عن الهجرة والتعدّد الثقافيّ والحجاب الإسلاميّ- ترجمه عن الإسبانية: أحمد يماني

ينبغي أن تنطلق المناقشات حول التعدّد الثقافيّ من أمر يبدو لي مسلّما به.وكونه معلوما لا يعني أنّه لا طائل من ذكره: فشئنا أم أبينا ستصبح مجتمعاتنا الغربية متعدّدة ثقافيا أكثر فأكثر. من المستحيل تكوين نموذج حضاريّ منظم على قاعدة رخاء نسبية لثلث البشرية محاط بثلثين يفتقران بدرجات متفاوتة إلى كلّ ما هو ضروري لتلبية حاجاتهم الأساسية دون أن ينتج عن ذلك مدّ متواصل من المجموعة الثانية إلى الأولي. كما أنّه من المستحيل كذلك الطموح إلى أن يحلّ هذا المدّ عن طريق تبنّي، دون صدام، النموذج الثقافيّ للمجموعة المستقبلة. افتراض أنه مع إجراءات قانونية وبوليسية يمكن وقف هذا التيار أو ضبطه وفقا لأمانينا يبدو غير معقول كالوقوف في وجه عمليات التوازن الثابت homeostático في البيولوجيا أو إنكار دور الهجرة في التاريخ البشري. هذا لا يعني، بالتأكيد، المشاركة في خطاب التعدّد الثقافيّ الذي يقدّس دون تمييز ممارسات أية ثقافة حتى ولو كانت تغتصب الحقوق الإنسانية الأساسية.

لو أنّ الأمر هكذا، فقليلة هي الأشياء التي تبدو عاجلة أكثر من تحضيرنا من أجل المشكلات غير المحصورة التي يطرحها هذا الفعل في الغرب والتي سوف يطرحها في المستقبل. إن الرفض لكراهية الأجانب xenofobia يجب ألاّ يقوم على رومانسية غير نقدية يستلذ بها في السحر الجمالي والفولكلوري لمجتمع متعدد الألوان: الهجرة الضخمة تشكل “مشكلة” للمجتمعات المتقدمة، وهذا بالتأكيد لا يفرض أية دلالة سلبية ملتبسة. حسب الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية فإنّ كلمة مشكلة هي “مسألة يتعلق الأمر بتوضيحها” ومن الملائم أن نبدأ بالفعل في توضيحها، لأنه من المعروف أن التاريخ ينطلق بطريقة يكون من الصعب تتبعها.

من وجهة النظر هذه، شديدة التبسيطية، فإنّ الرد على التعدد الثقافي الذي يبارك دون نقد أية إيماءة لهوية ثقافية يبدو كمثل اندماجية المركزية الأوروبية التي تنوي تحويل المهاجرين إلى نماذج غربية.

أحد الأسئلة التي تطرحها الهجرة يمكن صياغته على النحو التالي: بأيّ حقّ، هذا إذا كان هناك ثمّة حقّ، نطالب مواطنين قادمين من ثقافات مختلفة بقبول ثقافتنا وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان؟

كأيّ قانون أخلاقيّ حقوقيّ، فإنّ حقوق الإنسان ولدت في تراث ثقافيّ بعينه وفي تاريخ قريب العهد نسبيا:بدأت تتشكّل حقوق الإنسان، كما هي عليه اليوم وبغضّ النظر عن سوابق بعيدة، في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي قدمته الثورة الفرنسية وتحدّدت مع إعلان الأمم المتحدة عام 1948 وتعزّزت بعد ذلك بعدّة معاهدات. واقع أنّ هذا الإعلان تمّت الموافقة عليه من جانب الكثير من الدول غير الغربية لا يمكن أن ينسينا أن شكله ومضمونه، وليس كثيرا مراعاته، إنما يتفقان مع التقاليد السامية لأوروبا الحديثة. ألا يتضح من ذلك أن توصيف الكونية مغرور بعض الشيء وهذا كي لا نقول إمبريالي؟ في الواقع هناك الملايين من الأشخاص الذين يطرحون اليوم للنقاش، بشكل ظاهر، الكثير من هذه الحقوق كحرية العقيدة والمساواة في الحقوق بين الجنسين.

{{المجتمعانية}}

طرح هذه الكونية على بساط البحث لا ينبثق فقط من ثقافات مختلفة عن ثقافتنا. في حقبة الثمانينات ظهر في المشهد الثقافي الغربي من يسمون بالمجتمعانيين comunitaristas، تتمثل أطروحاتهم، بشكل تبسيطي لا يمكن تحاشيه، في قول الآتي: إنّ مؤسسات ومعايير ثقافة ما يجب أن تتم محاكمتها فقط من خلال وجهة نظر هذه الثقافة.ثمة معنى فقط للحقوق والواجبات داخل مجتمع بعينه، ينظم العلاقات بين الأفراد طبقا لشكل حياة هذه الجماعة، وبالتالي لا يمكن تصديرها إلى أشكال حياتية مختلفة. وعلى هذا فلا بدّ من التخلّي عن أيّ معيار كونيّ يحاول محاكمة تفوّق أو تراجع مجتمعات غير متجانسة فيما بينها.

علينا الاعتراف بجاذبية هذا الخطاب. إذا كانت ثقافتنا ما بعد الحداثية قد تخلّت عن أيّة مرجعيّة دينية أو ميتافيزيقية ذات طابع متعال، فكيف يمكنها أن تؤسّس لمعيار يحاول أن يحظى بمشروعية كونية ولهذا يدعي الحقّ في أن يحاكم بشكل أخلاقي قواعد أخلاقية مولودة في تقاليد ثقافية أخرى؟ بالتأكيد، يقول المجتمعانيون، في هيمنة الغرب التقليدية والذي يحاول أن يستحيل إلى مثال كوني دون الالتفات إلى بؤسه الذاتي، وفي هذا، بالمناسبة، لا يمضون ضالين.

المجتمعانية مع ذلك لديها نقطة ضعف ذات مغزى كبير، تتمثل في التباين مع الحسّ العام، أو إذا أردتم مصطلحات أكثر أكاديمية، التناقض الذي يفرض نفسه بين الاستخدام النظريّ والاستخدام التطبيقيّ للعقل. لو حملنا المنطق المجتمعاني إلى المحكّ سنجد، مثلا، أنّ ممارسات ثقافية بعينها لبعض الثقافات، كالعادة القديمة الهندية التي يتم فيها حرق الأرملة حيّة بجانب جثة زوجها، إذا بدت مدانة في ثقافتنا فإنّها تتمتّع بكامل الشرعية الأخلاقية داخل الثقافة التي تمارسها، بشكل لا يمكن معه إيجاد أسباب لإدانتها. للحس العام الأخلاقي الحق في التمرّد على هذه النتائج: مهما قيل ويقال، إنّ ثقافة تقبل بمثل هذه الممارسات لهي، وأعني أخلاقيا -وفقط فيما يخص هذه العادات- أدني من المجتمعات التي تطالب بالمساواة بين الجنسين في الحقوق. وإذا اشتمت من هذا التأكيد رائحة مركزية أوروبية أو ميتافيزيقية، وذلك أسوأ: فليس لهذا السبب لا يظل حقيقيا.

أعتقد أنّ البحث عن تبرير منطقيّ لهذا اليقين سيكون عبثيا ما لم يكن هذا “الحسّ الأخلاقيّ العامّ” الذي نتشارك فيه جميعا – جميعنا تقريبا- نحن الكائنات البشرية. الأخلاق لا يمكنها أن تبرهن على نفسها بالطريقة ذاتها التي لا يمكن فيها البرهنة على التجربة الجمالية. لو سلّمنا بأنّ الكائن البشريّ يتمتّع بحقوق لمجرد كونه كائنا بشريا، وليس مجرد أداة بل غاية في حدّ ذاتها تستحق الاحترام -كما قال كانت منذ زمن- هذا التأكيد يحمل معه بسط هذه الحقوق لكل الكائنات البشرية، حيث إنّ حقوقا كهذه لا تصدر عن أية خصوصية إمبريقية أو ثقافية بل لمجرد الانتماء إلى جنسنا البشري. وإذا كانت هناك رغبة في البحث عن برهان، رغم كل هذا، فيجب البحث عنه في أن الكائنات البشرية هي الوحيدة القادرة على المطالبة بطبيعتها كغاية في ذاتها وعلى مقاومة الأداتية.

ومع ذلك فإن المجتمعانية لديها حججها. وربما كان علينا أن نبحث عن الحجة الأكثر احتراما في نمط الكونية الذي حاولت ثقافتنا الغربية أن تفرضه. لأنّ هناك نمطين من الكونية: واحد منهما، الأكثر تواترا فيما بيننا، يتمثل في التماس نموذج منبثق من الثقافة نفسها وفرضه كمثال كوني. كل الأشكال الكولونيالية تسعى إلى شرعية مدعمة بمفهوم كوني من هذا النوع، من إبادة الهنود الحمر إلى السياسات الاستعمارية الجديدة في القرن التاسع عشر.

النمط الأخير من الكونية يتضمن الاعتراف بالاختلاف. الكوني هنا لا ينبثق من فرض لنموذج بل من البحث عن عناصر مشتركة في الشعوب المختلفة. بالفعل فإنّ بذرة هذه الحقوق حاضرة في كل الثقافات حتى في تلك الأكثر بدائية، وإن كانت متقلصة في إدراكها وامتدادها ومحصورة في أفراد بعينهم أو في مجموعات، معروف مداها بشكل تعسفي. بحيث إنّ التماس كونية هذه الحقوق لا يتمثل في فرض إطار ثقافي مختلف جذريا بل في تطوير تلك البذور الموجودة بالفعل في تلك المجتمعات، حتى لو دخل هذا التطوير في نزاع مع الثقافة “الرسمية”. لا يجب نسيان أنه ليست هناك ثقافة متجانسة ولا خلط التقاليد الثقافية بالأداتية والتي منها يتم تشكيل المجموعات المهيمنة. إن الفتيات اللواتي يقاومن الختان والإجبار على الزواج يشكلن جزءا من المجتمع وحقوقهن أكثر شرعية من مدعي الفضائل.

للأسف وبشكل متواتر فإنّ الدفاع الغربي عن حقوق الإنسان قد خلط ما بين النزعة الكونية وبين المركزية العرقية، مستخدما الكونية كوسيلة نقل لمصالحه الخاصّة. وهذا ليس بغريب فالوضع البشري، منذ أول أشكال الحضارة، لم يثق أبدا في المختلف. كل ثقافة تميل إلى الاعتقاد أن شكل الحياة الذي تمثله هو المثال بالنسبة للبشرية، مستبقية للأشكال الثقافية الأخرى، في أفضل الأحوال تنازلا متسامحا أما في أسوأها فعدوانية معلنة.

احترام الاختلاف يتضمن سلوكا أكثر من طبيعي، كما كان يمكن أن يقول أورتيجا إي جاسيت، يهدم حدود العرق ذاته كي يعترف بالآخرية، أي تجاوز ميلنا العفوي إلى الشك بالمختلف.

{{الحجاب الإسلامي}}

واحد من الأمثلة قريبة العهد لهذا الخلط يمكن أن نجده في المناقشات التي أثارها ما يسمى بـ “قانون الحجاب” الفرنسي والتي بدأت تمتد إلى إسبانيا. إن رفض أبوي الطفلة المسلمة ذهاب ابنتهما إلى المدرسة دون الحجاب أثار موجة من الآراء، الكثير منها سلم بمنع الحجاب الإسلاميّ في المدارس باسم الضرورة العلمانية للمدارس العامة.

ربما تكون الإجابة الأكثر لمعانا على المشكلة المطروحة قد أعلنتها منذ سنوات طفلة مسلمة خلال المناقشات التي تمت في فرنسا “على المدرسة أن تكون علمانية وليس الطلاب”. يدخل هنا في صراع، مفهومان مختلفان للمساواة، على علاقة بشكل ضيق بأشكال الكونية التي تناولناها سابقا. واحد منها، ذو جذور أفلاطونية، يقوم على تحويل كل الكائنات البشرية إلى نموذج عمومي، بالشكل الذي تكون فيه خصوصيتهم متقلصة أو على الأقل مخفية. هذا النموذج، بشكل عرضي، يعتاد التماهي مع نموذج الثقافة المهيمنة: بالغة” المساواة”، من خلال وجهة النظر هذه، يكون منع الحجاب الإسلامي في المدارس مثل فرضه في كثير من البلدان الإسلامية.

الطريقة الأخرى لفهم المساواة تكمن في اعتبارها ليست معاينة إمبريقية بل الاعتراف بالمساواة في الحقوق التي يجب أن يتمتع بها أولئك الذين هم مختلفون فيما بينهم. كما قال أجنيس هيلر، المساواة لا تقوم على الاعتراف بفعل ما (غير موجود بالمناسبة) بل في تطبيق معيار ما يؤكد على قيمة متماثلة واحترام لجميع الكائنات البشرية بعيدا عن لونهم وديانتهم وجنسهم وأية خاصية تميزهم عن الآخرين.

هذا الاحترام يمتد بشكل كوني لكنه لا يلزم أن تكون كل الثقافات والنظريات والعقائد متساوية في درجة الاحترام. لا يمكن الخلط بين معتنق عقيدة ما وبين العقيدة نفسها. لو أن كل الكائنات البشرية تستحق الاحترام فإن الأمر ذاته لا يحدث مع عقائدهم وبدرجة أقل بكثير مع ممارساتهم. أين يوجد الحد الفاصل بين أولئك الذين يستحقون الاحترام وبين الذين لا يستحقونه؟ أعتقد بوجوده فيما نسميه “حقوق الإنسان”، رغما عن اللبس في هذا التعبير. ستحظى بالاحترام تلك النظريات أو الممارسات التي لن تعرض للخطر خاصية “غاية في ذاته” لكل شخص، والتي لا تعامل الكائنات البشرية كمجرد أدوات لإرادات تخص آخرين مانعة عنها التقرير الحر، كما ذكرنا آنفا.

هذا يستوجب التمييز بعناية بين تلك الممارسات التي تتعدى على الحقوق الفردية وتلك التي تشكل اختلافا مركزيا من خلال وجهة نظر إطارنا الثقافي، حتى لو كانت هناك أسباب للشك في براءتها. أين نضع إذن استخدام الحجاب؟ الكثيرون ممن يدافعون عن منع الحجاب في المدارس يعتمدون على أن المدرسة العلمانية عليها أن تمنع أي استعراض لأي رمز ديني وخصوصا تلك الرموز التي تتضمن اضطهادا للمرأة. من خلال هذه الرؤية يصبح الحجاب بمثابة قاعة الانتظار لاستغلالات أكثر خطورة مثل الإجبار على الزواج أو حرمان النساء من الدراسة وحتى استئصال البظر.

ومع ذلك فإن الحجاب الإسلامي لا يؤلف في ذاته تعديا على كرامة المرأة، وإن كان استخدامه على علاقة بتقليد ديني وثقافي يقوم بهذا التعدّي. بالفعل هناك بين النساء الأوروبيات مناديل شبيهة تستخدم في سياقات تفتقر إلى أية دلالة دينية، لأسباب جمالية أو ثقافية. يكفي المرور بالقرى الفلاحية الإسبانية لاكتشاف قطع قماش شبيهة فوق الكثير من الرؤوس. منعه، إذن، لا يرتكز على المنديل نفسه بل على النية المفترضة التي تجعل المرأة تستعمله. وهذه النية ليست دائما نفسها. لو أنّ أحدا قام بعمل استطلاع آراء للنسوة المسلمات حول الموضوع لوجد على الأقل الأنساق الثلاثة تلك. بينما بالنسبة للكثيرات منهن فإنّ الحجاب يتضمّن قبولهن بالدور الخاضع الذي تمليه عليهن ثقافتهن، وبالنسبة لأخريات فإنه لا يتعدّى كونه لباسا تقليديا للمحيط الذي نشأن فيه، بالطريقة التي تجعل استخدامه على علاقة أكثر بالخجل منه كمبدأ دينيّ. بالنسبة لكثيرات من البلدان الإسلامية فإنّ نزع الحجاب يمثل دلالة شبيهة بتعرية الصّدر بالنسبة للنساء الغربيات. وكذلك في حالات أخرى يستعمل الحجاب بشكل واع، عن حقّ أو باطل، كعلامة لإعادة تأكيد إيديولوجيّ ضدّ الكولونيالية الثقافية، دون أيّة إشارة دينية. على أيّة حال ليس من مهامّ المشرّع أن يحاكم على أساس تلك النيات أو غيرها.

بالتأكيد فإنّ ذلك التسامح لا يمكن أن يمتدّ إلى الممارسات التي تتضمّن في ذاتها تعدّيا على حقوق الإنسان: مثلا الزواج المفروض وتحريم الدراسة أو العمل واستئصال البظر يفترض إنكار حقوق للمرأة معترف بها عالميا، يمنعها من القدرة على اتخاذ القرار وتقرير حياتها الخاصة العملية أو الجنسية. فقط نسبية ثقافية على طريقة المجتمعانيين الذين أشرنا إليهم سابقا يمكن أن تقبل بهذه الممارسات. وأعتقد أنه بين هذه العادات المعيقة يمكن تضمين البرقع وأي لباس شبيه. لأنه على خلاف الحجاب فإنّ الإقصاء الذي يفرضه هذا اللباس يشكل سدا موضوعيا -وليس مجرد رمزيّ- يتداخل بشكل جدّي في العلاقات الاجتماعية. سيكون مستحيلا وجود تعليم متساو في مدرسة تخفي بعض طالباتها وجوههن بشكل دائم.

{{العلمانية}}

أكرّر كلمات الطفلة المسلمة: “على المدرسة أن تكون علمانية وليس الطلاب”. يجب الدفاع عن علمانية التعليم بأيّ ثمن. لكن هذه العلمانية لا تقوم على إخفاء الفوارق بين الطلاب، ساترة خصوصياتهم، بل على تعليمهم احترام بعضهم بالذات لأنّهم مختلفون. على الجو التعليمي أن يختلف عن العالم الخارجيّ في المظاهر الضرورية لإكمال وظيفته. وهكذا كما أنه من الضروري الدفاع عن الدراسة المختلطة ضد بعض الأصوات التي تحاول العودة لفصل الجنسين، من الملائم أن تتعايش داخل المدرسة بشكل مفتوح عرقيات وأديان وعادات مختلفة، كما في الحياة الواقعية. والمدرسة معمل ممتاز حيث يمكن تعليم الطلاب مزايا هذا التعايش بين أشكال مختلفة من الحياة، دون حاجة لإخفاء العلامات التي تميّزهم. يلفت الانتباه، بطريق العرض، أن كثيرين ممّن يرتضون منع الحجاب في المراكز التعليمية، كي لا يتمّ تمييز الطلاب بسبب من ديانتهم، لا يتوقفون عند ما يبدو أنّه أقلّ “مساواة” بكثير وهو التفريق الذي ينتج في المدرسة حين يتمّ فصل بعض الطلاب كي يقوموا بحضور حصّة الدّين بينما المجموعة الأخرى تقوم بعمل نشاط كماليّ وأحيانا لا تقوم بأي نشاط. في هذه الحالة نعم يتعلّق الأمر بتمييز ترتضيه المدرسة نفسها ولا يتعلق بخصوصية يجلبها الطلاب إليها.

تتطلب حرب الرموز، كحرب الرايات، إسرافا في الطاقة سيكون من الأفضل استغلاله للتوجه إلى أصل المشكلة. ولو أنّ النية هي تحرير الفتيات من قواعد تبعدهن عن وضع من الاستقلال فليس أفضل من تمكينهن من الوصول لتعددية تعليم عام يسمح لهن التقرير بشكل حرّ، ومع الوقت، إذا ما أردن مواصلة وضع الحجاب من عدمه، بدلا من وضع عراقيل تكمن خطورتها في دفعهن إلى الانغلاق على النفس داخل محيط عائلي وثقافي حيث المرأة تؤدي دورا تابعا. بالفعل هناك الكثير من الدراسات الإمبريقية التي تشير إلى أنه في تشكيل قيم المراهقين فإنّ مجموعة النظراء تلعب دورا أكثر أهمية بكثير من دور العائلة أو المعلمين. إنّ تعليما يأخذ على محمل الجدّ واجب تسهيل العلاقات الاجتماعية بين الفتيات وبين زميلاتهن القادمات من ثقافات مختلفة لهو المنهج الأفضل للتأكيد على حرية الاختيار في المستقبل.

باختصار فإنّ الرسالة التي على التعليم أن ينقلها لا تقوم على القول للطالبات “نحن جميعا متساوون”، بين حجج أخرى لأنّ هذا زائف، بل القول “جميعنا لدينا نفس الحقوق بالذات لأنّنا مختلفون”. وحضور الحجاب الإسلاميّ في مدرسة ما لا يمثّل أية عقبة تحول للتوصل لهذا الهدف: حتّى أنّه يمكن أن يساعد في التوصل للهدف لو عرف المعلّمون كيف يستغلون التنوع بدلا من تشييد تجانس مصطنع داخل المراكز التعليمية.

-*أوجوستو كلابينباخ: مفكر وأستاذ فلسفة إسباني والمقالة نشرت في مجلة كلابيس عدد 178، ديسمبر 2007.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق