سيرة أبي نواس بين عبث الرواة ومكائد الورّاقين (إلى عبد الفتاح كيليطو)

يتضمـَّنُ الموروث الأدبيّ العربيّ مساحة كبيرة من الظواهر النقدية العالقة التي لم تحسمها الدراسات والبحوث التي انشغلت بالظواهر المحددة موضوعيـّـًا وأجناسيّـّا، الأمر الذي يدعو الباحث إلى التساؤل عن موقع هذا الركام الأدبي غير الـمُجنـَّس والـمُؤطـَّر معرفيَّـًا. وبعبارة أخرى، فإنّ مدوَّنة الأدب العربيّ تحفل بنصـّيـّات هامشية تمَّ إقصاؤها بفعل هيمنة النصوص التي اكتسبت حضورها بقوّة التداول وهيمنة الخطاب السائد وشروطه الثقافيّة، في حين أنّ النصـِّيات أو النصوص الذيليـَّة العالقة ظلت مطمورة ومـُقصاة بفعل الأسباب نفسها.

وانطلاقًا من هذا التصوّر فإنّ هذه الـمداخلة تروم مقاربة تجربة إبداعية فذّة وسيرة شاعر أسهم في تخصيب الشعر العربي هي تجربة الشاعر الحسن بن هانئ المشهور بـ”أبي نواس” (ت 199 هـ)، بهدف الكشف عن موقع هذه التجربة، في إطار الجدل بين الأشعار المتعالية من جهة والأخبار الـمُقصاة من جهة أخرى؛ إذ إنّ نصوص أبي نواس الشعرية قد مُنحت فرصة الحضور الثقافي، في سياق الإضافة والتطوّر الفنيين، في حين مارست مؤسسة الكتابة التقليدية تحفـُّظاتِها على معظم أخباره وأشعاره، وتعاملت مع أغلبها بوصفها انتهاكات روّجتها لإدانة النصوص والتنديد بالـنـَّاص.

وتندرج فرضيتنا فيما أصبح يُطلق عليه دراسات الـمُتخيـّل الثقافي؛ وهو ضربٌ من الاشتغال النقديّ الذي يُقيم الوزن والثقة بالاشتباك المعرفي بين النصّ من جهة والسياقات النصية من جهة أخرى. وفي هذا المستوى تتحدد ملامح هذه الفرضية وخصوصيتها؛ فهي تراهن على قدرتها على اكتشاف دلالات النصوص وربطها بمرجعها في الثقافة والعالم لإعادة تشكيل خطاب سيرة النصّ والـنّاص الذي لم تسلم أخباره من عبث الرواة ولم تنجُ أشعاره من سلطة مؤسسة الكتابة التقليدية ومكائدها.

وبذلك يظلُّ السؤالُ النقديُّ قادرًا على توليد الأسئلة ومساءلة الثابت وفحص اليقين؛ بهدف إعادة إنتاج المعرفة ومراكمة التصوّرات المفضية إلى الحقيقة الموضوعية النسبية.

(1)
لعلّ ما يميّز الأدب العربيّ أنّ السيرة الذاتية، بوصفها جنسًا أدبيـًّا استغرق نضوجه وقتا طويلا، قد تشكـّلت بفعل سنن المثاقفة والمعايشة المعرفيتين اللتين نشأتا في العصر العباسيّ الذي اتّسم بالخصوبة والانفتاح الثقافيين من جهة وكان موّارًا بالأحداث والتحوّلات الثقافية الكبرى من جهة أخرى. ويرى شوقي ضيف أنّ “الترجمة الشخصية” عند العرب فنٌّ مٌستحدثٌ، قلـّدوا فيه غيرهم من الأمم الأجنبية التي قرأوا آثارها، واستدخلوا مفاهيمها وبخاصَّة؛ الفارسية، واليونانية، والهندية.

ورغم هذا التأسيس إلاَّ أنّه لا يمكن تجاوز الصيغ الإبداعية التي كانت تقترب، أو تكاد، من السيرة الذاتية هدفًا وغايةً، شكلاً ورؤية. فهناك عديد الأجناس الأدبية التي توافرت على معطيات السيرة الذاتية بمعناها الواسع؛ فأدب المجلس، وأدب الرحلة، والحكايات الأدبية، والقصص، والأخبار، والمسامرات، والمنافرات، والمرويات السردية تحفل بملامحَ فنية تجعلها تقترب من جنس السيرة الذاتية بعد معالجتها فنيـًّا ونقديـًّا. وبعبارة أخرى، فإنّ الثقافة العربية أنتجت أشكالاً أدبية لم تُدرس دراسة وافيةً؛ لأنها لم تقع في مخطط الأجناس الأدبية الكبرى من جهة، ولأنها لم تزوّدنا بمعايير وأدوات نقدية تمكننا من معالجة هذه الأشكال من جهة أخرى. وتدعونا هذه القضية إلى البحث عن الصيغ الممكنة التي تُمكننا من معاودة قراءة الأدب العربيّ واستخراج نصوصه العالقة التي لم تُحسم أجناسيـًّا بغية وصفها، وكشف أنظمتها، واستخراج مفاهيمها، وتوصيفها أجناسيـًّا.

(2)
لا يكاد الدارس يعثر على تجربة إبداعية يتماهى فيها حضورُ المبدعِ بحضور التجربة مثل تجربة أبي نواس التي تُعدُّ واحدةً من أبرز تجارب الشعر العربيّ خصوصيةً ثقافيةً، وفرادةً إبداعيةً، وغنىً موضوعيًّا، حيث تعددت مكوّناتها، وامتدّت مفاهيمها، واتسعت دلالاتها، وتشعـَّبت قضاياها. دليل ذلك أنها حازت على اهتمام كبير من نقـّاد الأدب ودارسيه ومستشرقيه قديما وحديثـًا الأمر الذي يؤهـّلُ هذه التجربة إلى أنْ تكونَ نموذجـًا إبداعيًّا حيـًّا وفاعلاً يمكن معاودةُ قراءته واكتشاف طبقاته التمثيلية.
وتنطلق فرضية هذه المداخلة من فكرة مُفادها؛ أنّ تجربةَ أبي نواس الإبداعية قد قُرئت ودُرست من خلال جنسين أدبيين هما: الخبر والشعر، وهي مسألةُ تُميـّزُ تجربة أبي نواس خاصّة؛ إذ إنّ هناك أخبارًا كثيرةً رافقت تجربة أبي نواس الإبداعية، وساهمت في توليد سيرته الذاتية وصورته الواقعية والـمُتخيـَّلة إلى جانب النصوص الشعرية التي لم تنجح في احتكار تشكيل صورة الناصّ والشاعر.

وإذا كانت السيرةُ الذاتيةُ تُقدّم سردًا لحياة شخصية مّا، فإنَّ نصيـَّة السيرة تُؤسس ما يُعرفُ عن تلك الحياة، والطريقة التي تُعرفُ بها. وبمعنى آخر فإنّ السيرة الذاتية لا تسعى إلى تزويدنا بمقاطع حياة الشخصيـة السردية؛ وإنما تهدف إلى وضع حياة الشخصية موضع تساؤل يمكنُ الإجابةُ عنه من خلال تفكيك عناصر السيرة المروية، وفحص أنظمتها الفاعلة، واستخراج علاماتها، وتعيين مفاصلها، وتحديد مكوّناتها وذلك من أجل كشف أبعاد الذات وتجلياتها في الحياة.

(3)
يصف طه حسين القرنين الثاني والثالث الهجريين بكونهما عصر النثر بامتياز حيث خاض النثر معركة ضارية مع الشعر ونجح في تثبيت نفسه جنسًا أدبيًّا ذا قيمة معرفيّة لا يقلُّ شأنها عن قيمة الشعر. ويعود السبب في تطوّر النثر إلى كثرة النتاجات العقلية التي أضعفت البلاغة والخيال، وقوّت مَلـَكة النقد والفهم، وخصّبت المرويات والمعقولات حيث بلغ النثر أشدّه واستوى عوده وبات ينافس الشعر في صدارة الأدب. ومن أهم الأجناس النثرية التي تطوّرت وأصبحت نوعًا أدبيـًّا هو الخبر الذي يناظر الشعر، ويطابق النثر؛ إذ إنّ القدامى كانوا يشيرون إلى فنون الأخبار وضروب الأشعار( ) بوصفهما جنسين متناظرين، مما يؤكد أنّ الأشعار والأخبار مختلفان جنسًا ومتطابقان قيمة معرفية، فالخبر قسيم الشعر ومتمِّمُه. مما يعني أنّ الخبر والنثر يدلاّن دلالة واحدة على الجنس الموازي للشعر. ويمكن حدُّ الخبر بأنه القول المرويُّ المتضمّن أحداثـًا تتمتع بالمصداقية شبه المطلقة نظرًا لما ينطوي عليه من معرفة وسند متصل.  

ويتمتع الخبر، في الثقافة العربية، بقيمة معرفية كبيرة دليلُ ذلك أنّ الأخبار دُونت، في الثقافة العربية، منذ بدايات القرن الثالث، صحيحٌ أنّ الاهتمام بتدوينها كان نابعًا من الاهتمام بالشعر بيد أنّ تدوينها يكشف عن وعي مؤسسة الكتابة التقليدية بها خطابًا ذا قيم معرفية لا يمكن إغفالها وتجاهلها. كما يدلُّ اقتران الأخبار بالأشعار على صلة هذين الجنسين بالمبدع والمنشئ من حيث أنّهما يقترنان بإبداع المنشئ وحضوره الثقافيّ. ورغم أنّ الثقافة العربية قد اعتدّت بالأشعار وجعلتها ديوانها الجامع لجملة معارفها وصنوف مفاهيمها إلا أنّ الأخبار ترد، في الثقافة العربية، بوصفها نصـَّا شرحـًا وحاشية ممتدة للمتن الشعريّ.

ويرى الباحث محمد القاضي أنّه قد نشأت “… بين الأشعار والأخبار علاقة مخصوصةٌ مُعقـَّدةٌ، فيها شيءٌ من التواطؤ وشيءٌ من الصّراع”. وتتجلى علاقة التواطؤ في كون الخبر خادمًا للشعر حيث انّ الخبر قد توسـَّل بالشعر ليحظى باعتراف مؤسسة الكتابة التقليدية ودخول معترك المنظومة الأدبية. وضمن علاقة التواطؤ اتكأ الخبر على الشعر واحتفل به في سبيل الحصول على شرعية معرفية وقبول ثقافيّ، ذلك أنّ الثقافة العربية في تلك المرحلة لم تكن قد حسمت خياراتها المعرفية المرتبطة بالشعر، وكانت، لا تزال، تحتفظ بالشعر في سلَّم أَولوياتها ومناشطها المعرفية.

ويؤدي الخبر في هذه العلاقة وظيفتين معرفيتين مهمتين؛ الأولى: تسويغ إيراد الأشعار، والثانية: إكساب الأشعار درجة عالية من الوثوقية التي تدفع، بالضرورة، إلى إيهام السامع واستدراجه إلى تصديق الأخبار واعتماد مضمونها. بيد أنّ الخبر في هذه العلاقة كان حاشية للشعر، ورغم استناده على الشعر واتخاذه منطلقًا إلا أنه ظلّ دونه في القيمة المعرفية التي ظلت ترسّخ تبعية الخبر للشعر . ” فالخبر إنما يأتي تمهيدًا للشعر وتوضيحًا لمناسبة قول، ولذلك يميل إلى الإيجاز، فلا يرد فيه إلا ما كان ضروريًّا لفهم الشعر”. أما امتداد الخبر السرديّ فظلّ يتراوح بين القصر والطول، والإيجاز والإسهاب بما يتناسب مع الشعر الذي يتضمـّنه، فقد كان الخبر يتضخـّم ويضمر الشعر في علاقة طردية تُحسم غالبًا لصالح الشعر الذي يحوّل الخبر إلى حاشية شارحة لغوامض البيان، ومُفسّرة لبواعث القول، ومُجلـِّية لمقاصد المبدع.

بيد أنّ علاقة تبعية الخبر بالشعر قد تفكّك عراها بعد أنْ أصبح الخبر صناعة لا تقلُّ أهمية عن صناعة الشعر، وأصبح يطلق على المشتغلين بالأخبار اسم “الأخباريون” تميزًا لصناعتهم، واعترافًا بأدوارهم، وفي هذه المرحلة لم يعد الخبر “…مُقتصرًا على التمهيد للشعر بل غدا يضمُّ عناصرَ قصصيةً وتفاصيل، وأصبح الشعرُ جزءًا من الحركة السّردية”.

أمّا علاقة الصراع بين الأشعار والأخبار فتتمثـَّلُ في كون الخبر مُستخدِمًا للشعر حيث استرخى عنان الخبر من قبضة الشعر، واستقلّ عن سلطته التي تؤسس مركزية الشعر وهامشية الخبر. ورغم ذلك فقد استخدم الخبر الشعر بوصفه دليلاً ماديًّا، يمكن توظيف محتواه بما ينسجم مع الخبر الذي راح يقوم بـ”سردنة الشعر” من خلال التعامل معه بوصفه كلامًا مجازيًّا، وشاهدًا مؤيدًا. إنّ هذه السّردنة ليست امتثالاً للشعر وإنما هي قراءة للشعر مخصوصة تنظر إلى الشعر بوصفه إبلاغًا مُجرّدًا.

(4)
تتميز الثقافة العربية بإعلائها من شأن الإبداع النصيّ، واحتفائها بالمنشئ الناصّ الذي نجح في تحقيق حضور في سجلاّت الإبداع، وانتساب إلى أحد حقول المعرفة. إذّاك يُصبحُ المبدع حجّة تتقاطر إليه وفود الرواة، وطلبة العلم للقائه، وأخذ الإبداع عنه أخذًا مباشرًا دون وساطة أو موانع. وعندما يحقق المبدع هذا الحضور يصبح مادّة سرديةً يسعى المشتغلون بالمعرفة إلى جمعها والتقاطها وإعادة إنتاجها رواياتٍ وأخبارًا، ليس ذلك فحسب بل إنّ حجم المادة السردية والخبرية يُشكِّل رصيدًا معرفيًّا يُضافُ إلى إبداعه ويؤكّد فضله وتقدّمه.

والناظر في تجربة أبي نواس يكتشف أنه من كبار المبدعين الذين امتلكوا سجلاًّ معرفيًّا مميَّزًا لا سبيل إلا إلى فحصه، والبحث عن مقوماته الإبداعية، وخصوصيته الثقافية. ولعلّ الأخبار التي كُتبت حول أبي نوّاس إنسانًا، ومبدعًا، وماجنًا، وشعوبيًّا، وزنديقًا، ومتهتّكًا، وزاهدًا، تكاد تملأ الدنيا وتشغل الناس إذ لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الأدب العربي.

أمّا كتب الأخبار التي تناولت أخبار أبي نواس وبحثت في تجربته الإبداعية، وسيرته الذاتية فقد بلغت من الكثرة مبلغًا عظيمًا. وسوف نستعرض في هذا المستوى ما وصل إلينا من أخبار أبي نواس حسب تاريخ تآليفها.

• أخبار أبي نواس لأبي هفـّان (ت بعد 255 هـ ):

 يبلغ عدد الأخبار التي أوردها أبو هفـّان تسعة وستين خبرًا  تكرر فيها خبرٌ واحد هو الخبر السادس الذي تكرر في الخبر التاسع والستين بتحوير بسيط في عبارة واحدة. ورغم ذلك ظلّ الخبر في الموضعين يحتفظ بمعناه ودلالاته واتساقه البنيوي. وقد تعرّض الخبر الرابع والستون إلى طمس كامل حيث وردت العبارة الافتتاحية: “أبو هفـّان قال: قال لي عمّي:…”. وقد تعرّضت الأخبار الآتية إلى طمس جزئيّ: الخبر الخامس والعشرون، والسابع والعشرون، والحادي والأربعون، والرابع والأربعون، والخامس والأربعون، والسابع والأربعون، والسادس والخمسون، والثاني والستون. وقد تضمن الخبر الثاني والثلاثون تحريفًا كبيرًا؛ فقد ورد فيه أنّ هارون الرشيد قد طلب من أبي نواس أنْ يهجوه، وكان في مجلسه الفضل بن يحيى، وبكر البرمكيّ، وخادم للرشيد اسمه كوثر، وقد جاء في الخبر: “وكان الرشيد مستهترًا بخادم له اسمه كوثر”. فأنشأ أبو نواس قائلاً:
أضاع الإمامةَ فسقُ الإمام            وغشّ الوزير وجهلُ المشير
ويتضمّن المقطع الشعريُّ إساءة بالغة للرشيد، ولوزيره، ومستشاره، ليس هذا فحسب بل إنّ تتمة الخبر كما رواها أبو هفّان نقلاً عن سليمان بن أبي سهل تُبيّن أنّ ردّ فعل الرشيد كان غاضبًا؛ لأنه هو الذي طلب من أبي نواس أنْ يهجوه. تقول خاتمة الخبر السردية: “فامتعض من هذا الرشيد وقال: والله لولا ما جنيتُ على نفسي من استدعاء ما كنت عنه بنجوة لأسقيت الأرض من دمك”.

وقد ورد الخبر نفسه عند صلاح الدين الصفديّ (ت 764 هـ) في كتابه الوافي بالوفيات في سياق خبريّ مختلف يجعل من الفضل بن الربيع وزير الأمير محور الخبر والشعر فهو المهجوّ؛ لأنّه قدّم للأمين مشورات دفعته لتجاهل أخيه المأمون الأمر الذي أوغر صدر المأمون، ودفعه إلى محاصرة بغداد وقتل الأمين. أمّا صاحبُ الشعر فهو يوسف بن محمد الحربيّ شاعر طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون. وقد وردت الأشعار مختلفة يقول يوسف بن محمد الحربيّ في هجاء الفضل بن الربيع:
أضاع الخلافة رأيُ الوزير           وحمق الأمير وجهلُ الوزير
فبكرٌ مشيرٌ وفضلٌ وزيرٌ              يريدان ما فيه حتف الأمير
فما كان إلا طريقًا غرورًا            وشرُّ المسالك طُرقُ الغرور
وقد وردت هذ الأبيات منسوبة إلى الشاعر العباسيّ المغمور عليّ بن أبي طالب الأعمى (ت 198 هـ)، ونصها:
أَضاعَ الخِلافَةَ غِشُّ الوَزير             وَفِسقُ الإِمامِ وَجَهلُ المُشير
فَفَضلٌ وَزيرٌ وَبَكرٌ مُشيرٌ              يُريدانِ ما فيهِ حَتفُ الأَمير
وَما ذاكَ إِلّا طَريقُ غَرورٍ            وَشَرُّ المَسالِكِ طُرقُ الغَرور
لِواطُ الخَليفَةِ أَعجوبَةٌ              وَأَعجَبُ مِنهُ فِعالُ الوَزير
وَأَعجَبُ مِن ذا وَذا أَنَّنا           نُبايِعُ للِطِفلِ فينا الصَغير
وَما ذاكَ إِلّا بِفَضلٍ وَبَكرٍ             يُريدانِ نَقضَ الكِتابِ المُنير
وَهَذانِ لَولا اِنقِلابُ الزَمانِ            أَفي العيرِ هَذانِ أَم في النَفير
وَلَكِنَّـها فِتَنٌ كَالجِبالِ            تَرَفَّعَ فيها الوَضيعُ الحَقير
فَيا رَبِّ فَاِقبِضهُما عاجِلاً           إِلَيكَ وَأَورِد عَذابَ السَعير
وَنَكِّل بِفَضلٍ وَأَشياعِهِ               وَصَلِّبهُمُ حَولَ هَذيِ الجُسور

والمتأمل في تعدد هذه الأخبار واختلاف الأشعار يكتشف أنّ الرواة، في الثقافة العربية، قد ساهموا إسهامًا كبيرًا في خلق حالة البلبلة المعرفية التي أدّت إلى الارتياب من الروايات التي تبدو متناقضة ويعتورها الخلل والوضع. إنّ جزءًا كبيرًا من الروايات والأخبار الأدبية تمّ صوغها لإدانة طرف من الأطراف، أو بهدف إلحاق الأذى بجماعة من الجماعات، أو لإبطال حقّ ما، أو لإحقاق باطل. ولا يعني ذلك الشك في الأخبار والرويات الأدبية كلـِّها، وإنما في ذلك دفعٌ القراءة إلى مدياتها القصوى حيث يتوجَّبُ عليها أنْ تُعيد كتابة الأدب من خلال استثمار مبدأ اختلاف النصوص، فما بين فساد الروايات وتعدد الأخبار مساحة تأويلية شاسعة تجعل من فعل القراءة عملاً شاقًّا، وفعلاً معرفيًّا خلاَّقًا.

إنّ الخبر الثاني والثلاثين الذي أورده أبو هفـّان دسُّه واضحٌ، وفساده بيـّنٌ. بيد أنّ هذا الدسّ يكشف عن دلالتين جوهريتين:
* أنّ رواة الأدب على وعي تامّ بتناقضات السلطة والمثقف، فهذا الخبر يهدف إلى النيل من مؤسسة السلطة من خلال أبي نواس الذي يملك تاريخًا حافلاً من المواجهة والرفض. فأبو نواس في هذا الخبر محضُ قناع استثمره الرواة في إنشاء أخبارهم، ومنحوه لسانًا ناطقًا بالتنديد بالعباسيين.
* أنّ فساد الخبر لا يحتاج إلى أدلة كثيرة، فأبو نواس، وإنْ كان لا يرعوي، إلاّ أنه لا يملك الجرأة على مسّ مؤسسة الخلافة ورمزها الدينيّ. هذا إذا ما علمنا أنّ مُبدعًا كبيرًا مثل أبي نواس لا يقع في هذا المحظور، فقد تمكن بذكائه الشديد، وحنكته الكبيرة من الإفلات من فخّ الزندقة الذي ابتكرته مؤسسة الخلافة للإيقاع بخصومها. صحيح أنّ صدامًا قد وقع بين أبي نواس ومؤسسة الخلافة ومبرمجي خطابها المعتزلة، إلا أنّ أبا نواس كان واعيًا بخطورة المجابهة المباشرة التي كان بشار بن برد قد خاضها قبله عندما قال يهجو المهديّ ووزيره موسى بن داود:
خليـفةٌ يزني بعمّـاته         يلعب بالدّبوق والصولجان
أبدلنـا الله به غـيره          ودسّ موس في حرِ الخيزران

• كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهانيّ (ت 356 هـ):

      يذكر إحسان عباس، في مقدمة تحقيق الأغاني، أنّ أبا الفرج الأصفهاني قد أمضى خمسين عامًا في تأليف هذا السِفر النفيس. وبعد أنْ فرغ الأصفهاني من جمعه قـُرئ عليه عدّة مرّات الأمر الذي دفعه إلى استخراج كتاب آخر من بطن كتاب الأغاني أسماه “مُجرّد الأغاني”. فكتاب الأغاني، على هذا النحو، نصٌّ ولودٌ تتناسلُ رواياته، وتنداح أخباره لتأسيس عوالم سردية جديدة. وقد مكَّنت طاقة كتاب الأغانيّ الغنية عددًا من المؤلفين إلى اغتنامها فكان أنْ خرجت من كتـاب الأغاني، نسخٌ مجرّدة، ومهذبة، ومختارة.

ورغم البعد الاستقصائي الذي حرص الأصفهانيّ على تحقيقه، إلاّ أنّ كتابه لم يسلم من عبث الرواة، ومكر مؤسسة الكتابة التقليدية، ومكائد الورّاقين الذين كانوا أدواتٍ طيّعةً في مؤسسة الكتابة التقليدية. فقد كان الأصفهانيّ حريصًا على تنقيح مادة الكتاب، وضبطها لتـُحقق تداولاً معرفيًّا في أوساط القرّاء الذين يحضرون بقوّة في خطاب الـمقدمة التي يحاول فيها تسويغ اضطراب إيراد الأغاني والأخبار، إذ إنها لا تخضع لإحكام منهجيّ واضح، وتسلسل تاريخيّ بيّن. فكتاب الأغاني، حسب الأصفهانيّ، كتابُ منتخبات يضم الأغاني، والأشعار، والأخبار التي يُستفادُ ويَحْسُنُ بذكرها الغناء. إنها نصوصٌ مُصطفاةٌ “… إذا تأمـّلها قارئها لم يزل مُتنقـِّلاً بها من فائدة إلى فائدة مثلها، ومتصرّفًا منها بين جِدٍّ وهزلٍ، وآثارٍ وأخبارٍ، وسِيَرٍ وأشعار مُتـّصلةٍ بأيَّام العرب المشهورة وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك في الجاهلية والخلفاء في الإسلام، يجمُلُ بالمتأدّبين معرفتُها ويحتاجُ الأحداثُ إلى دراستها، ولا يرتفعُ مَن فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها؛ إذ كانت مُنْتَخَلَةً من غُرر الأخبار، ومُنتقَاةً من عيونها، ومأخوذةً من مظانّها، ومنقولةً عن أهل الخبرة بها”. ليس هذا فحسب بل إنّ الأصفهانيّ واعٍ بتنوع الأجناس الأدبية في كتابه، فلهذا التنوع تعليل منهجيّ إذ يرى الأصفانيّ أنّ عقد الكتاب على جنس أدبيّ واحد يُضفي عليه قدرًا كبيرًا من الجمود الذي يُعطـِّلُ القراءة الفاعلة، ويُضيـِّقُ مساحة التأويل. كما أنّ المنتخبات التي أوردها الأصفهانيّ تُبيِّنُ ثراء الكتاب المعرفيّ فلو أنّ الأصفهانيّ اكتفى بالأغاني، ولم يُورد الأشعار، والأخبار لـَ” نُسبَ الكتاب إلى قصورٍ عن مدى غيره. وكذلك تجري أخبارُ الشعراء.

فلو أتينا بما غُنِّي به من شعر شاعر منهم ولم نتجاوزه حتى نفرغَ منه، لجرى هذا المجرى، وكانت للنفس عنه نبوةٌ، وللقلب منه مَلـَةٌ، وفي طباع البشر محبّةٌ للانتقال من شيء إلى شيء، والاستراحةُ من معهود إلى مُستجدٍّ. وكلُّ مُنْتَقَلٍ إليه أشهى إلى النفس من الـمُنتقَلِ عنه، والـمُنْتَظَرُ أغلبُ على القلب من الموجود. وإذا كان هذا هكذا، فما رتّبناه أحلى وأحسنُ، ليكونَ القارىءُ له بانتقاله من خبرٍ إلى خبرٍ ، ومن قصة إلى سواها، ومن أخبارٍ قديمة إلى مُحْدَثةٍ، ومَليكٍ إلى سُوقةٍ، وجِدٍّ إلى هزْلٍ، أنشطَ لقراءته وأشهى لتصفُّح فنونه، لا سيَّما والذي ضمـَّنـَّاه إياهُ أحسنُ جنسه، وصَفُو ما أُلـِّف في بابه، ولُباب ما جُمعَ في معناه”. وبعبارة أخرى، فإنّ أبا الفرج الأصفهانيّ يدافع عن الفوضى التي تظهر في منهج الكتاب، ويرى أنّ المنهج المحتكم إلى أساس تاريخيّ ضربٌ من الانتظام الذي يُفسد جمال الأغاني والأخبار المحتاجة إلى مخطط موضوعيّ ينظمها، ووعاء فكريّ ينسقها. فالضرورات المعرفية تُبيحُ المحظورات المنهجية، إنّ ما قدّمه الأصفهانيّ من مسوغات يدلُّ دلالة جلية على نباهته وفطنته لمسألة الموقف المنهجيّ الذي ينبغي أنْ يظلّ مرنًا وقابلاً للحركة بما ينسجم وطبيعة الموضوع. لقد كان الأصفهانيّ حريصًا على تحقيق انسجام موضوعيٍّ، واتّساق بنيويٍّ في بناء الكتاب، فمن شأن هذا المخطط إضفاء مرونة كبيرة تدفع القارىء إلى الاندغام المطلق بالكتاب موضوعًا، وتأويلاً، وهو هدفٌ لا يكفُّ الأصفهانيُّ عن إعلانه. وبهذا المعنى فإنه يمكن الحديث عن منهج موضوعاتيّ حاول الأصفهانيّ تأسيسه مبكرًا. يقول إحسان عباس في مقدمة التحقيق: “إنّ هذا المنهج الذي اتّسع مجاله عن فكرة بسيطة يحتاجُ إلى تنظيم دقيق وذاكرة قويَّة، تُنقذُ صاحبها من التكرار، كما تنقذه من النسيان، ولكنّ ضخامة المشروع وتشعبه الكثير، كان امتحانًا قاسيًا لأبي الفرج، فهو لم يعفه من التكرار ولم يُنقذه من النسيان”.

ويهمنا في هذا الجانب موضوع أخبار أبي نواس التي سقطت من كتاب الأغاني. فقد فُقدت أخبار أبي نواس من مخطوطات كتاب الأغاني كلـِّها، ولا يوجد في كتاب الأغاني من العناوين الدّالة على أبي نواس إلاّ ما جعله أبو الفرج الأصفهانيّ في العنوان الموسوم بـ “أخبار أبي نواس وجنان خاصّة إذ كانت أخباره قد أُفردت خاصَّة”. وقد فطن إحسان عبـّاس لهذه المسألة البالغة الأهمية وذلك برجوعه إلى ياقوت الحمويّ ( ت 626 هـ) الذي اكتشف أنّ كتاب الأغاني قد سقط منه شيء، أو يكون النسيان غلب على مؤلفه. بيد أنّ إحسان عباس لم يلاحق هذه المسألة المهمة نقاشًا، وكشفًا، وتفسيرًا، واكتفى بالقول: “وهذه عيوبٌ طفيفةٌ بالنسبة لما يحتوي عليه الكتاب من فوائد”، ويبدو أنّ إحسان عباس قد تأثر بما قاله ياقوت الحمويّ ولم يتابع بحث المسألة.

أمّا ما يمكن استئنافه في هذه المسألة المهمة التي يمكن أنْ تكون ظاهرة كبيرة لها تجليات نصّية عديدة،  فأمر يتجاوز منهج الأصفهاني إلى ما يمكن وصفه بـ”الجريمة الأدبية”، إذ إنّ أخبار أبي نواس قد أُسقطت بفعل فاعل. وهذه المسألة لا تنفصل عن تاريخ اغتيال المبدعين، وتصفيتهم معرفيًّا. دليل ذلك أنّ أخباره قد سقطت من النسخ كلها، وقد مرّ بنا أنا أبا الفرج قد مارس تشذيبًا، ومعاودة قراءة لكتابه بحضرة تلاميذه الذي كانوا يعاودون قراءته لإقرار محتوياته. وبعبارة مختلفة، فإنّ طرفًا من أطراف مؤسسة الكتابة التقليدية لم يشأ أنْ تظهر أخبار أبي نواس في كتاب الأغاني؛ كُرهًا، أو حسدًا، أو استبعادًا، وإقصاء.

             إنّ ما قاله ياقوت الحمويّ لا يمكن الركون إليه إذا ما علمنا أنّ أبا نواس كان لا يزال يحظى، وشعره، بتداول كبير حتى في القرن الرابع. وهو أمر يُخرجُ نسيان الأصفهانيّ من جملة الأسباب التي أدّت إلى إسقاط أخبار أبي نواس من كتاب الأغاني. وهناك احتمال آخر لكنّه لا يملك سندًا نصّيا هو أنْ يكون الأصفهاني قد وهم أنّه أتى على أخبار أبي نواس عندما أورد أخبار “عصبة المجان” أمثال: والبة بن الحباب، والحسين بن الضحّاك، وأبي الشمقمق، وأبي الشيص، وأبي العتاهية وغيرهم.
وفي هذا الصدد يمكن القول: إنّ كتاب الأغاني قد احتفظ لنا بأخبار مهمة لأبي نواس استطاعت أنْ تنجوَ من مكائد الرواة، وأنْ تُفلت من رقابة مؤسسة الكتابة التقليدية التي قامت باستبعاد أخبار أبي نواس الخاصة، متوهـّمة أنها قادرة على إسقاط أبي نواس وأخبار من مدوّنة مهمّة مثل مدوّنة الأغاني. لكنّ هذا المخطط المؤسساتي قد تكلل بالفشل الذريع؛ ذلك أنَّ أخبار أبي نواس تناسلت في أخبار الآخرين وتجاربهم، الأمر الذي يعني استحالة حذف أخبار من لهم صلات بأبي نواس، ومن كانوا قد عايشوه، وعاصروه. إنّ مؤسسة تقترفُ الجرائم الأدبية باغتيال المبدعين، ومصادرة أخبارهم، وتشويهها مؤسسة موتورةٌ لا يمكن الوثوق بما تقدمه من مدوّنات، ومؤلفات؛ لأنها تحمل في داخلها مفاجآت غير سارّة، وتعد بخسائر فادحة لا يمكن تلافيها إلاّ بالتأويل. وقد أحسن إلينا إحسان عباس عندما أوصى القرّاء بضرورة الاحتراس أثناء قراءة كتاب الأغاني، إذ ينبغي عليهم ” أنْ يفيدوا من الأغاني بحذر شديد، وتكرار نظر، وضرب الروايات ببعضها، ولا بُدّ أنْ يكونوا ذوي قدرة نقدية عالية، ذلك أنّ الضعف في روايات الأغاني إنما جاء من ضعف النقد لدى المصنّف المهتمّ بالاستكثار من الجمع، ولدى رواته الذين كانوا في أحسن الأحوال يظنّون أنّ قوّة السّند تعني قوّة الخبر، وصدقه”.

• أخبار أبي نواس: تاريخه، ونوادره، وشعره، ومجونه لابن منظور المصريّ (ت 711 هـ):

يكشفُ ابن منظور، في مقدمة كتابه، المسوّغات التي دفعته لكتابة أخبار أبي نواس، وهي تنحصرُ في غياب ترجمة أبي نواس وأخباره من التراجم والأخبار التي أوردها أبو الفرج الأصفهانيُّ في الأغاني. ويُعْرِبُ ابنُ منظور عن استهجانه لغياب أخبار أبي نواس وترجمته من كتاب الأغاني. يقول ابن منظور: “ولم أجد لأبي نواس ترجمة مُفردة في نسخ الأغاني التي وقفتُ عليها. وما أدري: هل أغفل أبو الفرج ذكره من كتابه، أم أُسقطت ترجمته من كتابه بعده. وليت شعري إذا أغفل أبو الفرج ذكر أبي نواس من كتابه فـمَن ذكر: على أنّ أبا الفرج ليس ممن يجهلُ قدر أبي نواس في فضله ونُبله وجِدّه وهزله، وسائر فنونه: من صدقه ومجونه، وإنه لَطِرازُ الكُتُبِ، بل علمُ أهل الأدب”.

إنّ ابن منظور يصدرُ عن إحساس عميق بالمسؤولية المعرفية التي تدفع الـمبدع إلى التسآل عن أسباب بعض الظواهر الثقافية التي تحتاج إلى تفسير وتسويغ، ثمّ معالجة الظواهر وتجليتها. والناظر في مقدمة ابن منظور يكتشف تشديده على عدّة مسائل هي:
 عدم وجود ترجمة مُفردة لأبي نواس في كتاب الأغاني.
 أنّ الترجمة ترد مقابلاً للأخبار، فترجمة أبي نواس، أي سيرته، هي أخباره.
 التساؤل عن أسباب عدم وجود ترجمة أبي نواس في كتاب الأغاني. وهي لا تخرجُ عن ثلاثة احتمالات.
‌أ. إغفال أبي الفرج ذكر أبي نواس وإثباث ترجمته وأخباره.
‌ب. إسقاط ترجمة أبي نواس وأخباره بعد وفاة أبي الفرج الأصفهانيّ صاحب الأغاني.
‌ج. أنْ يكون أبو الفرج الأصفهانيّ قد أسقط  ترجمة أبي نواس وأخباره نزولاً عند رغبة مؤسسة الكتابة التقليدية التي كانت راغبة في إقصاء أبي نواس، ومصادرة أخباره.

إنّ هذا التحليل ضربٌ من التأويل الذي يقوم على النظر في الدلالات التي بثـّها ابن منظور في فاتحة كتاب أخبار أبي نوّاس، وهي تكشف جانبـًا مُهمـّا من صناعة الكتاب في الثقافة العربية القديمة. وهنا لا بُدّ من توكيد أمر مُهمّ قد ينسرب من جملة العلاقات الدلالية التي تمّ مخضُها آنفـًا، وهي أنّ هناك نسخًا كثيرة قد راجعها أبو الفرج الأصفهانيّ بصحبة تلاميذه، وطلبة العلم والأدب، ومن ثمّ فإنّه لا يُعقل أنْ تُسقطَ أخبار أبي نواس من النسخ كلها؛ إذ يستحيل أنْ تتمكن الجهة الراغبة في إقصاء أبي نواس ومصادرة أخباره من ملاحقة نسخ الكتاب كلـِّها وحذف جزء منها، خاصة إذا ما علمنا أنّ الكتاب في الثقافة العربية القديمة كان في هجرة دائمة، ورحلة مستمرة.

ولعلّ ابن منظور قد أومأ إلى ذلك إيماءً خفيـَّا عندما استبعد مسألة الغفلة التي أثبتها ياقوت الحموي، وأيّدها إحسان عبـّاس. يقول ابن منظور: “وليت شعري إذا أغفل أبو الفرج ذكر أبي نواس من كتابه فمن ذكر؟”، إنّ صيغة الاستفهام تتضمن إنكارًا من جهة وإقرارًا من جهة أخرى؛ فابن منظور يُنكر غفلة أبي الفرج، ويُقرُّ بـمكره وكيده، ذلك أنّ أبا نواس ليس عابرًا في كلام عابر، ثمّ إنّ حضوره الثقافيّ يتجاوز أغاني أبي الفرج الذي “ليس ممن يجهل قدر أبي نواس في فضله ونُبله وجِدّه وهزله، وسائر فنونه: من صدقه ومجونه، وإنه لَطِرازُ الكتب، بل علمُ أهل الأدب”.

إنّ عمل ابن منظور يهدف إلى تحقيق غايتين؛ الأولى: استئناف كتابة ترجمة أبي نواس، وأخباره، ووضع حدٍّ لهذه الجريمة الأدبية التي كان أبو الفرج الأصفهانيّ طرفًا فيها. والثانية: إعادة الاحتفاء بأبي نواس؛ فهو طراز الكتب التي لا يكتمل بهاؤها إلى بتدوين ترجمته وإيراد أخباره، وأشعاره.
لقد نجح ابن منظور في إنقاذ سيرة أبي نواس، وأخباره، والأشعار المتضمنة فيها، بيد أنه لم يُطلعنا على مصادره في جمع المادة الأخبارية وهي قضيةٌ مهمة تحتاج إلى بحث آخر، ومعالجة جديدة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق