استعمالات اللباس ورموزه في الحضارة العربية الإسلامية- قراءة لكتاب محمد الطاهر المنصوري “في التحجب والتزنر Du Voile et du Zunnâr”

    مفيد ودسم، بليغ العبارة ومقتصد الإنشاء، هذا ما يمكن أن يرتسم في ذهن أيّ قارئ متمرّس بعد اطّلاعه على كتاب “محمد الطاهر المنصوري الأخير”، “في التحجّب والتزنّر” المنشور عن دار”تبر الزمان” بتونس أواخر سنة 2007.
يطرح المؤلف إشكالية مجدّدِة في الكتابة التاريخية العربية تتّصل باستعمالات اللباس ورمزياته، مختبرا مدى قدرة اللباس على رسم الفوارق أو الحدود الاجتماعية والجنسية والاثنية والملّية داخل المجال العربي الإسلامي والتعبير عنها.

تضمن فهرس الموضوعات أهدافا بسيطة ودقيقة غطّت الحقل الدلاليّ للّكسوة واللّباس والثوب، متعقبا الوظائف المميِّزة للباس الزهد والتصوف، ولحجاب الحرائر من النساء المسلمات، متقصيا الحدود الملّية المجسمة طيلة الفترتين الوسيطة والحديثة بـ”تزنّر” أهل الكتاب من غير المسلمين وارتدائهم للـ”غيار” أو”الشكلة” داخل بلاد الإسلام، بينما تغلق رموز البياض والسواد والصفرة والحمرة والخضرة والزرقة وجمالياتها فقرات مقتصِدة مدبَّرة بعناية، ركّزت على الدال والمهم دون سواهما.
قد يكون من المفيد بدءًا وقبل التدقيق في مختلف محاور هذه الفهرسة، الاقتراب من السياق المعرفي الذي انخرط ضمنه مؤلف هذا العمل، مركّبا من خلاله تصوّره للكتابة التاريخية منهجا ومضمونا.

 سؤال المنهج ـ سؤال السياق:

يتّصل تكوين المؤلف بالتاريخ الوسيط وبتاريخ العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين تحديدا، ويتموضع تخصصه المعرفي بين حضارتين متصارعتين امتلأت كتب الحوليات والأخبار بتفاصيل المواجهات التي خاضتاها. وتحتاج عملية تمحيص المعطيات المتصلة بهذا التخصص إلى تبحّر موسوعيّ وتملّك لمناهج البحث الدقيق، فضلا عن توفّر أهلية التعامل مع مخطوطات مُغْبرّة عسيرة القراءة ملغزة المضامين.
اتسعت ذائقة الباحث منذ انتسابه إلى الجامعة في أواخر الثمانينات لتنفتح منهجيا على مختلف المدارس التاريخية غير متهيبة من تجريب العديد من النماذج البحثية المتحدرة عن مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية. فمن شاغل “حوار الثقافات والحضارات” إلى التمرّس على مناهج الثقافة المادية والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي فتاريخ الأفكار والذهنيات، لم ينقطع المؤلف عن التوسّل بأحدث المناهج قصد تطوير استمارة المؤرخ وتطويع تساؤلاته للتلاؤم مع مقتضيات مكافحة الروايات التاريخية وتعقب اتجاه المعقولية في التعامل معها. 


ولأنّ “الطاهر المنصوري” لم يكتف بانجاز عمله كخبير في المعرفة التاريخية، وتطلّع للعب بقية أدواره كإنسان وفرد ومواطن أيضا، فقد آلى على نفسه فتح ملفات محرجة غير مطروقة داخل الجامعات ومراكز البحوث العربية والإسلامية، لا يمكن ألا يتعارض سياق تناولها مع “مواضعات” الفعل الاجتماعي وأسباره داخل المجال العربي الإسلامي.
وليس من دليل أبلغ على انخراط المؤلف ضمن هذا السياق البناء المجدّد للبحوث في مناهج العلوم الإنسانية غربا، المثري لتساؤلاتها المحورية منذ فتوحات بارط Barthes وفوكو Foucault وهبرماس  Habermas المعرفية، من محاولة التدقيق في مدلول “إعادة صياغة الماضي”، من خلال التصدّر لترجمة مؤلف “التاريخ الجديد La Nouvelle histoire”  الذي أشرف على تنسيق مقالاته المجددة المؤرخ الفرنسيّ الذائع الصيت”جاك لوغوف Jacques le Goff ” ، تلك المهمة العويصة التي تضمنت العديد من المحاذير المتصلة بترجمة المصطلحات  باستنباط أفضل التعبير وأدقها وأكثرها تداولا في آن، وهي مهمة تجهز المُترجم لتجاوز عناقيد فخاخها وحل المشاكل المترتبة عليها بدراية واسعة وحسّ عال.
والظن بعد هذا، أن اهتمام الباحث بتاريخ الثقافة المادية غربا وشرقا هو الذي أمضى تحفزه ووسّع اطلاعه على نماذج البحث في تاريخ الذهنيات والأفكار، دافعا إياه في غواية دالة إلى فتح ملف استعمالات اللباس ورمزياته في الحضارة العربية الإسلامية من زاوية دور القيافة والملبس في رسم الفوارق الاجتماعية والجنسية والملية والإثنية وتأكيد تمايز الهويات أو تباينها.   

 استعمالات اللّباس ورمزياته :

           لئن تبرهن قراءة قائمة الإحالات المصدرية والمرجعية المقترحة من قبل المؤلف عن اهتمام ملحوظ بالقيافة واللباس في الحضارة العربية الإسلامية، فإن تناول المسألة بالتعويل على شبكة الرموز متعددة الأبعاد لا يبدو مقصودا من قبل المؤرخين المغاربة ولا من طرف أصحاب نفس التخصص المشارقة. والظن عندنا أنّ مؤلّف هذا الكتاب قد كان واعيا بجسامة ما تصدر لإنجازه، شديد الإصرار على وضع عمل بحثيّ يطمح إلى إعادة صياغة علاقة المتخصصين التونسيين في الفترة الوسيطة بمناهج الكتابة التاريخية.
فبمجرد تقديم الإطارين الزماني والمكاني لدراسته يستعير المؤلف أدوات المقاربة الألسنية للتدقيق في معاني الألفاظ المتصلة باللباس وكيفية اقتباس معانيها وانزلاق مدلول معجمها اللغوي سواء بالنسبة للغة الكتابة والتعبير الأدبي، أو لمختلف لهجات التخاطب المتداولة. فمن لفظ “زٌنْطْ” الذي يحيل على العري التام، إلى لفظ “زْقَطْ” المنـزلق جناسا إلى مدلول من لا حسب له ولا نسب في لفظي “زقطي” و”زبنطوط” المتداولين في لهجة تخاطب التونسيين. ومن ارتداء اللباس، إلى الملابسة فاللّبس ساعة خلط الأوراق الحائل دون إدراك المعنى. ومن “الزيّ” الموحِد للمظهر إلى “الزينة” المسرفة في التأنق مظهرا وقيافة، مرورا بـ”البْدَنْ” أو “الجلدة” في ملبس الزهاد وأهل التصوّف، وصولا إلى “الثوب” الذي يتجاوز مدلوله معنى اللباس لمّا يحيل فعله المجرد في لفظة “ثاب” إلى العودة إلى الجادة بعد تعمد الخطأ والوقوع في الضلال.
هكذا تبرز بوضوح مختلف العناصر المؤثثة للمجال المقصود بالمعاينة ويلعب اللباس دوره كحدّ فاصل بين الأفراد والمجموعات والأجناس داخل بلاد الإسلام والمجال المسيحيّ المصاقب لها مشرقا ومغربا. وحتى وإن جانب الحديث عن الفرد بالمدلول الذي نتعقّله حاضرا الصواب، فإنّ جميع من عاصروا الفترة الوسيطة قد “حدد اللباس المخصص لهم منـزلتهم الاجتماعية ومعتقدهم الدينيّ في آن”. 

وظيفة اللباس كميسم وهوية               

        يعالج المؤلف تباعا لباس الفقر والتصوّف متعرضا إلى وظيفة “الخرقة” أو”المرقعة” لدى أرباب الزهد والصلاح داخل بلاد الإسلام. كما يتوقف عند وظائف ودلالات “الحجاب” و”النقاب” و”الخمار” و”البرقع”، منـزّلا إياها ضمن سياقها التاريخيّ المخصوص بها، مُستجليا بحسّ فائق وعناية شديدة حالة اللبس والتشويه المقصود المكتنفة لاستعمالاتها حاضرا، متوقفا في الأخير عند مدلول لباس أهل الذمّة في فرض ارتداء “الغيار” أو “الشكلة” وشدّ الزنانير على من طالتهم ماضيا حماية خلفاء المسلمين وسلاطينهم.
تعتبر الخرقة أو المرقعة لدى أهل الصلاح عنوانا للبراءة والانقطاع للعبادة والتزاما بمبادئ الشرع ووقوفا عند نواهيه. كما تمثل أيضا دلالة رمزية على الفقر إلى الله دون بقية خلقه وعنوان عن انتقال السالك إلى مرتبة المشيخة المضارعة للإجازة المتوّجة للتحصيل، بعد الصدق في تخطي شدائد أو عقبات مراحل “الصحبة” و”السياحة” و”الانتساب”.
ولئن دل تناول هذا البعد من قبل المؤلّف عن دراية بالموضوع، فإنّ تدبيره المقتصد المعوّل على المهم دون سواه لم يسعف قارئه في الاطلاع على إسهامات المختصين تونسيين كانوا أم غير تونسيين في الموضوع، علما أنّ مدلول “الخرقة” أو “المرقعة” قد تحوّل مغربا ولأسباب تتصل بحساسية مسألة التجانس المذهبيّ إلى مفهوم فضفاض يضمن من خلاله لبس “البدن” التمايز الطائفي من خلال الانتساب إلى الطريقة الشاذلية وكذا للعديد من الطرق الناسلة عنها، دون التعبير صراحة عن الاختلاف مع بقية المجموعات أو الشرائح الاجتماعية الأخرى.  

 

تصدق نفس هذه الملاحظات على مختلف الفقرات التي خصصها “محمد الطاهر المنصوري” للتعرض لإشكالية التحجّب داخل المجال الإسلامي وللأبعاد الراهنة التي أخذتها مسألة ارتداء الحجاب. فقد أوضحت تحاليله الضافية علاقة الحجاب بالمراحل الزمنية التي سبقت ظهور الإسلام وتاريخية فرض التحجّب داخل المجال المسيحيّ، مما ساهم بلا جدال في تنسيب حالة تركيز الإعلام الغربي راهنا، وبطرق لا تخلو من المساجلة الرخيصة والخلط المقصود، على عقلية التزمت الملازمة للإسلام وللمسلمين، في حين أنّ من يرتدين الحجاب – وبصرف النظر عن احترامنا الكامل لاختياراتهن الشخصية- غالبا ما يتحدّرن عن أوساط اجتماعية تعيش ظروف صعبة ولا تمتلك تحصيلا معرفيا أو ثقافة اجتماعية ومدنية كافية تأهلهن للتعامل مع قضايا الهوية أو الخلاص مثلا – وهي قضايا حارقة غالبا ما يتم التعامل معها شرقا بحسيّة مفرطة – بالحدّ المطلوب من العقلانية تلك التي لا تتنافى في تصورنا ضرورة مع دواعي “الاحتشام” أو “المحافظة”.
يتوسّل “المنصوري” بأدوات المختصّ في التاريخ الوسيط ومناهجه فيسائل النص القرآني المؤسّس وتفاسيره وأسباب نزوله وأحاديث النبيّ ومسايراته في محاولة لتأطير الوقائع والأحداث ومكافحة الروايات المتاحة حول كيفية حصولها. ولئن لم تشكّل محاولته فصلا للمقال، علما أنّ التحجّب قد جلب اهتمام المختصين في الدراسات الإسلامية وفي العلوم القانونية والسياسية وكذا الأمر بالنسبة للدراسات الحضارية و”الجندرية”، فإن استعراضه لنفس براهين من سبقوه لم يدفعه إلى مساجلة من قلّبوا قضية الحجاب من قبله وتأولوه،  خاصة وقد تضمنت بعض تلك القراءات ذات الحجج التاريخية التي استجلبها المؤلف فيما يتعلق بمناقشة مدلول الأية 59 من سورة الأحزاب والتثبت من أسباب نزولها وتحديد الأجواء العكرة التي عاشها النبي قبيل واقعة الخندق وإبانها، تلك الأجواء المشبوهة التي استعملت خلالها وسائل منحطة لا أخلاقية حرّكها من وسمهم النص القرآني بـ”المنافقين” ويهود يثرب.
خصّص مؤلّف “في التحجب والتزنر” الجانب الأخير من الفصل الثاني لمدلول رموز الألبسة المفروضة على الذمام من أهل الكتاب، مبينا أنّ معنى الذمة هو الحماية والتبعية الخالصة لمن عادت له أهليتها من خلفاء وسلاطين وأمراء الأمة الإسلامية. معتبرا أن لبس الغيار “مشرقا” أو “الشكلة” مغربا وشدّ الزنانير، وإن كان مظنة  للحماية فإنه لا يخلو أيضا من تحقير معلن ومن تمييز ملّيّ ممنهج ومنظم رسميا من خلال الأوامر المتكررة لأئمة المسلمين منذ ما عرف بميثاق عمر بن الخطاب. وهكذا يستقيم قول “المنصوري” بأنّ “الاشتباه بالملبس قد عوض الاشتباه بالسحنة أو الوجه ممثِلا داخل بلاد الإسلام كما في بلاد النصارى عنصرا مميزا وعلامة بارزة لهوية السطح أو للهوية الظاهرية”.

 

رمزيات ألوان اللباس وجماليتها ببلاد الإسلام

         تعرض مقاربة ألوان اللباس وجماليات اللون داخل المجال العربي الإسلامي مشرقا ومغربا في كتاب “محمد الطاهر المنصوري”من زاوية علاقة اللون بالمنـزلة الاجتماعية والانتماء العقديّ ودورهما كميسم marqueur   اجتماعي وملّيّ. فقد تم الاهتمام بالألوان من خلال ما حملته في المخيال الجمعي من رموز إيجابية مرغوبة أو سلبية منبوذة.
وتبين العروض التاريخية التي اقترحها المؤلف حول هذا البعد أنّ العهدين الأموي والعباسي قد عاينا تحول الألوان إلى ميسم اجتماعي وعرقيّ وملّيّ. فلئن لم يبد النبي بحكم موقعه كمؤتمن على رسالة سماوية تفضيلا خاص يتعلق بقيافة اللباس وألوانه، فإنّ الميثاق المنسوب للخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب قد خصّ الذمام بثلاث ألوان مميزة، الأزرق للنصارى والأصفر لليهود والأحمر للـ”سامريين samaritains”. 

 

ومع وصول العباسيين إلى الحكم واتخاذهم للّون الأسود الذي يحيل على السيادة راية ورمزا للسلطة الإسلامية تحوّل لون الراية الأموية الأبيض إلى علامة ظاهرة للقيام ضد الشرعية ومواجهة السلطة وحاربت “المبايضة” “المساودة” محرِّكة الممانعة ضدها. ولما كان الأبيض عنوانا للتمييز الاجتماعي والأخلاقي بجميع أشكاله، فقد نافسه السواد لون امتلاك السلطة واحتكار الجاه وأداة شدة الإغراء والفتنة وفقا لما أُثر عن “مسكين الدرمي” في قصيد “قل للمليحة…”
على غرار السواد والبياض خصص المؤلف فقرات مفردة للحديث عن رمزيات الأصفر الذي عاد في أصوله إلى الأمراء قبل أن يحوّله ميثاق عمر إلى لون خاص باليهود والنساء، ورمزيات الأخضر الذي اجتاف على مرّ التاريخ مدلول الحيوية والشباب قبل أن يرتبط عقديا وفي مخيال المسلمين بحمام الروح ولون سكان الجنة بامتياز. أما اللون الأزرق الذي ارتبط قديما بحضور نبات النيلة على ضفاف أنهار مصر وبلاد الرافدين، فقد اتصل بلباس النساء والخدم والأرامل والقواعد من العجائز قبل أن يتحول وفي ظل إسلام التأسيس إلى لون تمييز التصق بالذمام من النصارى داخل المجتمع الإسلامي.
يقينا أن الهدية القيمة التي قدمتها لنا دار “تبر الزمان” للنشر التي يديرها باقتدار وتميّزعبد الرحمان أيوب المعروف بتضلعه في دراسة الموروث اللامادي والسِّيَر القبلية، قد شكلت  علامة أساسية في جنسها، علما أن دقة البحث وسلاسة اللغة لم يمنعا مؤلف كتاب “في التحجب والتزنر” أن يضع الأفكار التي انطوت عليها دفتا كتابه في متناول ذائقة أبسط قرائه وأقلهم اطلاعا وتلك واحدة من خصال الكتابه حاضرا، قراءة وتدبّرا.
ولئن لم يكن بوسع المؤلف أن يشحذ حب اطلاعنا لمزيد التعرّف على واقع اللباس وتاريخه مغربا، وهو موضوع بكر لا زال بحاجة لمن يتولى تفكيك ألغازه المعتَّمة، فإن الإشكالية التي رام “المنصوري” تناولها وركبها بدارية نادرة، لم يكن ضمن تخطيطها تناول جميع الأبعاد التي ينطوي عليها موضوع الملبس في شموليته مشرقا ومغربا.
وضع “المنصوري” بلا جدال لبنة الأساس لتفحص إشكالية الملبس من نافذة التاريخ الجديد مضيفا جملة من الوثائق الهامة لملف معقد وشائك، لذلك نرجو أن يواصل من قد تستهويه مثل هذه المغامرة البحثية المضنية والممتعة في آن، السير على خطى مؤلف هذه المساهمة المفيدة والمثيرة، الهادئة والمتأنية المضافة إلى حقل الدراسات التراثية والجمالية المتصلة بتاريخ اللباس وقيافة الملبس في الحضارة العربية الإسلامية.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق