مرور 24 سنة على وفاة ميشال فوكو (2) جوابا عن سؤال: ترجمةعبد السلام بنعبد العالي

…أنت تنعت فكري بأنّه فكر “يؤكد على الانفصال”. بالفعل، إنّ الانفصال، سواء عند المؤرخين أو عند اللسانيين، مفهوم لا يمكننا اليوم أن ننتقص من أهميته. غير أنّ استعمالك للّفظ بصيغة المفرد لا يبدو لي مناسبا بما فيه الكفاية. فأنا تعدّدي أيضا هنا مثلما في مجالات أخرى. إنّ القضية التي تعنيني هي: كيف نضع موضع الصّورة المجرّدة العامّة والرتيبة لـ “التغيّر”، تلك الصّورة التي نقبل أن نفهم من خلالها التوالي، كيف نضع تحليلا للنماذج المختلفة للتحوّل. وهذا يستلزم أمرين : أن نستبعد جميع الأشكال العتيقة للاتّصال التي نتمكّن عن طريقها عادة من أن نخفّف من حدّة واقعة التغيّر ( وهذه الأشكال هي التراث والتأثيرات، وعوائد التفكير، والصور الذهنية الكبرى، وإكراهات الفكر البشريّ)، وفي مقابل ذلك، أن نعمل بعناد، على إبراز الاختلاف بكل حيويته، وعلى إثبات الشروخ والفجوات بكل عناية.  وفيما بعد، علينا  أن نستبعد جميع التفسيرات السيكلوجية للتغيّر ( نحو القول بعبقرية عظماء المكتشفين، وأزمات الضمير، وظهور صيغة جديدة للفكر)، ونحدّد بكل عناية التحوّلات التي لا أقول تسبّبت في، وإنّما شكّلت التغيّر وكونته. مجمل القول علينا أن نضع موضع الصيرورة ( الصورة العامة، العنصر المجرد، العلة الأولى والمسببات الكلية، الخلط الغامض بين المتطابق والمستحدث) علينا أن نضع تحليلا للتحولات في نوعيتها :

1-    أن نرصد داخل تشكيلة خطابية معينة، التغيرات التي تلحق الموضوعات والعمليات و المفهومات والاختيارات النظرية…هذه الأنواع المختلفة من التغير تشكل جميعها مختلف التفرعات التي تميز تشكيلة خطابية معينة.

2-    ثم نرصد التغيرات التي تلحق التشكيلات الخطابية نفسها:
           – انتقال الخطوط التي تحدد مجال الموضوعات الممكنة ( لم يعد الموضوع الطبي عند بداية القرن التاسع عشر يؤخذ من بين مصفوفة تصنيف، وإنما أصبح  ينتبه اليه داخل فضاء الجسد ثلاثي الأبعاد).
          – وضع جديد ودور جديد للذات المتكلمة داخل الخطاب( كون الذات في خطاب دارسي الطبيعة خلال القرن الثامن عشر أصبحت فقط ذاتا ناظرة من خلال شبكة، مسجّلة وفق شفرة محددة، ولم تعد ذاتا  مصغية مفسرة منقبة).
          – وظيفة جديدة للغة بالنسبة للموضوعات ( انطلاقا من تورنفور لم يعد خطاب دارسي الطبيعة يأخذ على عاتقه التوغل في الأشياء و التمكن من بلوغ اللغة التي تغلفها في سرية تامة لإبرازها لواضحة النهار، وإنما رسم مساحة للتسجيل يمكنها أن تترجم بكيفية موحدة الشكل والعدد والمقدار و توزيع العناصر).
          – شكل جديد لضبط الخطاب و تداوله في المجتمع (لا يصاغ خطاب الطب العيادي في الأمكنة نفسها، ولا يتّبع طرق التسجيل ذاتها، ولا أساليب التراكم  والاحتفاظ  والاحتجاج نفسها التي اتبعها الخطاب الطبي خلال القرن الثامن عشر).
           كل هذه التغيرات التي هي من نوع يفوق التغيرات السابقة تحدد التحولات التي تلحق الفضاءات الخطابية نفسها، وأعني القفزات الكبرى.

3-    وأخيرا، النوع الثالث من التغيرات هو ذلك الذي يلحق عدة تشكيلات خطابية في الوقت ذاته :
–    انقلابات في السلم التراتبي (لعب التحليل اللغوي في العصر الكلاسيكي دور الرائد إلا أنه تخلى عن هذا الدور خلال السنوات الأولى من القرن التاسع عشر لصالح البيولوجيا).
–    تحوّل في طبيعة الريادة (كان النحو الكلاسيكي، من حيث هو نظرية عامة للدلائل والعلامات، كان يضمن في مجالات أخرى نقل أداة للتحليل، وفي القرن التاسع عشر حققت البيولوجيا النقل المجازي لعدد من المفهومات:المنظومات العضوية ← التنظيم، الوظيفة ← الوظيفة الاجتماعية، الحياة ← حياة الكلمات أو اللغات).
–    انتقالات وظيفية : نظرية ترابط الكائنات و اتصالها، هذه النظرية التي كانت تنتمي للخطاب الفلسفي خلال القرن الثامن عشر، أصبحت، خلال القرن التاسع عشر تحسب على الخطاب العلمي.
كل هذه التحولات التي هي  من نوع يفوق النوعين الآخرين تميز التغيرات الخاصة بالابيستيميه ذاته. إنها إعادة توزيعات وترتيبات.
   
هذه مجموعة من التعديلات المتنوعة التي يمكننا أن نلحظها بشأن الخطابات. ولعلكم تتبيّنون لماذا أفضل القول إنني لم أؤكّد على الانفصال بصيغة المفرد، وإنما على  الانفصالات بصيغة الجمع (أي على مختلف التحولات التي بإمكاننا الوقوف عليها فيما يخص حالتين للخطاب). لكن ليس يهمّني الآن إقامة نوع من النمذجة المستوفية لهذه التحولات.

1-    ما يهمّني هو أن يعني لنا المفهوم الرتيب والفارغ لـ”التغير” سلسلة من التعديلات الخاصة. فعلى تاريخ “الأفكار”، وتاريخ “العلوم” ألا يظلا تنقيبا عن الاكتشافات والتجديدات، وإنما أن يغدوا تحليلا وصفيا لمختلف التحوّلات الفعلية.

2-    ما يهمّني هو ألّا نمزج هذا التحليل بفحص سيكلوجيّ. أمر مشروع التساؤل عما إذا كان ذلك الذي تجسد أعماله هذه المجموعة من التعديلات، عبقريا وما ذا كانت تجاربه في سنه المبكرة، ولكنه أمر آخر مخالف تمام الاختلاف، وصف حقل الإمكانات، وشكل العمليات، وأنواع التحولات التي تميز ممارسته الخطابية.

3-    ما يهمني هو أن أبين أنه ليس هناك من جهة خطابات جامدة كادت تفنى وتموت، ومن جهة أخرى ذات فاعلة تتمتع بقدرة جبارة تعمل في تلك الخطابات وتهزها فتجددها، وإنما أن الذوات التي تستخدم تلك الخطابات هي جزء لا يتجزأ من الحقل الخطابي، لها مكانتها داخله ( وإمكانياتها في الانتقال)، ووظيفتها ( وإمكانياتها في التحول الوظيفي). ليس الخطاب مجال انبثاق الذاتية الخالصة، انه فضاء تتخذ فيه الذوات مواقع وتقوم بوظائف متباينة متفاضلة.

4-    ما يهمني على الخصوص هو أن أحدد من بين كل هذه التحولات حركة توقفها بعضها على بعض وترابطها فيما بينها.
–    داخل الخطابات (بين موضوعات تشكيلة خطابية، وبين عملياتها ومفهوماتها).
–    بين الخطابات ( بين التشكيلات الخطابية المختلفة: كالترابط الذي درسته في الكلمات والأشياء بين التاريخ الطبيعي والاقتصاد والنحو ونظرية التمثل)،
–    خارج الخطابات ( بين التحولات الخطابية وغيرها مما يتولد خارج الخطاب: شأن االترابطات المدروسة في تاريخ الجنون وميلاد العيادة بين الخطاب الطبي ومجموعة من التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية).

هذه السلسلة من التوقفات والترابطات هي ما أود أن أستبدل به الانتظام المبسط للترابط السّببي. فعندما نرفع عن العلة الحظوة التي تمتعت بها فإننا سنبرز الشبكة متعددة الأشكال للترابطات والتوقفات.
ها أنتم ترون أنّ الأمر لا يتعلق على الإطلاق بإحلال مقولة “الانفصال” محل مقولة أخرى لا تقل عنها تجريدا وعمومية هي “الاتصال”. إنني أسعى، على العكس من ذلك، أن أبين أن الانفصال ليس بين الأحداث فراغا رتيبا لا يمكن إخضاعه للفكر، وسرعان ما ينبغي ملؤه عن طريق امتلاء العلة أو خفة الفكر، وإنما انه سلسلة من التحولات النوعية المختلفة فيما بينها( لكل منها شروطه وقواعده ومستواه) والمترابطة حسب صيغ من التوقفات. وما التاريخ إلا التحليل الوصفي لهذه التحولات، هو نظرية هذه التحولات.

عن مجلة “فكر” :       Esprit
ماي 1969، عدد 371

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This