“الميثاق العلماني العالمي” للدكتور جورج قرم

في نهاية كتابه الموسوم بـ ” المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين” يعرض المفكر اللبناني الدكتور جورج قرم ما يشبه العهدة العالمية العلمانية لامتصاص الصعود الهائل للهويات الدينية الحادة في كل المستويات، تلك العهدة التي يرى الدكتور قرم أنّ تطبيقها أو حتى مجرّد اعتبارها مرجعية أخلاقيّة على مستوى النّخب السياسية والثقافية الاقتصاديّة في العالم أو مجرّد اندراجها في هذه السياقات، سيسهم إلى حدّ بعيد في إعادة مناخ من الهدوء إلى العلاقات الدولية. هذه العلاقات التي حوّلت العالم بعيد وصول المحافظين الجدد إلى سدّة الحكم في الولايات المتحدة، وصعود الأصولية الدينية الإسلامية، إلى ساحة للصراع الأيدلوجي الحاد بين أطراف عالم يريد أن يعطي انطباعا بانقسامه إلى فيدراليات بين الأديان المتصارعة. حيث سيعني الصراع بينها، فيما لو حدث، تحول العالم بمجمله إلى كتلة لهب.

المقترحات التي يسميها قرم نتائج تأمّلاته الخاصة في شكل العالم الراهن، بما يلاقيه من تحول للعنف إلى أداة مركزية في تحديد العلاقات بين أطراف المكونات السياسية المعبرة عن الوجود الإنساني، تٌعتبر في سياق تاريخي أرحب، عودة موفقة إلى مواقف الفلسفة اليونانية المثالية في رؤيتها الحالمة بوجود مجتمع فاضل، أو المقترحات التي طرحها الفيلسوف الألماني كانط الذي تحدّث عن سلام عالميّ لا بد أن يسود بوجود حكومة عالمية تعبّر عن انتصار الغاية في التاريخ البشري. نقول عن تلك العودة موفّقة لأنّها احترمت تطورات الذهنية البشرية منذ ذلك الوقت حتى الراهن . فلم يصبغها اللون المثالي والرسالي في الطرح، بل جاءت بصيغة طرحية ليس إلا، فلم تكن محملة بأية روح أيدلوجيا مالكة لأجندة ما، كما أنها كانت واقعية تراعي الممكن في قلب التاريخ البشريّ الراهن .

ويرتكز الميثاق الذي يطرحه الدكتور قرم على أربعة أسس :

{{أولا: الممانعة أمام ظواهر استغلال الدين واصطناع قوميات حضارية.}}

والذي يعني الخروج من استخدام الدين وتوليد القوميات الحضارية المصطنعة، تلك الظواهر التي ترافق الإسلام والمسيحية واليهودية على حدّ سواء. حيث يعني هذا في الفهم والتطبيق السياسيّ والثقافيّ المباشر تغيّر المقولات المتداولة في مختلف الخطابات السياسية، خصوصا في دول المركز والمنظمات الدولية.

وفي هذا السياق يشير الدكتور قرم إلى الأضرار البالغة التي سبّبها الاستعمال المكثف لمصطلح ” الإرهاب العابر للقوميات” . فعوضا عن الإحاطة بتعقّد هذه الظاهرة بكل أشكالها، تحال الظاهرة إلى مفهوم كشكولي هو ” الإرهاب الإسلاموي ” والذي يعتبر استعارة واعية نسبيا لمفهوم ” التخريب الشيوعيّ ” الذي كان سابق الاستعمال أيام الحرب الباردة. يقول الدكتور قرم ذلك مشيرا إلى خطورة ما حدث في نيويورك ومدريد ولندن من هجمات بربرية، لكنه يضيف : إنّ العمليات الإرهابية الإسلاموية الكبرى وقعت في بلدان مسلمة ( المغرب، العربية السعودية، اليمن، الأردن، أندونيسيا، العراق، الباكستان، مصر) لكن أليست له – الإرهاب الإسلاموي – أيضا أبعاد وطنية حقا، غالبة على الطابع العابر للقوميات ؟

وبعد أن يشير الدكتور قرم ببراعة إلى مدى استغلال الدين الإسلامي في النزاعات الدولية إيان الحرب الباردة، وكيفية استغلاله في الوقت الراهن لشرعنة الاحتجاج الاجتماعي على النظام القائم في البلدان المسلمة ذاتها . ويشير إلى مدى السوريالية التي تنطوي وراء “الثرثرة” الباحثة عن أيجاد أسباب للإرهاب ” العابر للقوميات” في القرآن أو في الشريعة الإسلامية، والذي يحول دون استيعاب المشكلات الحقيقية لهذه الظاهرة، الدنيوية بالكامل: احتلال عسكري، استيطان في فلسطين، تهميشات اجتماعية، توزيع مجحف تماما للمداخيل والثروات الوطنية في أنظمة الريع النفطي، استبداد سياسي مجحف بحق المواطنين، وأخيرا ثقل الخطاب الغربي المغذى إلى حد بعيد بمصطلحات دينية منذ عدة عقود . بعد أن يشير قرم إلى ذلك بتوسع يراهن على انحياز الوعي الإنساني لما يلي سياسيا في الفترة القادمة :

1- القيام بتفكير أعمق في الخطاب الأمريكي والغربي بشكل أعمّ والذي يمتدد إلى خطابات الأمم المتحدة، تلك التي تبدو حتى الآن وكأنها تريد القفز على الحقائق الرئيسية، وتريد تجنيد الغرب بأي ثمن في حرب “صليبية” مثيرة تريد القبض على بن لادن ” الأسطوري” ؟

2- حان الوقت للنظر بشجاعة إلى الظروف الجيوبوليتيكية التي تخلق أرضا خصبة لأعمال العنف إرهابية الطابع.

3- ترك حكومات البلدان التي تقول إنها ديمقراطية، ومثقفيها المبرزين جدا في الإعلام، التمادي في خنق المناقشات الجدية حول كل تلك الظواهر المذكورة سابقا، وذلك بترك أشكال الإرهاب الفكري الذي يمارسونه .
طبعا يقول الدكتور قرم ذلك ويشرحه من ناحية المنهجيات الغربية في هضم الغرب للعالم الإسلامي، ثم يعود ليثبت ما يشابه تلك الممارسات في الجهة المقابلة في العالم الإسلامي، حين يتم تناول الغرب في الفهمين الثقافي والسياسي .

{{ثانيا : القانون الدولي، الكوسموبوليتية والتعددية الثقافية .}}

حيث يدعو قرم إلى أن يغدو القانون الدولي جمهوريا بالمعنى الكامل للكلمة . حيث لابد أن يكون متساوي المسافة من جميع مكونات الأسرة الدولية . وذلك من خلال ما ينزله من عقوبة أو ما يوفره من حماية لأفراد هذه المكونات. فالديمقراطية الدولية تفقد معناها بالكامل، إذ تم تلاعب تفاضلي بسيط بين أعضائه .
بهذه الدعوة يكون مشروعا السؤال عن أسباب بقاء مؤسسة الحلف الأطلسي بعد أن فقدت سببها الترهيبي المباشر الذي كان يتمثل في وجود حلف وارسو سابقا. كما يغدو مشروعا السؤال عن المنظمات التي تبنى على أساس ديني، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي (OCI) ، والتي تفرعت عنها منظمات حكومية شتى في عدد من المجالات، مثل محكمة عدل إسلامية والجامعات التكنولوجية الإسلامية وبنك التنمية الإسلامية والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة والغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة … الخ . فإعادة النظر في عمل مثل هذه المنظمات وأدوارها في تكوين سياقات العلاقات الدولية. يعني إعادة النظر بهذا الشكل القطبي لتقسيم العالم شاقوليا، بين ثقافات ومجالات حيوية ثابتة. هذا الذي بدوره يتنافى مع طبيعة كل مجتمع منقسم بذاته إلى تعدد ثقافي داخلي . حيث ينفي ما يمارس الآن من الأنماط التقسيمية للعالم، ينفي مثلا الوجود المسيحي الأساسي في المنطقة الشرقية من العالم، كما ينفي أيضا على سبيل المثال، الدور التاريخي الأساسي للمسلمين في تنمية العقل البشري الجمعي .

إن قيام علاقات دولية ثقافية وسياسية واقتصادية قائمة على عدم التعالي الأخلاقي من طرف على الآخر من جهة، وقائم على عدم تقسيم جذري وجوهر للعالم من جهة. وحده الكفيل بإعادة التعددية الثقافية، التي ينعتها الدكتور قرم بجوهر الكوسموبوليتية . هذه الأخيرة التي تعتبر أقوى نظير لكل أشكال العنف التي يمكن أن يقع فيها البشر.

{{ثالثا: في سبيل فضاء للتنفس.}}

إن محاولة إحياء الروح الإنسانوية والعالموية التي أرست في الماضي قيام عصبة الأمم ومن ثم قيام الأمم المتحدة، أو التي يبشر بها الداعون إلى ” تحالف للحضارات” أو الذين يدعون إلى حوار شامل بين كل الثقافات والديانات، من شأنها ذلك حسب الدكتور قرم، أن تعيد الأمل في لغة إنسانية تملؤها روح العالمية التي تعتبر ” الإنسان ” قمة الغايات على الإطلاق، بعدما أصبحت السوق عند بعضهم قمة تلك الغايات أو الأيدلوجية الدينية أو السياسية عن البض الآخر. وأحد الشروط المهمة لقيام مثل تلك الروح العالمية هو إزالة صفة التعقيد والغائية من شكل العالم. فرسم العالم على أنه كتلة لتآمر اليهود على غيرهم من البشر، أو رسمه على شكل مؤامرة يقودها اللاساميون ضد غيرهم، أو المتدينون في وجه غير المتدينين أو العكس … الخ . إن شأن تلك التعقيدات التي ترسم بها علاقات البشر بعضهم ببعض، أن تضفي نوعا من الرهاب واللاثقة بين البشر. الشيء الذي يقضي على كل تراث عصر الأنوار التي نادت بغاية تاريخية واحدة ترمي لسعادة كل البشر. فكما تعمل الدولة على زرع الثقة بين مواطنيها المختلفين من خلال زرع روح المواطنية، فإن المجتمع الدولي السياسي لا بد أن يسعى إلى زرع روح الثقة نفسها بين مواطني المجتمع الدولي، وذلك بغية امتصاص الروح المحزنة عن حرب عالمية أهلية قادمة .

{{رابعا : رد الاعتبار للدولة، مصدر المواطنية .}}

يلاحظ الدكتور قرم كيف تسعى القوى المهيمنة عمليا ونظريا في اتجاه ” إمبراطورية الفوضى ” كنمط لحكم العالم : تفكيك دول وحروب أهلية، عدم احترام السيادات السياسية، انفصالات، صعود للمذهبيات والعرقيات، اللجوء للديني والتلاعب به . هذه الأشياء والممارسات تمنع بكل الطرق قيام سلطات عقدية ” من العقد الاجتماعي والمدني ” تسير أمور البشر بطريقة كان الآباء المؤسسون في عصر الأنوار وما تلاه قد أرسوها لتمتين بنية الدولة ، والذي كان بدوره يقوم على ثلاث دعامات متوازنة :

1- حماية الدولة والمواطنين من الدين ومؤسساته من خلال الفصل بينه وبين الدولة ” العلمانية ”

2- حماية المواطنين من الدولة وسلاطتها وحمايتهم من غيرهم من المواطنين “الديمقراطية ”

3- حماية الدولة من المواطنين من خلال إرساء مؤسسات متوازنة في توزيع قوة الدولة ” الدستورية ”

تلك الأسس الأفضل، رغم كل مساوئها، قادرة على تكوين ” الدولة الديمقراطية” ذلك الإبداع الأجمل الذي أفرزه العقل البشري في سيرته الأخيرة الممتدة لأكثر من خمسة آلاف عام .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق