نصر حامد أبو زيد: – أصبحت أعارض مناقشة كلّ المسائل من منظور الدّين – الأصوليات القومية والاشتراكية هي في بنيتها العميقة أصوليات جهادية

رغم سنواته الطويلة التي قضاها في هولندا، يرفض المفكر الدكتور نصر حامد أبو زيد اعتبار غربته منفى، مشيرا إلى أنه تصالح مع أمه (مصر) منذ عام 2003 حيث احتفل مع عدد من المثقفين المصريين بمناسبة بلوغه عامه الستين، فضلا عن دعوته من قبل جامعة القاهرة للمشاركة في الاحتفال بعيدها المئوي، وهو ما يبدو نوعا من التكفير عن الإجراءات التي اتخذتها ضدها قبل أعوام واضطرّته إلى مغادرة مصر.

{{>ثمة إشكالية يثيرها بعض المفكرين حول علاقة الإسلام بمفهومي الديمقراطية والحرية، إذ يرى البعض منهم أن الإسلام بوضعه الحالي لا يستطيع الانسجام مع المفهومين السابقين، بيد أنك تعترض في إحدى حواراتك على مسألة ربط الإسلام بالحرية والديمقراطية، مشيرا إلى أنه ليس ضد مبدأ تطبيقهما، والسؤال: إذا كان الإسلام، حقا، ليس ضد الحرية والديمقراطية، فلماذا بتنا نشهد مؤخرا صعود تيارات إسلامية ذات نزعة أصولية إلغائية ترفض التعامل مع الآخر إلا من منظور ديني ضيق؟ ومن ثم إلى أي مدى يمكن للإسلام التعايش مع الثقافات والقيم الجديدة؟}}

>أصبحتُ في الآونة الأخيرة أعارض مناقشة كل المسائل والقضايا الاجتماعية والسياسية، بل والاقتصادية والعلمية والطبية، من منظور “الدين” أيا كان هذا الدين. هذا ما أُطلق عليه “تديين كل شيئ” كأنه لم يكن يكفينا تديين الدولة، التي من المفترض أن تكون دولة “المواطنين” القاطنين على أرضها بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية، لم يكن يكفينا هذا فانطلقنا في حمى عارمة نديِّن كل شيئ.

سؤال الحرية والديمقراطية سؤال سياسي اجتماعي فلسفي قبل أن يكون سؤالا لاهوتيا. في علوم اللاهوت في كل الأديان نوقش سؤال الحرية من منظور ضيق للدفاع عن حرية الإرادة الإلهية. أي أن النقاش انحصر فيما إذا كانت حرية الإنسان في اختيار أفعاله تنتقص من الحرية الإلهية أم لا. كانت هذه حدود النقاشات اللاهوتية.

في مجتمعاتنا الحديثة – أو التي تشبه أن تكون حديثة – حين يطرح سؤال الحرية يبدأ النقاش أوتوماتيكيا حول “الحدود” و”الضوابط”، حدود الحرية وضوابطها. أي أننا قبل أن نمارس الحرية نفكر في “القيود”. هذا يعكس فزعنا من الحرية، ومن الديمقراطية التي نتشدّق بالإيمان بها تشدقا بلاغيا، لكن لا أحد يمارسها مع زوجته أو أطفاله. وقليل هم المعلمون والأساتذة الذين يمارسونها مع تلاميذهم وطلابهم.

ومع ذلك سأجيب على السؤال: لا أجد فيما درست وتعلمت وبحثت وكتبت طيلة حياتي في الإسلام “مانعا” ضد الديمقراطية. والمسألة بسيطة، الديمقراطية مفهوم اجتماعي سياسي مرتبط بالدولة الحديثة التي لم توجد في عصر النبي ولا في عصر التابعين ولا تابعي التابعين.

حين انبثق سؤال “الديمقراطية” وجد البعض في مفهوم “الشورى” ما يسمح بتمرير الديمقراطية، لكن كان على هذا التأويل للشورى أن ينتظر انبلاج عصر الديموقراطية. هكذا ترى تأثير العصر في إعادة قراءة المفاهيم التراثية. لكن البعض يعتقد للأسف أن هذه الدلالة المعاصرة كانت كامنة في المفهوم بسبب تصور أنه مفهوم “مقدس”.

أما مفهوم الحرية فهو في تقديري محايث لأي دعوة دينية، فالنبي الذي يأتي بدعوة جديدة يدعو الناس إليها لابد أن يكون مؤمنا بحرية هؤلاء الذين يدعوهم وحقهم في تغيير اختيارهم الديني، بترك أديانهم والالتحاق بدعوته. بل إن كل دعوة دينية تحض الناس عل ممارسة هذه الحرية، وتنعي عليهم التمسك بتقاليد الآباء والسير على نهجهم.

القرآن مليئ بهذه العبارات التي تسخر من هؤلاء الذين يقولون “هكذا وجدنا آباءنا” فيرد القرآن “أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يفقهون”. لكن عملية لهوتة الدين – أي تحويل الدين إلى لاهوت – تحرم الناس من حريتهم التي على أساسها اختاروا هذا الدين بعينه.

تصبح “حرية الدين” مُحرمة، ويصبح سؤال الحرية مكبلا بالبحث عن الحدود والضوابط قبل بدء الممارسة. لا يدرك هؤلاء اللاهوتيون أنهم يحولون “الدين” إلى سجن، ويحولون الله – تعالي عن تصوراتهم – إلى “سجان”، ويصبح “الأنبياء” حرس سجون … الخ كل هذا الهراء.

{{>أبقى في إطار السؤال السابق، برأيك ما سبب صعود التيارات الأصولية السابقة إلى الواجهة؟ وما الفرق بينهما وبين حركات المقاومة الإسلامية (حماس- حزب الله) التي يمكن نعتها بالتشدد، اعتمادا على أنّ خطابها الإيديولوجيّ منسجم- إلى حد ما- مع التيار السلفي؟}}

>علينا أن نبحث عن الأسباب في علل المجتمعات وأخطاء وخطايا الأنظمة السياسية. الخطاب الديني – أكرر دائما – جزء من الخطاب العام. الأصولية الدينية تنتعش في مناخ مُشبع بالأصوليات، التي جوهرها الإيديولوجي امتلاك الحقيقة ونفي الآراء المخالفة واضطهاد أصحابها بالسجن والتشريد والقتل أحيانا. لنعد إلى الأصوليات القومية والاشتراكية، سنجد أنها في ينيتها العميقة أصوليات جهادية، يحل فيها “التخوين” و”العمالة” و”التحريف” محل “التكفير” و”الهرطقة” .. الخ. حين كان ثمة خطاب عام ليبرالي كان الخطاب الديني إلى حد ما ليبراليا متسائلا.

الفرق بين الأصوليات لا يوجد في منطلقاتها الفكرية. في المنطلقات الفكرية الأساسية – أكرر الأساسية – لافرق بين “حماس” والإخوان” ولا فرق بين “حزب الله” و”ولاية الفقيه” في إيران. قد يكون هناك خلاف في التفاصيل منشؤها انخراط “حماس” في قضية وطنية، انخراطها في المقاومة كمشروع سياسي لاستعادة الأرض.

وقد يكون اختلاف “حزب الله” عن “ولاية الفقيه” الإيرانية منشؤه الوضع اللبناني وتاريخ الشيعة في لبنان، وقيادة “حزب الله” للتصدي للمشروع الإسرائيلي. في هذه التفاصيل يكمن الاختلاف، لكنه لا يطال المنطلقات الدينية الأساسية. من هنا فإن تأييدي للمقاومة في لبنان وفي فلسطين لا يعني أنني أتردد في التصدي النقدي للأساسيات “الدجماطيقية” لكل منهما.

{{>في مقابل الحركات الأصولية التي تمارس زحفا قروسطيا سيقودنا إلى الهاوية، ثمة صعود لبعض التيارات الفكرية (القوميون الجدد، العلمانيون، دعاة المجتمع المدني) وكل منها يمتلك مشروعا جديدا وحلولا. كيف تقيم ذلك؟ وأين يكمن الحل برأيك؟}}

>لا أوافق على أن أحد هذه المشروعات يمتلك القدرة على الحل وحده، بل لا أعتقد أن هذه مشروعات جديدة أصلا. ما تحتاجه مجتمعاتنا هو مشروع تساهم في صياغته كل القوى المدنية – دون استبعاد أي فريق أيا كانت منطلقاته الإيديولوجية – التي تؤمن بضرورة التغيير وتسعى من أجل مجتمع حديث ديمقراطي متحرر، مجتمع يتمتع فيه كل المواطنين بحقوق قانونية متساوية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

ولا يتم الوصول إلى صياغة هذا المشروع إلا من خلال حوار مجتمعي شامل، وهو حوار لا يتحقق إلا بشرط توفر “الحرية”. من هنا السعي بكل السبل المدنية لانتزاع هذا الحق الأساسي من أنياب الطغيان والديكتاتورية والفساد.

{{>إذا كان الإصلاح الديني الذي ينادي به البعض –وأنت منهم- جزءا من الحل، فما هي الجوانب التي يجب أن يطالها الإصلاح؟ ولماذا يتعرض المفكرون الإصلاحيون (نصر حامد أبو زيد، محمد شحرور- سيد القمني وسواهم) إلى هجوم عنيف من الإسلاميين، فيما تعجز المؤسسات الدينية التقليدية “الأزهر وكليات الشريعة” عن إنتاج خطاب ديني يخلو من التلقين والتكرار، بل إنها- حسب صادق جلال العظم- تشهد انحدارا كبيرا بتنا نلمس بوادره في فتوى إرضاع الكبير وحديث الذبابة وغيرها؟}}

>الإصلاح الديني وصل إلى الحائط السد، حائط لا يمكن اختراقه إلا بقبول مراجعات جديدة لمسائل لم يتم مسها حتى الآن، مسائل من قبيل “المحرمات” في الخطاب العام، أو “اللامفكر فيه” حسب تعريف “محمد أركون”.

وثمة دراسة قمت بها ونشرت باللغة الإنجليزية بعنوانReformation of Islamic Thought: A Critical Historical Analysis,
WRR-Verkenning no 10, Amsterdam University Press, 2006.

في هذه الدراسة رصدت إنجازات مشروع الإصلاح الديني في العالم الإسلامي – باسثناء تركيا – ووجدت أن كل الإنجازات تتوقف حيال القرآن عاجزة عن إنجاز مدخل نابع من إعادة الاعتبار للظاهرة القرآنية كظاهرة “خطابية” بالأساس.

أرجو عدم الخلط بين “الخطابية” كمفهوم مرتبط بعلم الخطاب في الدراسات اللغوية والفلسفية الحديثة وبين مفهوم “الخطبة” بمعنى المواعظ التي يلقيها القسس والمشايخ في الكنائس والمساجد. حالة “اللامساس” بالقرآن وعدم الاقتراب منه خارج نطاق أسوار التراث هي عنق الزجاجة التي على مشروع الإصلاح الديني أن يجتازها.

هناك محاولات جديرة بالاعتبار في الفكر الشيعي في إيران، التي هي على وشك اجتياز مرحلة تذوق الثمرة المحرمة (الدولة الثيوقراطية). إن محاولات الذين ذكرتهم لا تخرج عن محاولة البحث عن المعني الجديدة ولكن من خلال التوجيهات والأدوات القديمة، عن طريق صب المعنى الجديد في قالب قديم.

الفشل الذي تعانيه حركات التجديد في كل مجتعاتنا ليس فشلها الذاتي وحدها، ذلك أن هذا الفشل الذاتي ينبع من احتقان مجتمعي كامل يعاني منذ فترة طويلة جدا من غياب أفق لإنجاز أبحاث حقيقية – جديرة بهذا الإسم – في مجال دراسة الدين. مجتمعاتنا ومؤسساتنا التعليمية والأكايمية مشغولة بتعليم الدين لا بدراسته. كل محاولات الدراسة تعرضت لدرجات من الإيذاء. “محمد عبده” يعاني من غياب أفكاره غيابا تاما في البرامج الدراسية للمؤسسة التي كان ينتمي إليها.

هذا الاحتقان المجتمعي طال مداه حتى تحول إلى حالة مقبولة من الجميع، خاصة في الشأن الديني. تم تجريف الدين، زالت خصوبته وتحول إلى “وقود” – مجرد وقود – يحرك العربة السياسية، أو يحفز على المقاومة. في عملية التجريف تلك تم خصاء العقول، فتقدمت “الفتوى” في عصر الإعلام المرئي لتخبر المواطن بما عليه أن يفعله في أي أمر، بدءا من شروط الطهارة حتى كيفية الجماع مرورا بنقل الأعضاء.
إنها سوق “الفتوى”، ليس فقط إرضاع الكبير، بل تحريم المظاهرات، وتحبيذ وراثة الحكم، واعتبار أن تدخل الحكومات في تحديد أسعار السلع ضد الدين (النبي لم يفعل ذلك ولا الصحابة. تصور!) كل هذا يعود بنا من جديد إلى سؤال “الحرية”.

{{>دعني أنتقل إلى موضوع آخر، بعد 11 أيلول ظهرت مقولات كثيرة ومفاهيم جديدة منها “الإسلاموفوبيا” و”الإرهاب الإسلامي”. هل هناك حرب على الإسلام، وهل هناك كره غربيّ له، وما رأيك في مفهوم “صراع الحضارات” الذي جاء به صموئيل هنتنغتون؟}}

>الإرهاب ظاهرة لم يخلقها الغرب، دعنا نتفق على الأساسيات، بل إن الغرب قدم الحماية لبعض من اتهموا بالإرهاب حماية لهم من دولة اللاقانون واعتقال الناس وسجنهم لأجل غير مسمى لمجرد الاشتباه.

الغرب لا يحب ولا يكره في السياسة: الأعداء يصيرون أصدقاء، والأصدقاء يصيرون أعداء وفقا لتغير مؤشرات المصالح. المسلمون يمثلون حضورا مكثفا في الغرب منذ عقود وكانوا يتمتعون بحقوقهم وحريتهم الدينية بلا مشكلات ضخمة إلا في حالات قليلة تؤكد القاعدة آنذاك.

الخلاف اللاهوتي بين الإسلام والمسيحية قديم، ومن هنا يمكن في الفضاء الديني أن نتحدث عن “مساجلات” في الكنائس والمساجد هنا وهناك. كتبت كتب كثيرة ضد الإسلام وضد النبي محمد، كما كتبت كتب كثيرة ضد المسيحية والمسيحيين. كل هذا عادي وطبيعي. المشكلة تبدأ من تديين الصراعات السياسية بين الغرب والشرق. تبدأ حين يمتطي الاستعمار مطية “التبشير” فتحمله الكنيسة على أكتافها، وحين يمتطي المناضلون ضد الاستعمار والاحتلال مطية الدين فيؤدي بهم ذلك إلى اعتبار المواطن غير المسلم “غير وطني” ولو ضمنا.

إسرائيل، وإنشاء دولة إسرائيل مثال وشاهد حي على ما أقول؛ فالمشروع الصهيوني كمشروع هو مشروع علماني، وقادة المشروع كانوا ملاحدة. لكنهم احتاجوا “الدين” غطاء لتحقيق أحلامهم السياسية. المقاومة مشروع سياسي علماني، لكنها تحتاج الدين كمحفز، فتقع في “الدوقماطيقية”، وتحرم “غير المسلم”، ضمنيا إن لم يكن فعليا، من ان يكون جزءا من المقاومة.

مفهوم “صراع الحضارات” نبوءة سياسية لا يجب فصلها عن مفهوم “نهاية التاريخ”، وهذا الأخير يبدو مفهوما سياسيا، لكنه مشبع بدلالات دينية “يوم الحق”.

الاحتقانات السياسية المحلية والدولية أدت إلى خلق مشروع اسمه “القاعدة”: تضافرت مصالح الأمريكان – السياسية والاقتصادية – بمصالح الأنظمة العربية المحلية، الأولي تريد جلاء الروس عن أفغانستان لتضع أقدامها في آسيا عن طريق تطويق إيران والعراق. الأنظمة المحلية فشلت في التعامل مع الإرهاب بكل أدواتها الأمنية القمعية، فوجدت حلا في السماح لهم في السفر لأفغانستان.

انتهت المشكلة، وتضخم تنظيم القاعدة، فكان حدث البرجين. هكذا تجمعت الخطوط؛ فثبتت نبوءة “صراع الحضارات”، وبدأت مسيرة “الحرب على الإرهاب” لاستكمال المشروع الأمريكي. أوضاع المسلمين في المجتمعات الأوروبية عامة تعرضت لانتكاسة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة نتيجة لاقتصاد العولمة الذي يجد معارضة شعبية كبيرة في كل مكان.

قدم حدث الحادي عشر من سبتمبر مبررا كافيا لتحميل المهاجرين بشكل عام – والمسلمين بصفة خاصة – مسئولية هذه الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية وعجز الأنظمة اليمينية عن التعامل معها. اكتسب هذا التبرير مشروعيته من التأثير الإعلامي الطاغي وتأثير الأموال الخليجية – والأموال السعودية بصفة خاصة – على خطاب الإسلاميين – أو بعضهم – في الغرب.

استطاع هؤلاء أن يجعلون من معاناة العراقيين والفلسطينين زادا يوميا للشباب المسلم بصفة خاصة، الأمر الذي جعل الإحباط الذي يعانونه يجد متنفسا في صور البطولة (!) في العراق وفلسطين، الأمر الذي أدى الي منح خطابات القاعدة الصوتية والمرئية مذاق عالم الشجاعة والحرية. هكذا اختلط كل شيء بكل شيء عند الجميع بلا تمييز، وهكذا وصلنا إلى ما نحن فيه من تعقيدات يظنها الجميع من الدين، وصار الإسلام سجين هذه التعقيدات بلا ذنب جناه.

{{>في ذات السياق كيف تفسر نشر الرسوم المسيئة للرسول، والتي أعادت نشرها مؤخرا عدد من الصحف الأوروبية؟ وكيف تقرأ ردود الأفعال المختلفة عليها، بدءا بمظاهر العنف وإحراق السفارات، ومرورا بالرسوم الإيرانية للمحرقة، وانتهاء بمقاطعة البضائع الدنمركية؟}}

>أراها بالونات اختبار للمسلمين هنا وهناك، بالونات اختبار ليس إلا. فشل المسلمون ونجح كل من يدعي أن الإسلام ضد الحريات.

{{>لا شكّ أنّ الرسوم السابقة تدخل في إطار حرية التعبير عن الرأي، وهي حرّيّة نفتقد لها في مجتمعاتنا، ولكن هناك من يأخذ على الحكومات الغربية تضييقها على بعض الأقليات ومنعها من ممارسة شعائرها الدينية، فضلا عن رفضها بعض الرموز الدينية كالحجاب مثلا، ما رأيك بذلك؟}}

>نعم إنها تدخل في إطار حرية التعبير، وتضييق الحكومات على المسلمين يدخل في نفس الإطار. علينا الدفاع عن الحق أولا، وليس تبرير الباطل – أعني الضيق بهذه الحرية والاستجابة بالعنف ضدها – بباطل آخر. أعني التخلي عن “السجالية”.

{{>بعيدا عن وهم الأسئلة وسجالاتها، دعني أسألك: نصر حامد أبو زيد من أنت؟ وماذا يعني لك الشيخ أمين الخولي الذي أجده في أغلب كتاباتك؟ ومصر “أمك” لماذا تركتها “بخاطرك يا مصر” ؟ وهل يُعقل أن تتحول الجامعة “هذه المؤسسة الفكرية” من مركز فكري تنويري إلى منبر تكفيري؟ وهل حقيقة نحن نعاني هذه الدرجة الكبيرة من الانحدار الفكري كي تنسحب الثقافة من الجامعات إلى الجوامع، ويتحول دعاة الدين الجدد إلى “مفكرين” وناظمين لشؤون الحياة، فيما يقبع أعمدة الثقافة والفكر في السجون والمنافي؟}}

>أظنني أجبت عن كل ذلك في إجاباتي السابقة المطولة. أمين الخولي هو الشيخ الذي حاول اختراق الأسوار الكلاسيكية لحماية القرآن – أسوار اللامساس – بتأكيده أن بنية القرآن بنية أدبية، وأن المقاربة الناجعة هي المقاربة الأدبية قبل التشريع والأخلاق واللاهوت … الخ. هذا هو المنهج الذي يمثل بدايتي وأرجوا أن أكون بعملي أساهم في تطويره.

في احتفالية جامعة القاهرة بعيدها المئوي دعيت للمشاركة في مؤتمر عقدته كلية الآداب بهذه المناسبة. بالمناسبة هذه هي الدعوة التي طال انتظاري لها خلال الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة. لبيت الدعوة وقدمت ورقة بعنوان: “مدرسة التفسير الأدبي وكسر احتكار فهم النص”، عرضت فيها لبذور هذا المنهج عند “محمد عبده” وتطوره عند “طه حسين”، وتأزمه في قضية “الفن القصصي” لمحمد احمد خلف الله.

هكذا يمكن أن تقول أن المصالحة اكتملت، لأنني كنت قد بدأت المصالحة بزيارتي لأمي مصر عام 2003 بمناسبة بلوغي الستين، وقد احتفل مثقفو مصر بعيد ميلادي احتفالا لم يكن ممكنا أن أحلم به. في الأسبوع الأول من هذا الشهر أيضا وقبل مؤتمر كلية الأداب ألقيت محاضرة بعنوان “الفن وخطاب التحريم” نظمتها مؤسسة المورد الثقافية بالقاهرة بالتعاون مع مؤسسة “شمس” في بيروت.

في بيروت ألقيت المحاضرة في “مسرح الشمس”، لم تكن أول محاضرة لي في بيروت، فأنا ضيف دائم في لبنان. أما محاضرة القاهرة فلم تتسع لها سوى القاعة الشرقية في الجامعة الأمريكية. قبل ذلك كنت ضيفا دائما في الندوات السنوية للجمعية الفلسفية المصرية. اكتملت عناصر المصالحة والتأمت الجراح بالجمهور الذي شرفني بالحضور في القاهرة، أغلبية من الشباب من الجنسين. كم هذا مفرح وجميل. عمار يا مصر رغم الاستبداد والطغيان والوراثة – أو التوريث – فالمستقبل محمل بالبشارة.

{{>سؤالي الأخير، أود الاطلاع حقيقة على طبيعة حياتك في المنفى، وهل هو منفى اختياري، أم أنك لا تريد العودة إلى مصر؟ وما هي الصعوبات التي تعانيها الآن على الصعيد الشخصي والفكري؟ ثم لماذا اخترت هولندا ولم تلجأ للتدريس في إحدى الجامعات العربية؟ وأخيرا: ما هي آخر الأبحاث التي تعمل عليها الآن؟}}

>قلت الكثير عن ذلك أيضا فيما سبق. أنا منذ البداية أرفض أن يصنف وجودي في هولندا بالمنفى؛ إنها غربة ليست أسوأ من غربة الداخل. لكني أطل دوما على الأوطان – وليس مصر فقط – كما أنها تطل علي. سافرت إلى بلاد عربية كثيرة بدعوات من مؤسسات غير حكومية. أخر هذه السفرات كانت إلى قطر بدعوة من جامعة “جورج تاون” الأمريكية في الدوحة. المؤتمر – التجديد في الإسلام – باللغة الإنجليزية، شاركت فيه أسماء كثيرة مثل حسن حنفي ومحمد أركون وأدونيس وطارق رمضان.

أحس عدم رضا أن أتكلم الإنجليزية في منتدى يعقد في أي بلد عربي. اختياري هولندا – واستمراري فيها رغم كثير من العروض المغرية من جامعات أمريكية مشهورة – كان نابعا من علاقة قديمة مع مؤسسة “بريل” للطباعة والنشر، المؤسسة التي نشرت الموسوعة الإسلامية منذ العشرينات (طبعتان وبدأت الطبعة الثالثة).

وقت الأزمة كنت مشغولا مع “بريل” في مشروع “الموسوعة القرآنية” الذي اكتمل وصدر في خمس مجلدات باللغة الإنجليزية. كان طبيعيا إذن أن تكون هولندا هي اختياري بحكم الصلة لا بدار النشر ومشروعاتها فقط، بل المؤسسات الهولندية الأكاديمية في هولندا بصفة عامة.

هناك سبب آخر عملي، هو أنك في هولندا يمكن أن تمارس حياتك دون أن تضطر إلى تعلم اللغة الهولندية. هذا كلام لا تحبه الحكومة الهولندية الآن. لكني أدرس وأمارس حياتي بالإنجليزية دون عقبات تذكر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This