أفكار ومراجعات السلفية الجهادية تحت المجهر

وفقًا لتعبيرات ميشيل فوكو، فإنّ الأصولية المؤسسة لجماعة أيديولوجية مّا، في مرحلة التأسيس والتنظير، تمثل رافد تكوين الجماعة الأيديولوجية، ولكن مع دخول الجماعة الأيديولوجية حيز التاريخ وممكناته ونسبيته، وانغماسها في موازين القوى القائمة فيه، تتحوّل الأصولية المؤسّسة إلى أصولية مرنة، وتصير أيديولوجية عضوية لا تأسيسية. في هذا السياق نجد أنّ الروافد التأسيسية التي ساعدت على تكوين التنظيمات السلفية الجهادية، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الرصد والتفكيك، بالإضافة إلى تقييم أثر كل رافد على حدة، قبل دراسة أثر المزج بين عدة روافد في إنتاج أيديولوجيا الرعب الجهاديّ؛ وذلك في سبيل تفكيك المنطلقات الفكرية والمقولات الأيديولوجية التي تكون بنية خطابات ومرجعية التنظيمات الجهادية المعاصرة، بدلاً من الاكتفاء بترديد المقولات الجامدة، وأحيانًا السطحية، التي لم تتعرّض بدورها للنقد.

يعاني سوق الأفكار من نقص واضح في الدّراسات العربية التي تتناول أفكار منظّري التنظيمات الجهادية وكتاباتهم، وهي الكتابات التي تشكِّل عالمًا دينيًا يسبح في فضاء شبكة المعلومات العنكبوتية، ويغزو عقول آلاف الشباب في مختلف بقاع الأرض، ويترك آثاره مصبوغة بالدم في العديد من بلدان العالم. ويظهر هذا النقص في استمرار اعتماد كثير من المحللين على آراء المتخصّصين الغربيين في مجال دراسات الحركات الإسلامية، وهي رغم ثقلها وأهميتها لا تُغني عن ضرورة ولوج الباحثين العرب هذا العالم وسبر أغواره، ودراسة خطابه وتفكيك بنيته وطرح التصوّرات عن مصيره ومستقبل تحوّلاته، خاصة في ظلّ تحوّل كثير من الباحثين العرب الذين اشتهروا بتخصّصهم في مجال الحركات الإسلامية إلى كُتّاب مقالات في الصحف العربية، وهو ما يستنزفهم ويستهلكهم، على حساب إنتاج الدراسات والأبحاث الجادّة في مجال تخصّصهم.

من هنا تأتي أهمية دراسة “القاعدة والسلفية الجهادية: الروافد الفكرية وحدود المراجعات” للباحث هاني نسيرة، والتي صدرت مؤخّرًا عن سلسلة كراسات إستراتيجية في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.

في البداية يظهر اهتمام الباحث بنتائج دراسات الباحثين الغربيين المتخصّصين في حركات الإسلام السياسيّ، مثل أوليفيه روا وجيل كيبل، إلا أنه يتشكك في صحّة ما يروّجه هؤلاء الباحثون حول فشل المشروع الجهاديّ القاعديّ، استنادًا إلى مراجعات صدرت عن عدد من رموز المشروع أو إلى قراءة مبتسرة تسعى إلى تأكيد الفشل عبر إخفاق الجهاديين في تحقيق هدفهم المركزيّ المتمثل في إقامة دولة إسلاموية، فضلاً عن سقوط ما أنشئ منها بالفعل، ناهيك عن احتكام الحراك الإسلامي السياسي إلى مضمار خاضع لسيطرة عملية العلمنة. إذ يرى الباحث أنّ هذه الأطروحات تحمل ميلاً للحسم يتّسق مع موقف فكريّ عالميّ ينتشي بمقولة النهايات.

ويدعم الباحث مقولته حول التشكيك في قرب نهاية الإرهاب القاعديّ، بمعطيات عدة مثل تسارع وتيرة التجنيد والفعل الجهاديين، بالإضافة إلى التطورات الفكرية والتنظيمية الجزئية التي تمت داخل التنظيم مما يتيح له الاستمرار والبقاء رغم ما يواجهه من تحديات. ويضيف الباحث ما وصفه بمناخ عالميّ وإقليميّ مواتٍ لخصوبة أفكار التنظيم وأهدافه، ويرسم ملامح هذا المناخ باستمرار الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وتأزّم الأوضاع في غزّة والعراق، ومأزق الديمقراطية في العالم العربي الذي طال انتظاره لربيع الديمقراطية الذي لا يجيء.

ويرى الباحث أنّ في أعماق الفكر الجهادي القاعدي، يتبدّى أنّ هذا الفكر لا يسعى فحسب إلى ممارسة التبرير الأيديولوجي لإزاحة فعل العقل ذاته، بل يسعى كذلك لإزاحة أية تصورات وتفسيرات دينية سلمية أو تاريخية تتعارض مع تأويلاته للدنيا والدين. كما يذهب إلى أنّ المقولات والمصطلحات التي تم صكّها وتدشينها كأدوات إستراتيجية في حرب الأفكار ضدّ القاعدة ورؤيتها للعالم، من قبيل تجديد الخطاب الدينيّ وإصلاح مناهج التعليم الدينيّ، لم تفِ بعدُ بالغرض منها، بل إنها لا تزال مطلبا يفتقد إلى الإنجاز الفاعل.

وينتقد ما وصفه بالأساطير التي تروّج عن الإرهاب الإسلامويّ، إذ يرفض تصوير مجموعاته بأنهم مجرد جماعة من اللاعقلانيين يتسمون بالعشوائية ومعاداة الحداثة، أي أنهم يقدمون فكرًا عدميًّا فوضويًّا فحسب، حيث يرى أنّ هذا ينفي الرابط بين هذا الفكر الجهاديّ القاعديّ، وبين أيّة أنظمة فكرية أو دينية انطلق منها وساهمت في تأسيسه، وهو ما يعني إلغاء السياقات الفكرية والاجتماعية المنتجة لخطابه.

كما أنّ هذه الفرضية توكل عمليّة الحرب على الإرهاب بالكامل لأصحاب الحلول الأمنية والعسكرية التي لا تثبت دومًا أنها ناجعة. أيضًا ينال هذا التصور من قدرة وجدوى المواجهات الفكرية للأفكار العنفية، وتفكيك تصوراتها الدينية عبر نقد مفاهيمها المؤسسة مثل “الطاغوت”، “دار الإسلام ودار الحرب”، “الولاء والبراء”، والأخطر تصورها ومفهومها عن الدولة الإسلامية.

وهذه الفرضية أيضًا تتجاهل حقيقة أنّ المرجعية الفكرية والأيديولوجية لتنظيم القاعدة استطاعت تجنيد العديد من كوادرها، بانتزاعهم من عمق الحداثة التي تربّوا فيها، وهو ما يؤكد حضور منطق أيديولوجيّ ينفي العشوائية المزعومة.

ويبرهن الباحث على قصور المواجهة الفكرية المستنيرة لفكر القاعدة، بأنه بينما تشتهر بيننا أسماء القادة الميدانيين للتنظيم أمثال بن لادن والظواهري والزرقاوي، فإننا نكاد نجهل أسماء المرشدين الروحيين والمنظرين الفكريين للتنظيم أمثال أبي محمد المقدسي والطرطوسي وعبد القادر بن عبد العزيز في النصف الأول من حياته، وغيرهم. حيث يسود في الدراسات والكتابات التي تتناول تنظيم القاعدة الوصف العملياتي الذي يهتم بالآثار والأخبار على حساب الأفكار وما ينتج عنها.

يرصد الباحث من خلال متابعته لأطروحات السلفية الجهادية الفجوة الواسعة بين مراكز ودوائر الخطاب لديها، وبين الانشغالات الفكرية التي يتمركز حولها خطاب كثير من الإسلاميين الآخرين، بمختلف توجهاتهم الفكرية. وذلك في قضايا من قبيل التجديد والصورة الحضارية للإسلام والمواطنة والعلاقة بالآخر.

ويفسّر عدم اكتراث السلفية الجهادية لهذه الإشكاليات بأنّ خطابها يتشبّع بـ “الاكتفاء النظري” فلا يتفاعل مع ما يوصف بقضايا العصر، ويعتبر التجاوب والتعاطي معها جرمًا كبيرًا مثل استحسان الديمقراطية. ومن منطلق هذا الاكتفاء ترفض السلفية الجهادية أية تشريعات وطنية أو دولية؛ إذ لا تشريع إلا من الله، ومن منطلق هذا الاكتفاء أيضًا يأتي دعم السلفية الجهادية لمقولة صراع الحضارات باعتبارها سنّة ربّانية، وهي التدافع بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وتترسخ لديها فكرة أنّ الجهاد هو القانون الوحيد الصالح للتعامل مع غير المسلمين حتى يُسلموا!

ويؤكد الباحث أنّ القراءة والتعاطي مع مجمل الحركات الإسلامية عبر مداخل تفسيرية كلية مثل السلفية أو الأصولية ليس كافيًا؛ حيث تتجاهل التميزات والاختلافات فيما بينها وتكتفي برؤيتها لها كمجرد تلوينات لبنية خطاب واحدة. كما أنّ هذه المداخل التفسيرية المختزلة، وغير الدقيقة كذلك، تبقى سطحية بطرحها التعميميّ، وليس بمقدورها سبر أغوار وأعماق أطروحات وخطابات الحركات الإسلامية. فكل حركة من حركات الإسلام السياسيّ تتمتّع بخصوصية في تكوينها وتطوّرها في كل مرحلة، وهو ما يجعل إنتاج الباحثين للمداخل والنماذج التفسيرية لفهم هذه الحركات مهمّة ليست بالبسيطة.

في إطار مراجعة الباحث لـ “مراجعات وتحولات السلفية الجهادية”، أشار إلى واحدة من أهم المراجعات في تاريخ منظّري الفكر السلفيّ الجهاديّ، وهي مراجعات أبي الأعلى المودودي؛ إذ أن المودودي وافق الشيخ أبا الحسن الندوي في نقده لتفسيره السياسيّ للإسلام، وذلك في كتابه الذي صدر في نهاية السبعينات قبل وفاة المودودي، وتعرض فيه للمفاهيم المركزية التي نحتها المودودي وسيد قطب، وبخاصة مفاهيم الحاكمية والدين والعبادة والألوهية.

أمّا في سياق تناول المراجعات الأخيرة التي نشرها الدكتور فضل، فإنه يتبدّى لنا حقيقة أنّ “المراجعات” تعتبر سمة عامة في تاريخ الخطاب العربي المعاصر بمختلف أطيافه وتنويعاته، ساهم في إذكاء وقودها عبر العقود الماضية، تلك اللحظة الممتدة من التوتر التي لا تزال تعيشها النهضة العربية المعاصرة.

ويذهب الباحث إلى أنّ مراجعات الدكتور فضل تُعدّ خطوة متقدمة منه لفهم أعمق للدين وأحكامه، ثم يقدّم عرضًا مكثفًا لتاريخ الخلاف الفكري بين فضل والظواهري، قبل أن يستعرض أوجه القصور في المراجعات؛ إذ أنّ المراجعات لم تول الاهتمام المتوقّع للمنطلقات الفكرية الرئيسية في فكر التنظيم، ورغم أنها أتت ضدّ هذا الفكر إلا أنّ هذا يتّضح فيما يتعلّق بالشقّ العمليّ، بينما يتّسم موقف المراجعات من بعض المفاهيم التأسيسية لهذا الفكر بالغموض، ولعلّ من أهمّ تلك المفاهيم وأخطرها ما يتعلق بالخروج على الحاكم؛ فالدكتور فضل لا يذكر موقفه السابق من تكفير الحاكم، بل يكاد يلوّح بموافقته على هذا التكفير!!

ويُلاحَظ على مراجعات فضل أنّه رجع إلى مبدأ الواقع كحاكم للتنزيل وإسقاط النص عليه، وكذلك طرح تأويل موازيا ومفارقا لتأويلات السلفية الجهادية، وهي الشبهات التي رفضها سابقًا، وكان قد قال بها بعض العلماء الرافضين لتكفير الحكومات التي تحكم بالقوانين الوضعية. ورغم الدقة التي بدت في عنوان المراجعات “وثيقة ترشيد للعمل الجهادي”، والتي تمتلئ إصرارًا على رفض فكر القاعدة وممارساتها؛ إلا أنّ المراجعات لا يزال يعوزها العمق الفكريّ والنقديّ، خاصة إزاء تأسيس مفاهيم الوطن والحرية والديمقراطية والمواطنة والآخر والدولة. ورغم أنّ مراجعات الدكتور فضل تساهم بقوة في خلخلة عنيفة للفكر السلفيّ الجهاديّ إلا أنّها لا تمثل هدمًا له.

كما أنّ صاحب المراجعات لم يمارس النقد على سابق أفكاره وكتبه ذائعة الصيت بين الجهاديين، فضلاً عن أنّ وضعيته كمعتقل تسمح لمعارضيه والمتضرّرين من مراجعاته بأن يشكّكوا في مقولاته. كذلك تكمن الخطورة في أنّ القاعدة صارت تملك نظامًا فكريًا أمتن من الجماعات العنفية العشوائية الأخرى، وفي هذا السياق يأخذ الباحث على الدكتور فضل عدم اشتباكه مع المصادر الرئيسية للسلفية الجهادية، بالإضافة إلى التباس موقفه من الفكرة الجهادية برمّتها، فهل يدعمها أم يتخلّى عنها، أم أنّه فقط ضدّ من يقود حركتها الآن؟!!

وانتهت الدراسة إلى أنّ المراجعات تنقصها متابعة جادّة وسجال حقيقيّ فعَّال مع أطروحات صاحبها القديمة، إذ أنّ هذا وحده كفيل بإحداث الأثر المرجوّ في خلخلة الفكر السلفي الجهادي القاعدي وتقويضه. كما يرى الباحث أنّ الدلالة الأهمّ والمفارقة في آن، هي امتناع العنف عن أن يكون خيارًا سرمديًا للجماعات التغييرية على مختلف مشاربها، وأنّ التاريخ والواقع سيظلاّن يمارسان فعلهما في الأيديولوجيات الانقلابية عليهما، ولا مناص من تصالح هذه الأيديولوجيات مع الواقع والالتحام به.

ويدعو الباحث مختلف النخب السياسية والفكرية إلى استثمار هذا التراجع السلميّ والتأسيسيّ المفارق لايديولوجيا العنف لصالح أيديولوجيا الأمن، من أجل الدفع نحو المزيد من الحراك السياسي، وهو ما يأخذه الباحث على كثير من القراءات التي تناولت مراجعات الدكتور فضل بتجاهلها لهذه الدلالات، وفي النهاية يؤكّد أنّ المراجعات ستحدث أثرها ببطء؛ إلا أنّها كذلك بحاجة إلى موجات متتالية من المراجعات، لنقد أكثر عمقًا للأفكار التأسيسية للسلفية الجهادية وروافدها التاريخية والمعاصرة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق