طابو البكارة، اليوم وفي ديارنا نحن (12) الترقيع كحل مؤقت

فاجأتني طبيبة نسائية معمّرة، عزباء، ولديها بوي فريند، وكنت أخبرها – في محاولة لكسر الجليد كما يقال- عن اعتقادي بأنّ الطبيعة الآن لا بدّ أن تعمل على إزالة غشاء البكارة تدريجيًا بنفس الطريقة التي اختفى بها ذيل الإنسان، وأنّه إن كان لغشاء البكارة معنىً مّا في الماضي، فإنّي ما زلت غير قادرة على معرفته رغم محاولاتي الفكرية المضنية، فمثلاً فكرت بأنّ الطبيعة قد خصّت المرأة بهذا الامتياز كتعبير مبالغ فيه عن شفافيتها ورهافتها ثم انتبهت إلى أنّي أعمل في حقل ذهنيّ ما وراء طبيعيّ وأحاول استنتاج منظومة فكريّة مخالفة لمنظومات فكريّة أخرى نشأت بنفس الطريقة من شيء هو بكلّ بساطة موجود فقط؛ وإنّ هذا المعنى في طريقه إلى التلاشي. إذًا فاجأتني الطبيبة المعمّرة، العزباء، والتي لديها بوي فريند، بقولها إنّ غشاء البكارة مهمّ وظيفيًا، بل هو على درجة من الأهمّية بالغة الخطورة، فهو يحمي المرأة من الالتهابات التناسلية.

بالتأكيد أنا لست ضدّ حماية المرأة من الالتهابات التناسلية بل معه مئة بالمئة، وقد يكون لغشاء البكارة فعلاً دور وظيفيّ لم يخطر ببال أفكاري الجانحة نحو تحطيم هذا الصنم الإلهيّ الثقيل، ولكن أن تقول لي طبيبة نسائية هذا الكلام وتستفيض في شرح مدى أهمّية أن تحافظ الفتاة على درع حمايتها من الالتهابات التناسلية إلى أن تتزوّج، ولا أدري ما الذي سيحميها من الالتهابات التناسلية بعد أن تتزوّج اللهم إلا إذا كان منيّ زوجها، وزوجها فقط، هو مضادّ بكتيريّ لالتهابات مهبل زوجته، وزوجته فقط؛ فهذا كان كثيرا عليّ، خاصّة أني كنت أساعد إحدى الفتيات الصغيرات، 21 عامًا، في عملية خداع مُحكمة لزوجها المستقبليّ باءت بالفشل، ليس لأنّ الفتاة مصابة بالتهاب تناسليّ، وليس لأنّها شرّيرة جدّا، بل لأنّها بكل بساطة أصيبت بانهيار عصبيّ بعد سماعها لهذه الموعظة الأخلاقية الطبّية ورفضت خطيبها وتجديد درعها معًا مفضّلة التعفّف إلى أجل غير معلوم.

المشكلة الأخلاقية هنا ليست في خداع الزوج بل في خداع إنسانيتنا، فحلم فتاة مجتمعاتنا المنقرضة هو أن تقاسم شريكها الذي تختاره شغفها وعشقها وخبرتها الحسّية والفكرية، ولكن إن كان هذا يبدو نادرًا حدّ الاستحالة لنقصان في الشّغف والعشق والحسّ والفكر لدى الجنسين فيها – أي مجتمعاتنا؛ فحلمها أن تقاسم زوجها ندمها وحزنها واستغفارها، ولكن يبدو أنّ هذا الحلّ نادر حدّ الاستحالة كذلك. فهل يبقى لنا، وهذه مشكلة أخلاقية أخرى، سوى الترقيع كحلّ مؤقت نُجمع عليه –وإن كان من منطلقات مختلفة- نحن من يمكن أن نُسمّي أنفسنا مثقفين، مع بعض رجالات الدّين المتنوّرين؟ ذلك أنّي قرأت، لا أذكر أين ومن، فتوى تبيح “إصلاح الغشاء” على اعتبار أنّ وجود الغشاء أو عدم وجوده ليس دليلاً على طهارة الفتاة.

هذا الالتفاف المؤسف يذكّرنا بأنّ الترقيع كان وسيبقى حلاًّ مألوفًا، نعرفه ويعرفنا، ونقبله على أمل يومٍ تتفتح فيه القدرة على رؤية صحيحة لأزماتنا ومواجهة جريئة لمشاركتنا فيها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This