أدب النصيحة

 
قبل يومين ممّا أنا بصدد كتابته الآن، في هذه اللحظات التي يرفع فيها سرفنتاس، بيديه الشخصيتين، كأس أوروبا للأمم في شعبة كرة القدم، أفقت كعادتي، من نوم كان نصفه لي، واشتريت جريدة محلية بأربعمائة وخمسين سنتا.
– صباح الخير أخي سانخو: قلت، في سرّي، لدون كيخوته.
لم يشدّني أيّ من الأفعال المعتادة المحكوم عليها بتصدّر الصفحات الأولى للصحافة العربية الرسمية وشبه الرسمية. لم يشدّني فعل استقبل. لم يشدّني أخوه التوأم : تقبّل. وما شدّني فعل زار.. رغم أنّني مولع  بزارا. وحتى لا أطيل عليكم، أيّها الذكور أيتها الإناث.. أبنائي الأفاضل بناتي الفضليات : كما كان يقول الزعيم الحبيب بورقيبة
شعبي العزيز: على حدّ تعبير المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني.. فقد شدّني تصريح للأخ الرئيس علي عبد اله صالح رئيس جمهورية اليمن: اليمن الذي كان يمنا واحدا ثمّ تحوّل إلى يمنين قبل أن يصير يمنا موحّدا يحدّه الشعر والشريعة والعشيرة والقات من الجهات الأربع.
قالت الجريدة التي قلت أنّني اشتريتها بأربعمائة وخمسين سنتا إنّ الأخ الرئيس قال: لقد نصحت نجلي بأن لا يترشح لرئاسة اليمن عام ثلاثة عشر وألفين.
والحقيقة أنّ العنوان كفاني شرور مواصلة قراءة الخبر وإفقار ثقافتي الفقيرة بتصفّح الصفحات الأربع والعشرين المكونة لجريدة لا داعي لمباغتتكم بأنّني اشتريتها بخمسمائة سنتِ بعد أن تفطّنت إلى أنّ بائع الجرائد لم يردّ لي الفكّة.
 أوّل ما فهمته أنّ الأخ الرئيس باق في سدّة الرّئاسة إلى سنة ثلاث عشرة وألفين، هو الذي كان قد تعهّد، سابقا، بأن لا يترشّح مجدّدا إلا إذا أراد الشعب اليمنيّ حمله على الترشّح والنجاح في ذات الوقت وهو ما حصل بالفعل في مفتتح ولايته الحالية رغم أنّ ألسنة السوء لا تزال تردّد أنّ الله وحده قادر، انطلاقا من عرشه العليّ، على رؤية الشعب اليمنيّ برمّته دفعة واحدة أي: فردا فردا مضافين إلى ظلالهم !!
ثم فهمت أنّ الشعب اليمنيّ سوف لا يكون مسموحا له بالخروج إلى الشوارع لحمل المواطن علي عبد الله صالح على الترشّح للرّئاسة بدل نجله خلال سنة ثلاث عشرة وألفين إذا أخذ نجله بنصيحة أبيه وامتنع، من دون اليمنيين جميعا، عن الترشّح للرئاسة.
وزدت.. ففهمت أنّ فعل نصح لا يعني منع أو حذّر أو حرّم بل يعني في لسان العرب: خلص بفتح الخاء واللام والصاد أي صفا ولم يقع غشّه.. ومن هناك صدّقت أنّ الأخ الرئيس صادق في نصيحته لنجله غير أنّ القوانين المعمول بها لا تخوّل له حرمان ابنه من حقوق المواطنة التي من ضمنها حقّ الترشّح لرئاسة الجمهورية وهو حقّ كان قد لمّح له نجل رئيس عربيّ آخر هو السيد جمال مبارك الأمر الذي دعا الحكيم محمد حسنين هيكل للقول في أحد حواراته الرشيقة على قناة الجزيرة القطرية : لا أنصح الرئيس مبارك بترشيح ابنه جمال بعده مباشرة لأنّ ذلك، إن حصل، فسيكون من باب استغلال النفوذ.
بعد أن فهمت كلّ هذا، أنا الذي أحترم اليمنيّين ورئيسهم وابن رئيسهم، أنا المولود في بلاد أجاز برلمانها، ذات يوم وبالإجماع، أن يصير أوّل رئيس لها رئيسا مدى الحياة، تأكّدت من أنّه لا فائدة ترجى من إعلاء اللّهجة، وأنّ النبرة الهجائيّة لا تزيد الحكام إلاّ مثابرة على السير في الاتّجاه المعاكس لحركة التاريخ، وأنّ اقتراح الشاعر اللامع نزار قباني بأن يتمّ ترحيل الحكّام العرب إلى جزيرة موحشة لا شعوب فيها ما هو إلا اقتراح شعريّ غير قابل للتطبيق خطر ببال مبدع سوري دأب- طيلة حياته- على التعميم بحيث لم تكفه حياته الطويلة ليخصّ أحدا بعينه بالشتيمة!
ولمّا كان المدح والهجاء رذيلتين بورجوازيتين على حدّ تعبير فلادمير اليتش لينين، وخسيستين شعبيتين على حدّ تعبيري أنا، فإنّه من الجائز المراهنة على أنّ الحكام العرب يحدث لهم أن يكونوا بشرا أسوياء ليتفهموا مخاوف شعوبهم من الصلاحيات الإلهية (وما أكثرها !) التي خلعوها على أنفسهم دون أن تظهر علامات ربوبية أو نبوءة أو عرافة على ملامحهم..السمراء في أغلبها الأعم!
غير أنّ جواز هذه المراهنة سيظلّ مشروطا بطمأنتهم على أنّ نهاياتهم لن تكون شبيهة بنهاية المارشال شاوسسكو وزوجته وهما يفترشان التراب، ولا شبيهة بنهاية المارشال الآخر أنور السادات وهو يصيح فوق المنصة:موش معقول ! ولا نهاية مجهولة المقادير كما يقولون، هم أنفسهم ،عندما يختلون بعائلاتهم في صمت القصور الجمهورية المسيّجة بوابل من العسس والحرس وأشجار الكلبتوس.
وهل يتعين التذكير بأنّ هذه النهاية المجهولة هي التي جعلتهم يحوّلون دساتير بلدانهم إلى ورشات تعمل على مدار الساعة، تحت إمرة مثقّفين وحقوقيّين، من أجل تأمين بقية حياة كريمة لهم في حال تمّ الانقلاب عليهم، أو منع طائراتهم الخاصّة من العودة ثانية إلى أرض الوطن كما حصل مع معاوية ولد سيدي الطايع رئيس موريتانيا الأسبق، أو تسليمهم، دون أية محاذي، إلى الشماتة الشعبية في الطريق العامّ وفي وضح النهار!!
بأية طريقة انتقل مفهوم/ آل البيت / من إخوتنا الشيعة إلى أتباع مالك بن أنس وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، حتّى صارت الآلية الوحيدة للوصول إلى الرئاسة، عند أهل السنّة، هي أن تكون ابن رئيس أو حفيد رئيس..بعد أن تغير أنت بنفسك على الرّئاسة كيفما اتّفق… شرط أن يتمّ ذلك قبل صياح الديك ؟!
هذا هو سؤال الأسئلة الذي يتعيّن الجلوس حوله، عام ألفين وثلاثة عشر، بمعية الأخ علي عبد الله صالح، الزاهد في الرئاسة والمنصرف إلى كتابة مذكراته، والذي نودّ لفت انتباه فخامته إلى أنّ طرحنا لهذا الموضوع معه لا يعني أنّه المعني الوحيد به على طول ما تبقّى من هذه الرّقعة المسماة:عربيّة … بل يعني أنّ صراحته بخصوص موضوع التوريث هي التي شجعتنا على الخوض فيه معه انطلاقا من بلدنا تونس الذي لم نغادره، كموضوع للكتابة، إلاّ لماما لكثرة ما فيه من بلايا ومسرّات …وبلايا !!

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق