هناك، بل إن هذا ما يكاد يذكره التوحيدي فيما أورده من أقوال المهندس في تلك المقدمة نفسها، وهو يذكره بلحظة بؤسه، ويعايره بإحسانه إليه في أنقذه من مصير بائس !! على أية حال، سواء كان المهندس، يعمل لحساب نفسه، أو لحساب غيره أيا كان، فإنّ المطلب واضح وجليّ !! ولعلنا نلاحظ عنف الثلب اللغوي في ما مارسه الشيخ تخيلا على التوحيدي، وكونه لا يصلح، لا بهيئته ولا سلوكه وعادته، لمجالسة الكبراء ومحاورة الوزراء، فما بالك بخلوة الليالي الأربعين !! وفي حين يبرز هذا الكلام أهمية  المساندة التي قدمها المهندس للتوحيدي وقيمتها إذ لا تنطبق عليه شروط النديم أو الجليس المثالي، فإنه يثير الدهشة ويفجّر السؤال حول الغاية الحقيقية من مساعدة الشيخ للتوحيدي، وتقديمه للوزير، رغم حالته المزرية تلك، وهل كانت هذه الغاية (التجسسية) واضحة لدى الطرفيْن منذ البداية؟ أم أنها كانت مضمرة لدى الشيخ في أحسن اختيار نموذجه البائس، كي يستخدمه لتحقيق غايته كيفما يشاء، وفي الوقت المناسب، ومن خلال ابتزازه والضغط عليه، وأرجحته القاسية ما بين المنح، والمنع كما هو واضح من النص؟! أم إن العكس هو الصحيح، بمعنى أن الاتفاق كان محددا وواضحا بين الطرفيْن، لكن التوحيدي الذي لم يقدّر المهندس حقّ قدره، تصوّر أنّ دخوله مجلس الوزير وخلوته به كلّ هذه الليالي، حققا له درجة من الاستقرار والأمان، وضمنا له البقاء الدائم بجوار الوزير !! ومن ثمّ أخلّ بشروط الاتفاق، وتراجع عن أداء الدور الذي كان مكلفا به من قبل الشيخ، وأسكره القرب من الوزير وأبطره، فتشدق بما لا ينبغي له التشدق به ولعله أذاع أسرارا ما كان لها أن تذاع، وتجاوز حدوده متطاولا يمينا ويسارا على حاشية الوزير، ورجالاته، ومنهم المهندس نفسه الذي  أدرجه في جماعة الندماء الساعين سعيا ذاتيا منغلقا السعي الذاتي المنغلق على مصالحهم الضيقة!! وفي حين يرجع المهندس هذه الممارسات التي كادت تهدّد مكانته فعليا عند الوزير، إلى سقوط التوحيدي في فخ الغرور والصلف والخيلاء الذاتي الخادع، حتى نسي حياء العالم الحق وتواضعه اللذيْن يتشدق بهما، فإنه ينقض هذا الخيلاء الوهمي بعنف وقسوة حين يهدده تهديدا جليا سافرا، محذرا إياه من عقبى استيحاشه منه، وما يمكن أن يدبره له في المستقبل مما سيجعله يتلفت حوله، وقد قُضّ مضجعه بالهواجس المخيفة، لا يعرف متى وأين وممن تأتيه الضربة الموجعة!! بل لعلنا نلاحظ ذلك الطابع الرقابي الحصاري الذي يمارسه الشيخ على التوحيدي حيث يشعره بأنه لن يغفل عنه، ولن يغيب عن نظره لحظة من ليل أو نهار !! ومما يدعم هذه الممارسة الحصارية المقلقة، ذلك الوعي المستبق بردود فعل التوحيدي، وكيفية مواجهته تهديد الشيخ بالابتزاز العاطفي، ووسائل المكدين والشحاذين والصوفية الجوالين الفقراء الذين عاشرهم التوحيدي ويعرف أساليبهم المتحايلة الخالية من المروءة والشجاعة والإقدام، والمواجهة، أخلاق العبيد والمستضعفين المهمشين من خسة وفسولة وضعف … إلخ !!
ومن اللافت حقا في هذا السياق، ذلك الإقصاء المتعمّد للتوحيدي من دوائر أهل العلم والمعرفة الحق، بل الحكماء الأولين، والعباد الربانيين لأن هؤلاء جميعا يفرّون من مجاورة صاحب السلطان فرار السليم من الأجرب، زهدا وتعاليا وكراهة لغلظة الحال ومكروه العاقبة!! إنّ هذا الإقصاء يدمّر دعاوى التوحيدي بوصفه سليل أهل الطريق، ويقضى على كافة أشكال الخيلاء المعرفي والقيمي الوهمي الذي كان يتجلّى بين الحين والآخر في مواقف التوحيدي الزائفة، من وجهة نظر المهندس، مع مثقفي السلطان من أمثال مسكويه، وغيره من ندماء الوزير!! فالتوحيدي من وجهة نظر الآخرين عند المهندس سليل أهل الشحاذة والكدية والمتصوفة المتسولين ذوي الفسولة والخسة!! ولعلنا لسنا في حاجة إلى التعليق على ذلك المنطق السلطوي الفج الذي يتبناه المهندس، ويخاطب به التوحيدي !! ورغم كل هذا العنف التخيلي الذي يلوّح بإمكانية تحوله لعنف حقيقي يصل حدّ التصفية الفعلية لا مجرد إبعاد التوحيدي من مجلس الوزير، حيث إنه كان مبعدا فعليا، فإنّ الشعور العارم بالتهديد لدى الشيخ هو ما دفعه لممارسة هذه الدرجة من العنف اللغوي التخيلي على التوحيدي!! إنها حالة دفاعية عن جدارة، ولعل هذا ما سعت الذات الكاتبة للإيحاء به، وليس العكس، وهو ما يقلب التراتب القائم، فيغدو المهندس هو المهدَّد، والتوحيدي سيد الموقف بلا منازع!! ومما يلفتنا في هذا الصدد، المقدمة التى بدأ بها التوحيدي كلامه قبل أن يطلعنا على طلب الشيخ منه، فبعد أن يقرر أن من نجا من آفات الدنيا وقطع طمعه من الخلق أجمعين، كان من العارضين الزاهدين الذين سيفوزون بنعيم الآخرة وخيراتها، يقول : ” أما بعد، فإني أقول منبها لنفسي، ولمن كان من أبناء جنسي : من لم يطع ناصحه بقبول ما يسمع منه… ولم ير أن عقل العالم الرشيد فوق عقل المتعلم البليد… فقد خسر حظه في العاجل… والآجل، فإن مصالح الدنيا معقودة بمراشد الآخرة… والداران متفقتان في الخير المغتبط به، والشر المندوم عليه… وأنا أعوذ بالله الملك الحق الجبار الكريم أن أجهل حظي… وألقى بيدي إلى التهلكة… فإلى الله أفزع من كل ريث وعجل، وعليه أتوكل في كل سؤال وأمل، وإياه أستعين في كل قول وعمل !!”
وهكذا تمارس الذات الكاتبة تهديدها جليا واضحا على من حاصرها وقمعها بتهديده وابتزازه ومعايرته، عبر مرايا اللوذ بالإلهي الخالد والآخرة المترتبة على ممارسات الدنيا، وسلطة العقل الرشيد، وخلق الزهاد العارفين الفائزين وحدهم بنعيم الجنة الحقيقية، لا نعيم الدنيا الزائلة، نعيم المهندس وأمثاله من الجهلة البلهاء، المتعلمين البلداء !!
ومما يجلي حجم التهديد في شكله التوحيدي للمهندس في مجلس الوزير بل في خلوتهما الصادمة للشيخ، محاولة المهندس الوشاية بالتوحيدي، وإيغار صدر الوزير عليه، وهذا منذ الليلة الرابعة، وهي الليلة التالية مباشرة لليلة الثالثة التي أبدى فيها التوحيدي آراءه السلبية في ندماء الوزير ورجالاته، رهطا رهطا، ومنهم المهندس الذي  قد يكون علم بما قيل عبر عيونه المتلصصة على مجلس الوزير!!  تبدأ الليلة الرابعة مباشرة بهذا السؤال المفاجئ من قبل الوزير: كيف رضاك عن أيى الوفاء؟ وأيا كان رد التوحيدي على السؤال فعليا، فإن في ما أورده ما يرضى الشيخ، ويطأ من هواجسه تجاهه، ناهيك عن كونه يثير تعاطفنا نحن كقراء تجاه الذات الكاتبة حسنة النية والطوية، والتي تلاقى الإحسان بما يستحقه من الحمد والمدح والوفاء، ولا تدري أي شراك ينصب لها من قبل راعيها ومانحها الخير والنعمة!! وبالطبع، تسعى هذه الصياغة لدحض مزاعم الشيخ الظالم الطاغية في المقدمة، وإجلاء التفرد القيمي الراقي للذات الكاتبة !!
وبعد هذا الردّ الجميل، يباغت الوزير التوحيدي ثانية، ولعلها الذات الكاتبة تباغت الشيخ والقارئ في آن، إذ يقول على لسان الوزير : هات شيئا من الغزل، فينشده التوحيدي :
كلانا سواء في الهوى غير أنها
تخاف وعيد الكاشحين وإنما
تجلد أحيانا، وما بي تجلد
جنوني عليها حين أنهى وأبعد
وحيث يلتقط المحاور الذكي هوس السلطة بحضورها النرجسي يغازلها مغازلة العاشق قليل الصبر والجلد، المهووس بها، الخائف دوما من إمكانية الفراق والإبعاد!! وفي حين يتحدث عن تساويهما في الهوى (العاشق والمعشوق)، يجلي جلدها وحذرها وتماسكها الرشيد إذا ما قورنت به، وهو ما يطمئن نرجسيتها الباغية، ويذكى خيلاءه المعرفي !! وفي حين يرهص الوعي، وعي المحاور القلق، بما ينتظره من وشايات ودسائس، فيستدعى هذه الأبيات الغزلية بعينها، يفاجئه الوزير بهذه الوشاية التى تتبدى علاقتها بالمهندس جلية في هذا السياق، يقول:
“غالب ظني أن نصرا غلام خواشاذة ما هرب من فنائي إلا برأيك وتجسيرك، فإن ذلك عبد، ولا جرأة له على مثل هذا الندود والشذوذ، فقد قال لى القائل : أنك من خلصائه!!”
وبالطبع يدافع التوحيدي عن نفسه، مشهدا لله ذاته على ما كان بينه وبين العبد من لقاءات أنس على باب الجسر بالعشايا، وعلى باب أبى الوفاء المهندس، وهى إشارة لها دلالتها الموحية في هذا السياق، وكأن التوحيدي يعلن أنه عرف من وشى به !! بل يسعى لقلب الأمر عليه؛ إذ يقول صراحة : “لو نبس لي (العبد) بحرف من هذا، أو كنت أشعر بأقل شيء منه لكنت أقول لأبي الوفاء قضاء لحقه، ووفاء بما له في عنقي من مننه، وخوفا من هذا الظن بي، وقصورا عن اللائمة لي!!”
ولعلنا ندرك مدى خطورة الوشاية لو علمنا أن خواذشاه الذي كان هذا الفتى الآبق غلامه، كان من كبار رجال شرف الدولة البويهي أخ صمصام الدولة سيّد ابن سعدان وزير الليالي، والذي غلبه على الملك في بغداد، وأنهى أيامه!!
على أية حال، فإن وشايات المثقفين، والندماء الحاشية والجلساء ببعضهم البعض لدى صاحب السلطان مسألة متعارف عليها ومألوفة في الأدبيات السلطانية!! ولعلنا لا ننسى وشايات دمنة التى أفسدت علاقة الأسد الملك بالوزير الثور، وجعلته يقتله شر قتلة رغم براءته!!
ولعل آخر ما يثير انتباهنا في هذه العلاقة الكاشفة المليئة بالمفارقات بين المهندس والتوحيدي هو تلك الملاحظة الذكية التي التفت إليها الروائي خيري شلبي في شهادته حول التوحيدي؛ إذ يرى أن مبالغة التوحيدي في الثناء على المهندس، وإفراطه في تحقيره من شأنه إزاء رب نعمته ومانحه فرصة الوجود والبقاء تنطوي على الدلالة العكسية؛ حيث السخرية والتهكم اللاذع والتحقير المرير من شأن هذا الرجل في واتاه الحظ الأعمى وأعطاه ما لا يستحق من المكانة والشأن وعلوّ اليد في هذا الزمن الرديء، وحرم أمثال التوحيدي ما يستحقونه لجدارتهم الفعلية !! ولا أميل تماما إلى وصف خير شلبي للتوحيدي بأنه المثقف الشريف، كريم النفس المستغني القانع الذي لا يضيق بفقره، بل يضيق بغبنه الأدبي، وأظنها أوصافا من قبيل إسقاطات القراءة المعاصرة !!  ولو أننا تتبعنا رسائل التوحيدي الموجهة للشيخ المهندس بصورة سافرة مباشرة، أو مضمرة في نص الإمتاع بأجزائه الثلاثة لاكتشفنا من المناورات والمراوغات والمخايلات الخطابية ما يدحض هذه التوصيفات وحيدة الجانب، ويجلي لنا نموذجا شديد التعقيد والغرائبية لعلاقات المثقفين عامة في فضاء السلطة، وعلاقة أمثال المهندس خاصة بالتوحيدي ومن على شاكلته من الفقراء المهمشين المتوترين بين حاجتهم الهاتكة، وقيمتهم المعرفية!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق