فقهاء وأُمـَّة: تجربة الإسلام السياسيّ في العراق

يعرضُ الباحث العراقيّ رسول محمد رسول في كتابه الموسوم بـ”فقهاء وأمّة: جذور العمل الإسلاميّ في العراق الحديث” تجربة الإسلام السياسيّ العراقية. ومنذ البداية يرى الباحث أنّ هناك جورًا قد وقع على تجربة الإسلام السياسي العراقية، إذ إنّ معظم المؤرخين قد تجاهلوا هذه التجربة الحية والفاعلة التي استطاعت أنْ تؤسس مشروعًا سياسيًّا وأيديولوجيـّا تبدو مظاهره جلية في تلك التشكّلات التنظيمية والتحولات الاجتماعية، علاوة على تأثيرها في تجارب الإسلام السياسي المبكّرة في المنطقة العربية. وينطلق الباحث من موجـّه تأويليّ يقيمُ تعارضًا بين الحركات الأصولية الإسلامية والإسلام السياسيّ، فإذا كانت الحركات الأصولية الإسلامية قد تشكّلت للمدافعة عن الإسلام الذي تعرض للنيل من المركزيات الاستعمارية الغربية فإنّ الإسلام السياسيّ يتجاوز أهداف الحركات الأصولية، فهو يسعى إلى إقامة برامج شاملة تنقل الحركات الأصولية من دائرة الفعل وردّ الفعل إلى إيجاد صياغات دينية حداثية. وحسب الباحث رسول محمد رسول فإنّ نضوجًا فكريًّا قد طرأ على مخططات الحركات الأصولية الإسلامية إذ أصبحت تعي رهاناتها الثقافية المعاصرة بحكم صدامها المتكرر بالغرب. وبعبارة أخرى فإنّ الباحثَ يُرجع أسباب تطور الأصوليات الإسلامية وإنضاج مشاريعها إلى الغرب الذي أوصلها إلى ضرورة تحديث برامجها وتطوير آلياتها في إطار المواجهة المعلنة والمفتوحة معه.

لقد انتقل خطاب الفقهاء من قضايا العبادات والمعاملات إلى البحث في الإسلام بوصفه هويـّة ثقافية تجابه تحدياتٍ داخلية، في مستوى الأمة، وتحديات خارجية، في مستوى العالم. وفي هذه اللحظة كان على المؤسسة الفقهية أنْ تستند إلى أدواتٍ معرفية تجعلها قادرة على مواجهة هذه التحديات التي كلـّفتها أنْ تعودَ إلى تراثها المعرفي بحثًا عن ملامح نظام معرفيّ يتّسم بالعقلانية والانفتاح ويجعل من المصلحة هدفًا ينبغي بلوغه.

ويتخذ الباحث من تجربة الإسلام السياسيّ العراقية أنموذجًا في المقاربة التي تنحو منحيين: منحىً تاريخيّا وصفيّا، ومنحى نقديّا تأويليّا. وسوف يمكـِّنُ هذا الإحكامُ المنهجيُّ الباحثَ من الإمساك بفرضيته المعرفية التي تسعى إلى القبض على تشكلات الإسلام السياسيّ من خلال البحث في الجوانب التنظيمية والحراك الفقهي أي ما تمكنت المؤسسة الفقهية العراقية من إنجازه في سبيل المواجهة الماثلة.

ينطلق رسول محمد رسول من ملابسات تجربة الإسلام السياسيّ العراقية التي كانت طيلة عقود طويلة عرضة للتدخلات الخارجية، إذ استطاع البويهيون، والسلاجقة، والصفويون، والقاجاريون أنْ يتدخّلوا في شؤون العراق الداخلية عن طريق فرض برامجهم الدينية التي تراوح حضورها في التاريخ والثقافة. بيد أنّ الإيرانيين، وبحكم أواصر الجغرافيا والمذهب والتعايش والنسب، قد استطاعوا كسب العراق وجعله امتدادًا معرفيًّا لمنظومتهم السسيوعقائدية، هذا من جانب ومن جانب آخر فقد مكـَّنت هشاشة العراق السياسية دول الجوار من تعظيم تطلعاتها الرامية إلى فرض الهيمنة والسيطرة. وعبر تأويل مضاعف، يرى رسول محمد رسول أنّ الإمبراطورية العثمانية كانت احتلالا سافرًا، إذ إنّ تطلعاتها التوسعية جعلها تصادرُ خصوصيةَ العراق الدينية، الأمر الذي مكـّن إيران من السيطرة عليه بعد صراع ظلّ يحتدم بين منظومتين متعارضتين إيديولوجيـًّا وعقائديـًّا ظلتا تسعيان إلى تحقيق مصالح إضافية عبر الدين. فكان أنْ دفع العثمانيون بـ”غزاة” حضنوا المذهب الحنفي، في حين قام الإيرانيون بتعزيز سطوتهم عبر تعزيزات مذهبية تتخذ من التصوف الشيعيّ مظهرًا من مظاهر السيطرة، مما أدى إلى تأجيج الفوارق المذهبية وتعزيز الانقسامات الطائفية.

وسوف تؤدي هذه الحالبة السالبة إلى انتصار الخطاب الأصوليّ، الذي يكشف عن رغبة شيعة العراق في الاستقلال والخروج من حالة التجاذبات والانقسامات، التي دفعت مؤسسة الفقه الشيعيّ إلى مراجعة برامجها الفقهية، لتحقيق إصلاحات ملحـَّة تهدف إلى إعادة النظر في مفاهيم الفهم والاجتهاد والتقليد التاريخية، بغية البحث عن وسائل منهجية تدفع المؤسسة الشيعية إلى مجابهة ما يتربص بها من تحديات وما يواجهها من معوّقات منهجية. ونتيجة هذه الظروف الإشكالية سيتمخّضُ عن هذا التطوّر بروز اتجاهين متصارعين هما: الاتجاه التقليدي، والاتجاه الاجتهاديّ. وسوف ينتصر الاتجاه التقليديّ لسببين، الأول: أنّ المقلدين رأوا في تقليد الأئمة ثابتًا منهجيًّا لا يمكن العدول عنه تحت أي ظرف أو مسوّغ. والثاني: أنّ المجتهدين الإماميين قد وقعوا في فخاخ الفقه السنيّ وانزلقوا عن برامج الفقه الشيعيّ وذلك في أواخر القرن الرابع الهجري إبّان سيطرة البويهيين. ولهذا كان أنْ تكونت أصولية شيعية فُرِض عليها أنْ تواجه تحديات مصيرية عندما قرّر الشيخ محمد بن عبد الوهّاب نشر الوهـّابية في العراق وفرض المذهب الحنبليّ في العراق عبر قوّة غاشمة وإيديولوجيا متطرّفة مذهبيـًّا.

وقد تمكنت الحركة الأخبارية التي انبثقت عن الاتجاه التقليديّ من صدّ الوهابية التي لجأت إلى الغزو المسلح، بعد تحالف الأمير عبد الله بن سعود ومحمد بن عبد الوهـَّاب في منتصف القرن الثامن عشر، وقد أدى هذا الغزو إلى أحداث دامية في أوساط العراقيين الذين تمكنوا وبفعل التفافهم حول أئمتهم من دحر الوهـّابيين وإفشال مخططاتهم الساعية إلى القضاء على مدينة النجف وتصفية علمائها وأعيانها.

ويمضي الباحث إلى تجلية معالم تجربة الإسلام السياسيّ العراقية عندما يسلـِّطُ الضوء على مجزرة كربلاء التي وقعت سنة 1825 في عهد الوالي داود باشا، حيث راح ضحيتها ثلاثون ألف مسلم عراقيّ بعد أنْ غزاها نجيب باشا العثماني في ما عرف بـ”غدير الدم”، بسبب تمرّد المدينة على حكم العثمانيين، ونقض طاعتهم. لكنّ الباحث يتناول هذه القضية ضمن رؤية إسقاطية تتجاهل طبيعة البطش العثمانيّ الذي لم يسلم منه العرب السّنة ولا العرب المسيحيون في بلاد الشام حيث قام جمال باشا السفّاح بنصب أعواد المشانق لكل المتمردين على الدولة العثمانية. فقول الباحث “قائد الجند النّاصبيّ مصطفى باشا” يُضفي على القراءة التأويلية التي وعد بها الباحث ضربًا من الانحياز والانفعال السلبيّ.

لقد نجح الإسلام الشيعيّ في العراق، حسب الباحث، في إيجاد أطر فكرية ومرجعية قيادية مثلـّت صمّام أمان للتنظيمات الاجتماعية. وقد ساعدها في ذلك ما تتمتع به من ثقل أيديولوجيّ نابع من إشرافها المطلق على “العتبات المقدّسة” التي ظلت قبلة طلاب المعرفة والعلماء المسلمين، الأمر الذي جعل تلك العتبات تنهض بمسؤولياتها المعرفية وواجباتها اللوجستية لصدّ أي خطر يتهدد مجتمعاتها ومنظومتها الفقهية التي لم تكن لتعترف بالحدود الزائفة التي تقسّم تنظيماتها الاجتماعية وتضعف قواها البشرية. فقد تصدّت المرجعية السامرّائية لصفقة التبغ الإيراني عام 1890 في زمن ناصر الدين القارجاي. والصفقة كانت مشروعًا بريطانيّا يهدف إلى دعم شاه إيران بأرباح التبغ بعد شرائه من المزارعين الإيرانيين بأثمان بخسة وبيعه للمستهلكين بأسعار عالية، الأمر الذي أدّى إلى انتفاض الشعب الإيراني وتمرّده الشامل عبر مدن إيرانية كبرى مثل: تبريز وأصفهان التي أصدر فقيهها آية الله النجفيّ فتواه بتحريم شراء التبغ، ليس هذا فحسب بل إنّ المؤسسة الفقهية استطاعت أنْ توجّه هذه الانتفاضة وتستثمرها سياسيًّا حيث انتصرالفقهاء والأمة على الحكومة القاجارية والاستعمار وأعوانه.
أما النوازل الفقهية فحدثت في عهد مظفّر الدين شاه الذي كان ضعيفًا في إدارة البلاد، الأمر الذي دفع رئيس وزرائه “الصدر الأعظم” إلى إحكام قبضته على البلاد وممارسة القمع بحق الفقهاء والأمة، حيث تمكن الفقهاء من الخروج من هذه المعركة الشرسة منتصرين بعد أنْ أعلنوا ثورتهم “ثورةَ دستور” استطاعوا من خلالها إجبار الشاه ورئيس وزرائه على سنّ دستور الدولة، ليكون ضمانة تضبط الحراك السياسيّ وتـُعين حدود الحاكمية.
لقد نجحت تجربة الإسلام الشيعيّ السياسيّ العراقية في تحقيق تجربة مهمة في الداخل والخارج حيث لم تتوان المؤسسة الفقهية الشيعية عن إصدار الفتاوى الداعية إلى الحض على الجهاد ضد الإيطاليين الذين أعلنوا الحرب على الدولة العثمانية عام 1911، حيث بدا خطاب الفتاوى عقلانيًّا لا يميز بين مذاهب المسلمين ومرجعياتهم الفقهية  فالتحم “أبناء الطائفة الشيعية والطائفة السنيَّة” في صياغة هذا الخطاب والتعبير عن مفاهيمه ودلالاته.
هيثم سرحان : جامعيّ من الأردن

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق