المعجزة والإيمان في الإسلام

 

يأخذنا جورج طرابيشي في جولة مزعجة يطلعنا فيها على حكايات معجزات متنوعة في كتابه “المعجزة أو سبات العقل في الإسلام” الصادر مؤخرا عن رابطة العقلانيين العرب بالتعاون مع دار الساقي. الإزعاج الذي يصيبنا جراء قراءة هذا الكتاب لا يأتي من طريقة عرض الكاتب للموضوع ولا من طريقة تحليله لظاهرة المعجزة في الإسلام، بل على العكس فقد يبدو أن الشيء الممتع في الكتاب هو جدية الكاتب بتقصي أطراف مسألته وبإيلائه، كعادته، موضوع بحثه كل اهتمام، ممارسا موهبته النقدية. فنراه في هذا الكتاب لا يفوّت آية قرآنية أو حكاية ذات صلة بالموضوع إلا ويعرضها ويوردها، وربما سيرى البعض أنه أثقل على كتابه بعض الشيء بكثرة ما يورده من روايات مع تفاصيلها. وقد يكون هذا الإسهاب في عرض الحكايات جاء ليخدم مشروعه النقد – نقدي، الذي يخبرنا في المقدمة بأنه في صدد إنجاز الجزء الخامس والأخير منه، أكثر مما يخدم معالجة موضوع “المعجزة ومنطق المعجزة في الموروث العربي الإسلامي”. لدرجة يبدو معها هذا الكتاب بمثابة هامش طويل ملحق بمشروعه “نقد نقد العقل العربي”.

الكتاب مزعج بمقدار ما يواجهنا بضخامة حجم الخرافة واللامعقول في موروثنا الثقافي المكتوب والمعتدّ به، ولا يقتصر وجوده فقط على صعيد الموروث الشفويّ. وهذا الإحساس ربما يكون متأتيا من شعورنا أننا ما زلنا ننتمي إلى هذا الإرث ولم نحقق أي قطيعة معه على أيّ مستوى. فالحديث عن تاريخنا الإسلاميّ يختلف عن الحديث عن تاريخـ”نا” الجاهلي. فبأحسن الأحوال يمكن أن نعتبر الجاهليين أسلافا لنا لا أكثر، بعد أن تبرأنا منهم أو من تبعاتهم منذ جاء الإسلام وأقام قطيعة معهم ومع ثقافتهم وموروثهم. نتعاطى معهم بطريقة موضوعية محايدة فلا نحمل وزرهم إن وأدوا بناتـ”هم” أو استباحوا نساء”هم”، فتاريخهم ليس تاريخنا، بخلاف موقفنا تجاه تاريخنا الإسلامي في قتل بناتـ”نا” واستباحة نسائـ”نا”. وهذا يتطلب منا عدم الاستخفاف بما نراه من خرافة معاصرة تشغل أذهان ناسنا الراهنين وعدم اعتبارها مجرد نتاج عامّة جهّل (ليس آخرها رؤية انعكاس صورة صدام حسين يوم إعدامه على سطح القمر)، فالأمر أعمق من ذلك وأخطر، وهذا ما يحاول أن يشير إليه طرابيشي في كتابه الجديد.

وإن كان العرب المعاصرون ما زالوا عاجزين عن إقامة القطيعة مع هذا الموروث الخرافي، فإنّ الإسلام القرآني أيضا أخفق، رغم تمكّنه من إقامة قطيعة باتة مع الجاهلية، بإلغاء المعجزة رغم كل الموقف الحاسم للنص القرآني بحجب المعجزة عن الرسول وحصرها فقط بالله، ورغم كل التعفف الإلهي عن الإتيان بمعجزات جديدة. ويعرض لنا طرابيشي في كتابه هذا عشرات الآيات التي تصرّح بامتناع الله عن القبول باعتماد المعجزة لإثبات حقيقته وصدق رسوله، رافضا الخضوع لمطالب اللامؤمنين أو المؤمنين أو حتى الرسول بتقديم أية معجزة جديدة، مكتفيا لإثبات ألوهته بقرآنه الذي يرى أنّ أيّ بشريّ عاجز عن الإتيان بمثله، ومحاججا بمقدرته على خلق هذا الكون بضخامته وما يتصف به من تعقيد ودقة في نظامه ونواميسه، معتبرا أن في ذلك أكبر دليل على صدق قوله وقول رسوله.

إلا أنّ الدين الإسلامي، بعد موت رسوله، ما كان يمكنه الاستمرار في نشر دعوته وترسيخها بالاعتماد فقط على معجزته العقلية والقرآنية، بل احتاج إلى الاستعانة بآلاف المعجزات ونسبها إلى رسوله. فما الذي جعل المسلمين يصدقون ويقبلون ويعتمدون روايات تؤكد قيام الرسول بمعجزات حسية ولفظية، تفوق معجزات سابقيه من الأنبياء، مرتكبين بذلك مخالفة خطيرة للنص القرآني؟

هذا ما يحاول جورج طرابيشي الإجابة عنه، فيعتبر أنّ السبب الرئيسيّ (وتقريبا الأوحد حسب الكتاب) يعود إلى الفتوحات الإسلامية لبلدان أعجمية لا تعرف العربية ولا يمكنها استكناه المعجزة العقلية الكامنة والظاهرة في النصوص القرآنية. هذا الواقع، حسب طرابيشي، تطلّب من المسلمين الفاتحين، بهدف جذب شعوب البلدان المفتوحة إلى الإسلام،  مجاراة ثقافة هذه الشعوب التي تدين في أغلبها بالمسيحية واليهودية (كالعراق والشام)، والتي تبني اعتقادها وإيمانها الديني على مقدرة أنبيائها الإتيان بمعجزات تكتسب مصداقيتها من ورود حكاياتها في كتبهم المنزلة.

ويستنتج المؤلف هذه الفكرة من خلال تتبعه تاريخ ورود روايات معجزات الرسول في الأدبيات الإسلامية، مبتدءا بسيرة ابن هشام التي تعود إلى مطلع القرن الثالث الهجري، مارا بكتاب “أعلام النبوة” لأبي حسن الماوردي، في النصف الأول من القرن الخامس، وبعده كتاب “دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة” لأبي بكر البيهقي المعاصر للماوردي، وبعده كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض في النصف الأول من القرن السادس، وكتاب “البداية والنهاية” لابن كثير في القرن الثامن، وبعده كتاب “السيرة الحلبية” المصنفة في القرن الحادي عشر الهجري، وفي هذا الكتاب يلحظ طرابيشي أن عدد معجزات الرسول بات يربو على ثلاثة آلاف معجزة. وإضافة إلى كتب السيرة النبوية المعتمدة عند السنة فإن الكاتب يتقصى مسار المعجزة في كتب الشيعة، ويبدأها في كتاب الخصيبي مصنف “الهداية الكبرى” في بداية القرن الرابع، الذي يذكر معجزات علي بن أبي طالب إضافة لمعجزات الرسول من زاوية النظر الشيعية، وكتاب “دلائل الإمامة” لمحمد بن جرير الطبري الشيعي الصغير، ولسميّه الكبير كتاب “نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة” الذي يستتبع فيه كاتبه معجزات النبي بمعجزات الأئمة، ولا يفوت طرابيشي ذكر كتب شيعية أخرى كـ”عيون المعجزات” لحسين بن عبد الوهاب و”مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر ودلائل الحجج على البشر” للبحراني، الذي توفي عام 1107 للهجرة، الذي بلغت عنده معجزات الأئمة أكثر من ألفي معجزة. كما لا يفوت طرابيشي تبيان الفارق النوعيّ بين المعجزات السنية والمعجزات الشيعية التي فاقت الأولى غرائبية بدرجة كبيرة. لكنه في سياق قراءته لم ينوّه إلى مكانة كتب السيرة عند المسلمين، فإن كان القارئ لا يعرف هذه المكانة فقد يخال أن موضوع الكتاب مسألة هامشية في الإيمان الإسلامي.

إن البداية المتأخرة لرواية المعجزة الإسلامية هي ما دفع بالكاتب إلى البحث عن أسباب ولّدتها عوامل تزامنت مع هذا النشوء المتأخر، مفترِضا سلفا وجود أسباب خارجة عن طبيعة الاعتقاد الديني. فكان عامل الفتوحات في بلدان أعجمية ومسيحية هو السبب الرئيسي لظهور روايات المعجزة الإسلامية. إلا أنّ هذا السبب لا يفسر المسار التضخمي التصاعدي لروايات المعجزة بين بدايات ظهورها في الأدبيات وبين أواخرها. هذا المسار الذي يوليه الكاتب اهتماما كبيرا من خلال عرضه وتقصيه وتعداده، لا يبيّن لنا أسبابه، اللهم إلا إذا استنتجنا ذلك من العنوان الفرعي للكتاب: “سبات العقل في الإسلام”، أي أن المعجزة لعبت دورا رئيسا في هذا السبات للعقل، الذي بدوره حماها وضخمها وألغى إمكانية محاكمة منطوقها ودلالاتها ومعارضتها القرآن. فعجمة اللسان كان من المفترض أنها فكت بعد مضيّ عقود على الفتح الإسلامي، وانضمام أغلب شعوب المنطقة إلى الدين الجديد والانضواء تحت راية دولته.

بناء التفسير على تأخر ورود روايات المعجزات إلى أدبيات القرن الثالث يفترض، ولو ضمنا، أن هذه الروايات ما كان لها حضور أو انتشار بين المسمين قبل ذلك التدوين. وعلى هذا الظهور المتأخر يبني الكاتب رأيه بأن دور المعجزة في الإسلام جاء معاكسا لما كانت عليه المعجزة المسيحية التي جاءت لتخلق الإيمان، أما في الإسلام فإن “الإيمان هو الذي خلق المعجزة”. معتمدا بذلك على أن “أدبيات المعجزات لم تنشأ وتتطور إلا بعد أن أسلم ليس فقط مسلمو الصدر الأول، بل كذلك أجيال متتالية من مسلمي البلدان المفتوحة”.

إن ورود “عشرات من الآيات التي تعلّل، على لسان اللّه نفسه، امتناعه عن إتيان المعجزات التي يطالبه بها رسوله أو المؤمنون به، وعلى الأخص اللامؤمنون”، إضافة إلى تنوعها والتباين في تواريخ تنزيلها، يشي بالحضور الطاغي للمعجزة عند المؤمنين واللامؤمنين، حتى خلال حياة الرسول ومرحلة الوحي. وليس خافيا أنه لم يكن جميع من أسلم يمتثل امتثالا تاما لعقيدة الإسلام وأخلاقه، لهذا يقول فيهم القرآن: “قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم” (الحجرات: 14). وهناك العديد من الآيات التي تتحدث عن ضعف العقيدة عند المسلمين الأوّل، وبالتالي سيكون من المرجّح أنهم خالفوا القول القرآني بموضوع المعجزة كما خالفوه بأمور أخرى، من بينها صدق الإيمان، واجترحوا معجزات نسبوها إلى الرسول منذ ذلك الحين.

فإن كان هذا حال أصحاب الرسول ومعاصريه والقريبين من دياره، فكيف ستكون طبيعة انتماء وانصياع القبائل والأعراب الأبعد سكنا ومسافة، بل والمختلفين في العربية عن لغة قريش التي استعان بها القرآن لتحمل بلاغته وإعجازه. هذا الإعجاز الذي لم يكتمل إلا مع اكتمال النص القرآني، الذي من المتوقع أنه ما كان يصل للقبائل البعيدة إلا بشكل متقطع وغير دقيق، وربما غير صحيح. وربما تكون بعض الروايات الإعجازية قد تم تناقلها ذلك الحين على أنها آيات قرآنية، ما ساهم، في وقت لاحق، في تصعيب جمع مصحف عثمان لتنقيته من مثل هذه الحكايات.

هذا الجانب لا يوليه طرابيشي اهتماما، بل يمكننا أن نفترض العكس حين يفترض، ضمنا، أن جميع سكان الجزيرة العربية تخلوا عن فكرة المعجزة استجابة للقول الإلهي. ولو كان الأمر كذلك، أو لو كان الأمر بهذه البساطة لما احتاج الله تكرار موقفه من المعجزة في عشرات الآيات، وجاءت جميع هذه الآيات ردا على وقائع تطالب بها. هذا إضافة إلى أن طرابيشي يعتبر أن طلائع المسلمين الأول لم يكونوا مضطرين إلى التنازل أمام ثقافة ومعتقدات شعوب الجزيرة، خلافا لموقف أخلافهم من ثقافة اليهود والمسيحيين في الشام والعراق، ولم يعتمدوا في نشر دينهم والدعوة إليه إلا على النص القرآني وإعجازه اللغوي والبياني. بل يمكن أن نلحظ أن اقتناع الكاتب التام بأن السبب الوحيد لتمخض المعجزة الإسلامية هو تأثير شعوب البلدان المفتوحة، حيث يعتبر أن مسلمي الجزيرة، وبالأخص مكة والمدينة، بقوا نظيفي الاعتقاد الديني الخالي من المعجزة ردحا طويلا من الزمن، إلى أن تغزى هذه المناطق ثقافيا بتأثير من “عشرات الألوف من الأرقاء والسبايا” الذين جُلبوا إلى المدينة لتصير “نقطة اتصال كبرى بالبلدان المفتوحة”.

ومع التفات طرابيشي إلى النبوءات الرسولية والإمامية يحصي نحوا من مئة نبوءة عند ابن كثير، ويرى أن تسعة أعشارها “تنحصر في مجال واحد: الحياة السياسية للأمة في عهود الخلافات الراشدية والأموية والعباسية”، وجميعها “تتغيا الرفع أو الحطّ من شأن شخصية سياسية بعينها، أو التكريس الإيجابي أو السلبي لحدث سياسي بعينه”. إلا أنه يعتبر أن هذا الصراع السياسي بين الفرق الإسلامية لم يكن له دور بتوليد المعجزة، بل استفاد من وجود منطق المعجزة وقام بتوظيفه. أي أن المعجزة لم تكن حاضرة كأداة في بداية هذا الصراع لكونه كان سابقا على اتساع الفتوحات التي تسببت بنشوء المعجزة الإسلامية. غير أن هذا ليس مقنعا كفاية لكون طبيعة هذا الصراع السياسي أحوجت جميع الفرقاء منذ بداياته المبكَرة إلى تجييش موالين ومقاتلين في غير رقعة جغرافية، وبالتالي فمن المفترض أنها تطلّبت لتأمين هذا العديد من المقاتلين إلى أكثر من الإعجاز القرآني.

إلا أن العامل السياسي في اعتماد منطق المعجزة لم يقتصر على تبرير مواقف الأطراف المتنازعة تجاه بعضها، بل جميع هذه الفرق كانت بحاجة لتثبيت شرعيتها في السيطرة السياسية على أهالي الجزيرة وأراضيها وجميع البقاع المفتوحة، بمن فيهم المسلمين والرعايا. وجميعها كانت تتنطح للحكم باسم الإسلام ورسوله، فكان لا بد لها من اعتماد أيديولوجيا لا يكفي النص القرآني لملء جميع مستويات خطابها، ولا تكفي قوة السيف لتثبيت شرعية وأحقية الإسلام ورسوله في السيادة على الناس أجمعين، التي يحتاجها خلفاؤه ليستمدوا منها شرعية التسلط على البلاد والعباد: فكلما زادت مقدرات الرسول الإعجازية  زادت شرعية خلفائه.

لم يفت طرابيشي هذا الجانب الأيديولوجي، لكنه يرى أن حضوره جاء متأخرا وتاليا ومستفيدا من منطق المعجزة وليس عاملا رئيسا في تولدها: “فلنا أن نلاحظ أن مؤسسة الخلافة ـ التي باتت مؤسسة تمثيلية لأهل السنّة في عهد المتوكل الذي نفّذ انقلاباً ثقافياً حقيقياً برده الاعتبار إلى أحمد بن حنبل وبإحلاله أهل الحديث محل المعتزلة كطبقة مثقفة سائدة ـ وجدت نفسها أمام طلب إيديولوجي ملحّ لا بدّ من تلبيته: إعادة تأسيس الإسلام كديانة معجزات ونبوءات مثله مثل اليهودية والمسيحية من قبله”.

سيكون من الصعب التفكير بأنّ العقل المعجزيّ الذي كان أهل الحجاز مسكونين به ـ استنادا للنص القرآني ـ قد غاب لبضعة عقود ليتم استيلاده مجددا بضغط الضرورة الثقافية، وليبقى إلى يومنا هذا مسيطرا على العقل الإسلاميّ وركنا أساسيا في الإيمان، إن كان عند السنة أو عند الشيعة. فأغلب الإيمان السنّيّ اليوم يقوم على السيرة والسنة النبويتين المليئتين بروايات المعجزات، والإيمان الشيعيّ يقوم في أغلبه على المقدرات الإعجازية ليس لأئمتهم السابقين فقط بل لأوليائهم المعاصرين أيضا.

فعلى الأرجح أنه كان يوجد منذ البداية إسلام قرآني وإسلام شفوي يمكن توصيفه بالشعبي. إذ يلاحظ طرابيشي: “تتعدد الإشارات لدى الشافعي وغيره إلى أنه قد وجد، في الصدر الأول، قرآنيون خلّص لم يقيَّض لمذهبهم البقاء”، وهؤلاء ما كانوا ليوجَدوا إلا في مواجهة طرف آخر شفوي أو سني صاحب الحضور الأقوى عند عامة المسلمين، ما جعله ينتصر عليهم ويقوّض مذهبهم ويسيطر منذ ذلك الحين إلى الآن، بعد أن شرعن وجوده، ولو بشكل متأخر، في كتب السيرة والسنة النبويتين.

واستناد إلى هذا يمكننا الاستنتاج أن المعجزة التي غابت عن الإسلام القرآني لم تغب عن إسلام السيرة والسنة النبويتين منذ كان هذا الإسلام شفويا غير مدوَّن، وكان لها دوما دور كبير في التدين الإسلامي، أسوة بذات الدور في المسيحية. ولقد أصاب طرابيشي بقوله إن “الحضور المركزي للمعجزة في الأناجيل وأعمال الرسل قد حال دون انفلات الخيال من عقاله ودون اختلاق معجزات لم يَرد لها ذكر في هذه النصوص التأسيسية [ما يخص المسيح وحوارييه فحسب]. وبالمقابل، إن الغياب التام للمعجزات النبوية في النص القرآني ـ وللمعجزات الإمامية في النصوص التأسيسية الأولى ـ قد أطلق العنان للأدبيات المعجزية اللاحقة لتتخيل ولتفرط في التخيل. وهكذا لا تكون المعجزة في الإسلام قد انعتقت ـ مثلها مثل المعجزة في أية ديانة أخرى ـ من أسر الواقع وحده، بل كذلك من أسر النص. وهذا ما أطلق في الإسلام المتأخر ظاهرة تضخمية لم تعرف المسيحية نظيرها مع أنها في الأساس ـ وبعكس حال الإسلام ـ ديانة معجزات”.

في الختام يمكن أن نتساءل: ماذا لو اقتصرت الفتوحات الإسلامية على المناطق الناطقة بالعربية، أو على الشعوب التي لا تدين بديانات كتابية تقوم ـ في جانب رئيسي منها ـ على المعجزات، أو لو أن الفتوحات لم تكن سريعة وتعتمد الحرب واكتفت بالطريقة التبشيرية، فهل كان  الإسلام يبقى خاليا أو نقيا من المعجزة؟ وهل يمكن لأي دين أن يتخلى عن المعجزة؟ بل وهل يمكن لعقيدة أن تقوم على العقلانية فقط؟ على هذا يجيب طرابيشي بالإيجاب من خلال خاتمة قصيرة يدعو فيها إلى ثورة كوبرنيكية على صعيد العقل، “ثورة عقلية أكثر مما هي محض ثورة علمية”. إن “الانقلاب الكوبرنيكي المنشود في الثقافة العربية الإسلامية يمكن أن يأخذ ـ ضمن جملة أشكال أخرى ـ شكل عودة إلى الإسلام القرآني دون ما عداه. واليوم، كما بالأمس البعيد، فإن القرآنيين الخلَّص يمكن أن يضطلعوا بدور ريادي في هذا الانقلاب”.

وكأنّ جورج طرابيشي في هذا الاقتراح يسلّم نهائيا بعجز تيارات الحداثة العربية عن إقامة الفصل مع الدين الإسلاميّ وتحييده عن المجال العام إلى داخل الصدور ودور العبادة، فيقترح طريقا آخر يعتمد التحالف مع المسلمين القرآنيين الذي في أغلبهم يعتبرون أنه لا دخل للإسلام في السياسة ونظم الحكم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This