في الرسم العراقي: أقنعة الرسام إسماعيل خياط

جديد تجارب خياط هو الأقنعة، أقنعة الخير والشرّ والحرب والسلام والأصدقاء والأحبة والأعداء، تتوزّع كأنها تقويم لأحداث ووجوه. يقول خياط “القناع بحدّ ذاته ليس شكلا مجرّدا، بل هو موضوع قائم بذاته نراه في وجوه أناس، هي في الغالب ليست وجوههم، بل أقنعة يستبدلونها بحسب الحالة التي يمرون بها”. ويوضح أكثر فيقول ” هناك قناع لك ولي ولها وللجميع”. لكن أقنعة الخياط تعبر عن مشاعر داخلية أكثر مما تعبر عن الوجوه ذاتها، كأنه يريد ان يقول، نحتاج إلى ما يجسد أحاسيسنا ويعيننا على إظهار هذه المشاعر بقوة صادمة”(معد فياض)

{{مناسبة لوضع المادة}}

<img26|right>إذا كان الرسم مناسبة لوضع المادة، بمعناها الواسع والتي يندرج اللون ضمنها، على سطح اللوحة، فإنّ الوجه البشريّ- ونصنّف القناع كتمظهر من تمظهراته، بالنسبة لعدد من الرسّامين العراقيين: إسماعيل فتاح الترك، وعلي طالب، وإسماعيل خياط ؛ لا يعدو أن يكون، هو الآخر، مناسبة لإثبات القدرة على وضع اللون على سطحه (= سطح اللوحة التي اتخذت جغرافيته السطحية)، ففي الوقت الذي كان فيه إسماعيل فتاح الترك، هذا (النحّات) يصرّف بعض شحناته من خلال الرسم، يضع اللون بمساحات واسعة (= لطخات) أحادية اللون يتخللها (شطب) و(تصحيحات) تهدف إلى كسر أحادية تلك المساحات التي كان يبني بها الترك الوجه البشري مانيكانا يمارس به وعليه مهاراته التعبيرية في الرسم، كان إسماعيل خياط يضع ألوانه بفوضوية عارمة لا حدود قواعدية لها إلا حدود جغرافية الأقنعة (= جغرافية اللوحات) التي يرسمها دون مخططات مسبقة، فكانت وجوها تسيح في اتجاهات شتى دونما ضوابط إلا إحساس الرسام، وتماما مثلما اتخذ الرسام علي طالب جغرافية الوجه الجانبي (البروفيل) شكلا للوحة، اتخذ إسماعيل خياط شكل القناع الأماميّ هندسة لشكل اللوحة، فصارت فورانات الألوان احتداما لواقع الحياة ذاتها، ولمآسيها وأحزانها، بقايا رؤيا تلحّ عليه، رؤيا مأساوية لمجاميع من الناس المعرّضين لعذابات شتّى اختزنتها ذاكرته من مجازر مرّت عليه في صباه، إنّه فوران ذكريات تلك الأيام العصيبة التي عاشها الكُرد عبر تاريخهم الطويل، والمجازر التي تعرّضوا لها، وأعنفها وأشدها قسوة “حلبجة” و”الأنفال”، والحروب الطويلة التي خاضوها ضد الحكومات السابقة، فقد جاء في تعليق قصير لأحد المواقع الالكترونية عن أقنعة إسماعيل خياط “إنّ سلسلة الأعمال التي تستذكر مأساة الأنفال للرسام إسماعيل، الرئيس السابق لقسم الفنّون في وزارة الثقافة في كردستان، يشرّف الأكراد الـ182،000 الذين قتلوا في جريمة الأنفال.

كانت أقنعة مرسومة بألوان مائية، وبالحبر الصينيّ، معبّرة، وملوّنة بجرأة، وتشكّل مدوّنات تذكارية صنعها فنّان هرب هو الآخر، من الإبادة الجماعية الفظيعة”.

(وجوه) بأوضاع جانبية، و(أقنعة) بأوضاع أمامية

حينما كنا نتحدث عن الرسام علي طالب كنا نصف شخوصه بأنها (وجوه) تتّخذ وضعا جانبيا؛ بينما كنا نصف<img27|left> شخوص إسماعيل خياط بأنها (أقنعة) تتخذ وضعا أماميا، ونقصد بهذا التفرقة بين هذين الرسامَين اللذين وإن كانا يتخذان الآلية ذاتها، والتي تعرف بـ(ـالوضع الأمثل) إلا أنها كانت توصلهما إلى مفترق طرق بنتيجتين مختلفتين، فآلية الوضع الأمثل تنتهي بالوجه ليكون جانبيا، وهو ما توصّل إليه الفراعنة والعراقيون القدامى، بينما لا يكون القناع في وضعه الأمثل إلا أماميا، وهو ما أدركه الافريقيون في فنهم.

إنّ علي طالب في مرحلة الوجوه الجانبية من منجزه في الرسم، وإسماعيل فتاح الترك وإسماعيل خياط في (أقنعتهما) في الرسم، اختزلوا جهدهم في تجارب على الوجه البشري في تمظهريه: الوجه الجانبي، والقناع الأمامي؛ وقد جعلهم ذلك يواجهون مشكلات بصرية أقلّ تعقيدا من تلك التي واجهها فيصل لعيبي، حينما كان يرتكز على آلية الوضع الأمثل آلية ينظم استنادا إليها أوضاع أجزاء الجسد البشري، فكانت المشكلات التي واجهها فيصل لعيبي أكثر تعقيدا بما لا يقارن مع هؤلاء، فكان كلّ جزء من الجسد يتّخذ وضعه الأمثل الضروري الذي يظهر أكثر خصائصه الشكلية جوهرية، وقد وصفت ذلك في مقال سابق لي نشرته في موقع (الأوان) إنّ فيصل لعيبي قد “استعار، من خلال الوضع الأمثل، نمطا من التشويه (الايجابي) في تحويره أشكال المشخصات التي تتخذ فيه أوضاعها الأكثر مثالية التي تُظهر أهم خصائصها الشكلية، وهو إجراء طبقته فنون حضارات عديدة منها: الفنّ الفرعونيّ، والفنّ الرافديني القديم، والفنّ الإسلاميّ؛ فللعين والأكتاف الوضع الأماميّ، فيما يتخذ الوجه والأقدام الوضع الجانبيّ دائما”

{{القناع مانيكانا}}

مثلما تشكّل النحت الرافديني القديم من حشود غفيرة من الدمى الناسكة في حضرة الإله وهي تنظر في فراغ التاريخ الممتدّ أمامها بعيون مفتوحة على وسعها، تشكّلت تجربة إسماعيل خياط من مئات الأقنعة الصارخة الواجمة الرمداء التي فقدت القدرة على الإبصار، وفقدت قدرتها على ضبط جغرافية أشكالها وضبط تكنيكها اللوني؛ فغدت فورة شكلية ولونية دموية لا قرار لها، وتماما مثلما أسس النحات هيثم حسن تجربة معرضه الأخير على نسخة مانيكانية واحدة أجرى عليها مختلف ضروب التحويرات، والإزاحات الشكلية كل مرة؛ فبدا معرضه حشدا غريبا من تلك المانيكانات الملونة المختلفة والمتشابهة معا، كذلك اتخذ إسماعيل خياط شكل القناع مانيكانا يستنسخه كل مرة، ويجري عليه ضروبا من الإزاحات الشكلية واللونية التي تمنحه كل مرة خصوصية عن أشكال الأقنعة الأخرى التي وإن بدت متشابهة إلا أنها مختلفة كطبعات الأصابع المتشابهة والمختلفة في الوقت عينه.

وجود شيئيّ على سطوح أقنعته

إنّ الكائنات التي كان إسماعيل خياط يوزعها على سطوح لوحاته فيما مضى تجسّدت الآن من خلال وجود شيئيّ على سطح أقنعته فبدت وكأنها عودة إلى تلك المادة الأولية لعناصر الموضوع التي يتركها فجة دونما مساس يغير جوهرها؛ عندما تظهر الأشكال والموجودات بشكل يعطي إحساسا بأننا، وجها لوجه، أمام المادة الغفل (=الجوهر الأول) وهي في طور تمازجها الأولي بالشكل، في مزيج أسميته مرّة (العماء الشكلي).

(نسق) مستقلّ من الرسم العراقيّ

لقد كان اطلاعي على تجربة الرسام العراقي إسماعيل خياط التي قدّم فيها عشرات الأقنعة، مناسبة جعلتني أفكّر في رأي <img28|left>كنت صنفت على أساسه الرسام العراقي الكردي المقيم في بنسلفانيا صدر الدين أمين، فأعيد تصنيف هذين الرسامين باعتبارهما (نسقا) مستقلا من الرسم العراقي؛ حينما تشكلت لديهما أنماط من الـ(ـعلامات) الراسخة المستقرة في ذهنيهما للـ (ـشيء) بعد أن أخضعاه لمختلف ضروب تجاربهما المختبرية التي تضمنت قمعا للبعض من تلك العناصر، وتفعيلا للبعض الآخر ليتشكل بذلك نمط آخر محايث من الرسم نسميه تجاوزاً (تجريدياً)؛ ذلك انه يتخذ نسقاً (ثالثاً) بإصرار لا يلين، لتكون أشكاله موتيفات لأنماط شكلية ذات طبيعة خطية صلبة من أشكال هيكلية لمشخّصات: كائنات شديدة الاختزال، وبشر متوحشين، وأقنعة، وسلاحف واسماك، وحيتان منخرطة في رقصة كونية يلتهم بعضها بعضا. وبذلك فهي تؤسس لنمط ثالث من الرسم (التجريديّ) العراقيّ، لتنتهي كل تلك الاتجاهات التجريدية الثلاثة إلى تأسيس (نظام إشارات) من تلك المهيمنات الشكلية التي تهيمن على ذاكرة المبدع ، وتخضع لها كل الأشكال التي يرسمها، من خلال مزاوجة بين أشكال الواقع وأشكال الفن و(مشخصاتهما)من جهة، وبين النظام الإشاري الذي أسسه الرسام طيلة تجربته الماضية؛ فكان هؤلاء الرسامون : إسماعيل خياط، وصدر الدين أمين، وكريم رسن (في مرحلة سابقة من تجربته) ينتجون ويعيدون إنتاج إشاراتهم الهيكلية الخطية بإصرار لا يلين، باعتبار تلك الهياكل (جرثومة) يؤسسون عليها فنّ الرسم بعد أن كانوا يستلّونها من أزمان غائرة في القدم باعتبارها مازالت صالحة حتى الآن، مثلما كانت أيقونات هاشم حنون إشارات لونية غير خطية تنبع من مشخصات المدن التي علقت في ذاكرته، وهيمنت عليها، وبدت إشارات هناء مال الله، ونزار يحيى، وغسان غائب، وسامر أسامة أيقونات مسطحة تتخذ شكل اللوحة الخارجي الذي لم يكن دائماً مستطيلاً معتدلاً ، ولا صلة له بمشخصات الواقع، أيقونات انبعثت من تراكم تجارب التشكيل العراقي منذ عقود، توّجتْها تجارب رسّامي العقد الستّينيّ وما تلاه من أجيال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق