حفظ أرشيف الرّوح هامش على مقال عبد السلام بنعبد العالي ” من التّاريخ اٍلى الصّيرورة”

ونحن نغادر اللّيل نحو ليل جديد يخنقنا ذلك الاٍحساس بالعجز أمام سخريّة العالم وانفلاته من وهم سيطرتنا. كلّ ما خلناه مشاريع انسحب اٍلى رطانة اللّغة المهترئة وكلّ الأحلام تموت زهراتها في سجن العادة أو اللاّمبالاة. حيثما نولّ وجوهنا يهمس صوت في أقاصي ألمنا : ” لا شيء هناك ولا أحد”. صوت يحمله شعور يتنامى بأنّنا نخسر كلّ شيء وأنّ وجودنا يتحوّل اٍلى افق انتظار للاّشيء. ولكن ما الذي تغيّر هكذا فجأة حتّى يمتلكنا هذا الشّعور الطّاغي بانعدام الوجود؟ ما هو سرّ القوّة الجبّارة التي تشعرنا بأنّ كلّ شيء تحوّل نحو الأسواٍ والأقبح وتسحبنا بعنف نحو التّسليم بالاٍندحار والخسران؟ وهل تحوّل القبح اٍلى معنى كونيّ جديد ومطلق تنصاع لقدره كلّ المطلقات وتتكيّف من خلاله؟

يبدو أنّ سرّ ضياعنا وعجزنا لا يكمن في تغيّر أشياء حياتنا أو في غياب المشاريع والأنساق، فلا شيء تغيّر في الحقيقة، بقدر ما يكمن في زحزحة حدود هذه الأشياء. فالشرّ والخير والقبح والجمال والهيمنة والتحرّر والدّينيّ والدّنيويّ والحاجة والرّفاه كامنة ومتأصّلة في وجودنا ممتزجة عناصرها ولكنّ زحزحة حدودها وعجزنا عن اٍدراك تغيّر الحدود هو مصدر رعبنا. فالشرّ يعود اٍلينا في كوابيس يقظة الحياة اليوميّة في شكل مطلق متحرّرا من صرح الضّوابط الأخلاقيّة والقانونيّة التي توهّمنا لوهلة أنّها أخرجتنا من سلطانه.لقد انفلت الشرّ من عقاله ليستوطن واقعنا، كلّ الواقع، فلا قواعد حرب صمدت أمام اٍبادة المدنييّن واٍقامة مراكز تعذيب عابرة للقارات ولا حماية للواقعين تحت الاحتلال واللاّجئين وعديمي الجنسيّة. امّا عودة العبوديّة والاتّجار بالأشخاص والأعضاء البشريّة وعمالة الأطفال واستغلالهم الجنسيّ ووأد النّساء والمختلفين والمهمّشين فهي تمرّ أمامنا ولا تحدث أثرا يذكر. لم يعد الانتباه الأخلاقيّ أمام نوازع الشرّ وممارساته عاملا لبناء فكر نقديّ وممارسة تساعد على حماية ما هو انسانيّ فينا. لذلك يتحوّل العنف اٍلى مجال مطلق لاٍدارة العلاقات بين الذّوات والمجموعات ويصبح الخير مجرّد لحظة بلهاء في مملكة الشرّ.

أمّا القبح فقد فقد في وعينا علاقته الملتبسة بالجمال. لم يعد ذلك التّردّد المبدع بين المفهومين والرّحلة بين-بين، مجالا يغذّي الذّاكرة ويصنع تجارب الجمال من خلال الصّراع الحميم مع القبيح. لقد تحوّل القبيح اٍلى قرابتنا الوحيدة للجمال، بل تحوّل القبيح اٍلى الجمال ذاته. يكفي أن نطلّ على سجون القمع والكبت والاستهلاك التي تقبع فيها أشلاء لغتنا وأن نصغي اٍلى أصوات الحقد والتّعصّب التي تملأ فضاءاتنا، والتي زحزحت الحدود لتصبح المعبّر الوحيد عن هويّاتنا، لنفهم حجم الفجيعة. يكفي أن نشاهد تدميرنا المنهجيّ لمدننا وأريافنا، التي أصبحت مساحات للذّي لا يطاق انسانيّا، ليمتلكنا اٍحساس بأنّ الجمال قد هجرنا.

لقد حلمنا بتحدّي سلطة الهيمنة واٍبداع أنساق للتّحرّر بمصارعة الواحد المستبدّ مطلقا كان أو فردا أو حزبا أو أجهزة محتكرة للمعرفة وحلمنا بالمشاركة في صنع القرار. ولكنّ الواحد كان قادرا أبدا على تجديد سلطة رقابته على رغبات التّحرّر واحتوائها بالإكراه والاٍغراء. ولم تقدر رغبة التّحرّر على زحزحة الحدود بل تحوّلت بدورها أحيانا اٍلى سلطة منتجة لحدود جديدة توزّع صكوك الغفران على الذّوات. فهي التي تقرّر في عليائها من هو المناضل وغير المناضل وتفرض رؤيتها للسّياسيّ ونطاق ممارسته. وبدل مصارعة المؤسّسات وهيمنتها أنتج بعض المنادين بالتّحرّر مؤسّسات لا يمكن للمبدعين وذوي المشاريع اختراقها واقتراح رؤيتهم الخاصّة للتّغيير أو العمل في اٍطارها.
لقد فقدنا الحدود حين التبست العلاقة بين سلطات الهيمنة. فالهيمنة الآن مبثوثة في كلّ تفاصيل الحياة والسّياسيّ انفلت من العلاقة التّقليديّة بين الحاكم والمحكوم ليصبح الكلّ محكوما. أو لنقل إنّ الحاكم محكوم والمحكوم لا قدرة له على تمثّل أسرارالحكم. لقد دخلنا عصرا “جديدا” بدأت تهجره مفاهيم حقوق الاٍنسان والدّيمقراطيّة والمواطنة التي كانت تقترح حدودا معرفيّة للسّياسيّ وأنساقه المختلفة عن الواحد المطلق. أٍنّه عود على بداٍ يعيدنا اٍلى ذاكرة ما قبل الحداثة. وكم هي مرعبة رغبة الاٍنسانيّة في العودة اٍلى ذاكرة نسيانها ورعبها المتأصّل فيها.

اٍنّ الحرمان من السّياسيّ الذي غادر فضاءاته المعلومة لينفلت في/ومن كلّ تفاصيل الحياة هو الذي يغذّي الرّغبة في المقدّس. فالسّياسيّ هو لغة اقتراح في الأساس وهو السّبيل للاقتراب من المقدّس واٍذابته في لغة الحياة وسلطانها وجعله جزءا من عمليّة ثقافيّة وحضاريّة كبرى للحوار مع ثقل المرجعيّات المتحجّرة. لم تكن الحدود المرسومة بين الدّنيويّ والدّينيّ، التي تتغيّر دائما وأبدا في فضاءات الاّبداع الفكريّ والسّياسيّ والجماليّ وممارسات المجتمعات في حياتها اليوميّة واجتهادات الرّوح، هي الاٍشكال. اٍنّ زحزحة هذه الحدود بشكل يميت الاٍبداع ويقبر الدّنيويّ ويعلي هيمنة الاستهلاك الهستيريّ لشتات من الطّقوس والخطابات والفتاوى هو الذي يفتح مجالات ألم لا يطاق. ألم “القابضين” بمتعة مرعبة على تصوّرات دينيّة لم تقدر أبدا على التّسلّل اٍلى الحياة وبناء أنساق للتّغيير والعدالة، وألم الباحثين عن علمانيّة تتهاوى أحلامها تحت ضربات الانغلاق الشّديدة وتهميش أصواتهم أمام المطلق الدّينيّ وعجزهم عن تعريف حدود العلمانيّة : فهل هي احتواء للدّينيّ في مسارات الدّنيويّ أم هي بلورة لأنساق مغايرة تماما لكلّ ما هو دينيّ؟ اٍنّها المساواة التي نجحت فيها مجتمعاتنا : المساواة في صمت الألم.

يقول الرّوائيّ الاٍيطاليّ سيزار بافيزي في احدى رسائله: ” اٍنّنا نفقد شبابنا عندما نعجز عن قول ألمنا”. لقد بدأت الانسانيّة تفقد شبابها في عمى المشهد الاستهلاكيّ وآلته المدمّرة للجمال والفكر والسّياسة والتّواصل. لقد تزحزحت الحدود بين قيمتي الحاجة والرّفاه بشكل غير مسبوق. فأصبحت تلبية الحاجة بالاستهلاك والثّراء البضائعيّ غاية في حدّ ذاتها ووقع اٍفراغ الجمال والمعرفة والفكر ورغبات التّحرّر من لا غائيّتها التي كانت تسمح باٍبداع “حركات التّسلّل في الفجوات” ،حسب التّعبير الأساسيّ لبنعبد العالي (من التاريخ إلى الصيرورة)، لتتحوّل اٍلى لحظات قابلة للاحتواء واٍعادة الانتاج الاستهلاكيّ. اٍنّ ما يجري في اٍطار العلاقة بالعولمة هو وعود كبيرة بالرّفاه من ناحية وفقر روحيّ وماديّ وأخلاقيّ مرعب من ناحية أخرى. فبحث عديد النظّريّات الفلسفيّة والقانونيّة والسّياسيّة عن صيرورة المرور من منطق الحاجة وعبوديّتها اّلى منطق الحقّ المحرّر، هو الآن في مرحلة أزمة حقيقيّة أمام الهشاشة التي يفرضها الاستهلاك ويعيد بها ترتيب المجتمعات بشكل متوحّش. وبدل السّعي اّلى تحديد هيمنة الحاجة بالمطالبة بتقنين الحقوق في الفضاء الاجتماعيّ و العدالة الاجتماعيّة، عادت النّعرات القوميّة والطّائفيّة وعاد الانكفاء على الهويّات والعنف المنفلت من عقال السّياسيّ كأشكال أساسيّة للمقاومة واٍثبات الذّات.

لقد لمس عبد السّلام بنعبد العالي لحظة نقديّة أساسيّة من رؤيتنا للأشياء عندما تحدّث عن “الاٍقامة في الحدث كما لو كان صيرورة” في مجتمعات أقامت ولا تزال تقيم في وهم “الحركات الكبرى” للتّاريخ والأنساق العظمى: القائد الملهم والحزب/الأمّة والبروليتاريا العفيفة والثّورة الرّومانسيّة والاٍسلام هو الحلّ والثّوريّ المناضل والدّاعية الملهم وغيرها من الشّعارات أو الأفكار المعبودة.

ولكن على هوامش هذه الأشياء الكبرى تربّت أجيال من الحالمين والهامسين بلغات مرتبكة أحدث بعضها فجوات حقيقيّة في صرح مجتمعات لم تستطع اٍقامة الحداد على خسرانها. هذه الأجيال الملتاعة اليوم من الحرمان من فضاءات الاٍبداع هي التي جرّبت في لحظات وجيزة الرّفقة في التّواصل وجنون الأحلام والأوهام والحلم بالعدالة وبناء مسارات “المثل”. ولكنّها من حيث لا تعلم وباٍرادتها أحيانا داهمها ليل جديد منع عنها الرّؤية وخلق هذا الشّعور الطّاغي بالخسارة.
“الصّيرورة حركة تسلّل بين الفجوات” يقول بن عبدالعالي في لحظة نقديّة أساسيّة أخرى. هذا التّسلّل حسب رايي يحتاج اّلى استراتيجيّات مبدعة في زمن نعيش فيه عمى استراتيجيّا يحجب عنّا رؤية الواقع والتّسلّل اٍليه. بل أنّنا عشنا لحظات ألم كبرى انتزعت فيها الحركات الفردانيّة التي حاولت الاٍبداع في واقعها وحوربت حركات التّحرّر الفرديّ من سلطات الهيمنة والمجتمع.

اٍنّنا في حاجة أكثر من أيّ وقت مضى اٍلى استراتيجيّات للعودة اٍلى الواقع في تعدّده واٍلى اٍعادة تفكير في معاني الحدود. استراتيجيّات تفتح ذاكرة تجارب التّحرّر وأرشيف الأرواح التّائهة والمعذّبة التي تحوم في ليلنا. أرواح فرادات حاولت أن تتسلّل اٍلى صمتنا بأصوات الجمال والفكر والابداع في اليوميّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق