فصل من مسرحية “المتمرّد” – للكاتب التونسي البشير بن سلامة – لوحة ثانية

 

(جَنان وأبو نواس واقفان لم يجلسا بعد، ولا يعرف الشّاعر هل جنان ستمضي معه السّهرة أم لا. في تلك اللّحظة يدخل غلام ويسرّ شيئا في أذن الحسن بن هانئ، فيخرج من دهشته إلى دهشة أخرى. أعلمه الغلام أنّ رأس المعتزلة إبراهيم النّظّام يزوره).
أبو نواس – إبراهيم النّظّام رأس المعتزلة وما أدراك يزورني ! إنّ هذا اليوم لمن أعجب الأيّام. كأنّ القدر أراد أن يجمع في يوم واحد من قد فرّق بينهما الزّمان أيدي سبا. ( بينما الغلام واقف ينتظر أمر مولاه يلتفت الحسن إلى جنان ويترجّاها) اسمعي يا جنان يا حبيبة قلبي أرجوك أن تدخلي المقصورة ومنها ستسمعين ما يدور بيننا من حديث أليست فرصة كبيرة، إنّه إبراهيم النّظّام..!
( لم تمانع جنان ودخلت المقصورة وخفّ أبو نواس لاستقبال النّظّام. يستغرب الحسن مجيئه ولكنّه يحيّيه بشيء من الإجلال دون أن يظهر أمامه بمظهر من هو دونه ).
أبو نواس – مرحبا بسيّد المتكلّمين. مرحبا بأبي إسحاق، لقد مضى زمان طويل لم نتناظر بعد هجائي لك. هل حزّ في نفسك ما قلته فازوررت عنّي وعهدي بك فيلسوف الزّمان لا تهزّك ألاعيب الشّعراء وشطحاتهم أم أنّك تستنكف من منحرف عن الدّين.
( لا يهتزّ النّظّام تماما بما قاله الشّاعر وبقي على هدوئه المعروف عنه ).
النّظّام– كفى عبثا ! جئتك في أمر خطير.
أبو نواس – أنا لا أملك حولا ولا قوّة فيما تخوضون فيه من مسائل كلاميّة. لا رأي لي في التّوحيد ولا في العدل ولا في الوعد والوعيد ولا في النّهي عن المنكر والأمر بالمعروف، ولا المنزلة بين المنزلتين (يقول الكلمة الأخيرة بشيء من السّخرية ).
النّظّام– حياتك في خطر يا أبا عليّ !
أبو نواس – ومتى كانت حياتي غير معرّضة للأخطار. أنا دائما على حرف، على جُرُف هار.
النّظّام – هل حقيقة نظمت قصيدة تهجو فيها العدنانيّة بألفاظ شنيعة ؟
أبو نواس – ليست المرّة الأولى.
النّظّام – لكن بلغت في هذه المرّة الذّروة في الشّناعة. القصيدة سرت كالنّار في الهشيم. هي على ألسنة النّاس يتندّرون بـها. أمّا الهاشميّون فقد عبّروا لهارون الرّشيد عن حنقهم البالغ. إنّهم طلبوا منه أن يقطع رأسك وإلاّ تكفّلوا هم بذلك محوا للعار.  وضعت القحطانيّة في أعلى علّيين والعدنانيّة في أسفل السّافلين.
أبو نواس – أليسوا هم كذلك. نحن أرباب المدن من صنعاء.
النّظّام– لكنّ أمّك فارسيّة.
أبو نواس – وأبي يمنيّ وزادنا الإسلام عزّة.
النّظّام– هو مولى لسعد العشيرة.
أبو نواس – مهما كان الأمر فقبائلهم تحميني وتذود عنّي وتقف معي في الملمّات. بدون عصبيّة في هذا الخضمّ من الشّعوب والقبائل والعشائر والطّوائف لا إمكان للعيش الكريم، بل العيش فقط، بالرّغم من مناداة الإسلام بزوال الفروق بين البشر. فلا فرق بين عربيّ وأعجميّ إلاّ بالتّقوى على ما في هذا المعنى من عمق. أين نحن من هذا ؟!
النّظّام– في قصيدتك تقول نحن اليمانيّة لسنا من أولائك الّذين يندبون الأطلال في مكان جدب، تذروه الرّياح وتلعب فيه اليرابيع.
أبو نواس – نعم نحن أرباب المدن نتطيّب بالمسك، وكان منّا الضّحّاك الّّذي كان يعبده النّاس، وحتّى الوحش في مساربها. نحن جرنا على فارس بالخيل وبأسياد حمير. أمّا العدنانيّون فكم فرّوا من كم موقعة.
النّظّام – أنت جادّ يا رجل !
أبو نواس   – أنت يا أبا إسحاق تعرف أنّه لا مندوحة من الفخر بقحطان. فحاتم الجود من مناقبها أمّا الفرسان فليس مثل عمرو بن معد يكرب، والأشعث بن قيس، والمهلّب بن أبي صُفرة وغيرهم وغيرهم. وكذلك الغساسنة كلّهم أصحاب ملك، ولا تنس حمير أصحاب الفضل.
النّظّام – ولكنْ عدنانيّة أو يمانيّة كلّهم عرب أمام خطر الفُرْس. خصوصا بعد نكبة البرامكة. ولو وقفت عند هذا الحدّ  في مدح اليمانيّة لهان الأمر، ولكنّك عرّيت عن مثالب نزار ورميت تميم وقيس عيلان بالمخازي، ولم تستثن بكر بن وائل ولا تغلب. لقد زعمت أنّ هذه الأخيرة لم تقدر  أن تثأر لقتيل من قتلاها.
أبو نواس – لم يحذقوا إلاّ النّدب على الأطلال والبكاء على ما فات. إنّهم أجبروا على تزويج أختهم بأبخس المهور. الفرق كبير بين اليمنيّ والعدنانيّ. اليمنيّ أروعُ، محمودٌ خلائقه، يبذل في الخمر …
النّظّام  – (يقاطعه ساخرا ) هنا بيت القصيد…
أبو نواس – ( يسترسل في لامبالاة ) … يبذل في الخمر أقصى الثّمن، بدر ظلام، غيّاث مُجدبة، معدنُ بذل، يهتزّ للمنن، مهذّب، ماجد، أخو كرم، قَرْم، أمّا العدنانيّ…
النّظّام  – كفى… حيّرتني يا أبا عليّ… كيف برجل مثلك يحبّ الحياة ومتعها ويختار العزوف عن كلّ الصّراعات وإذا به يزجّ بنفسه في هذا المأزق بقصيدة ناريّة… وأكثر من ذلك فإنّك خوزيّ فارسيّ مرّة تمدح البرامكة ومرّة تهجوهم وهم من أمّتك، وأغرب من ذلك أنّك نعيتهم في قصيدة مدحتهم فيها وقلت :
أَرَبْعَ البلى إنّ الخشوع لباد   عليك، وإنّي لم يخنني ودادي
وختمتها بقولك :
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتُمُ
                           بني برمك من رائحين وغادي
ولم تمض أيّام حتّى نكبهم هارون الرّشيد فكأنّك عالم بالغيب، أم أنت على علم بذلك ؟
أبو نواس – من أعان الطّاغية هلك بيده. هم ثبّتوا ملك العبّاسيّين، وخاصّة هارون، ونفّذوا رغائب الخليفة، فقتلوا وسجنوا وشرّدوا. فكيف تريد منّي أن أميل إليهم وأحبّذ أفعالهم.
النّظّام  – خرجت من هذا الزّلزال الّذي دكّ صرح البرامكة بذكاء. ولكنّك في هذه المرّة أقحمت نفسك في صراع لا أرى لك مخرجا منه في وقت ثارت فيه على الرّشيد كلّ بلاد خراسان وغيرها عندما شقّ عصا الطّاعة ليث بن رافع، ممّا دعا الخليفة إلى إرسال ابنه المأمون لإطفاء نار الفتنة في بلاد أخواله. الخليفة في حاجة إلى كلّ العرب قحطانيّة وعدنانيّة وأنت تبثّ الفتنة بينهم وتشتم عشيرته.
أبو نواس – ولكنّني استثنيت قريشا، ودعوت إلى حبّها لأنّ منها أحمد نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكذلك سلالة الخلفاء من المهديّ فأمّهم حميريّة. ونزّهت هارون الرّشيد عن كلّ المعايب. أنا أهاجم البدو وعيشهم الجدب، وأباهي بالحضَر وحياة النّعيم والفنّ والرّخاء. أنا لم أطعن في القبائل لكنّ البداوة هي سبب الدّاء.
النّظّام  – أنت مخطئ يا أبا عليّ… فمن خصال قريش أنّهم لم يشاركوا العرب والأعراب في شيء من جفائهم، وغلظ شهواتهم، وكانوا لا يأكلون الضّباب وشيئا من الحشرات. ألا ترى إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتوا خوانه بضبّ فقال : هذا ليس بطعام. وكما قلت لك هل غاب عنك في هذه الأيّام أنّ هارون الرّشيد صار، بعد نكبة البرامكة يعتمد على قبائل العرب من بدو وحضر لأنّه لا يأمن انقضاض الفرس عليه. صار يباشر الحكم بنفسه، وأصبح لهذا السّبب غير مأمون الجانب. أنت معرّض لغضبة من غضباته المتكرّرة في هذه الأيّام.
أبو نواس – تعوّدت الخروج من كلّ ورطة سالما بالرّغم من أنّني فهمتُ أنّ هذا الرّجل لا يُؤمَن جانبه. ولا تظنّنّ أنّ الخلافة أكسبت طبعه أريحيّةَ وشهامةَ وكرمَ نفس صاحب السّلطة عندما يعفو عند المقدرة ويتعالى عن أحقاد السّوقة وضغائن السّفلة من القوم. لا تغرنّك المظاهر الكاذبة وملق الحاشية. أنا أَعرَفُ بدخيلة الرّجل. ألم يبدأ خلافته بقتل أبي العصمة ؟
النّظّام – ومن هو أبو العصمة هذا ؟ ألا تخاف العيون والأرصاد والمتلصّصين وبيتك مشحون بالغلمان والخدم ؟
أبو نواس  – ( لا يبالي بما نبّهه النّظّام إليه) هو قائد من قوّاد جيش العبّاسيّين. لمّا خلع موسى الهادي هارون من ولاية العهد أسندها إلى ابنه جعفر دون أن يعلنها للنّاس كخطوة أولى. وكان الرّشيد وأبو عصمة راكبَـيْـن وجعفر محاذيا لهما. ولمّا بلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ التفت أبو عصمة إلى هارون وقال له : مكانَك حتّى يجوز وليّ العهد. قال هارون : السّمع والطّاعة للأمير. فوقف حتّى جاز جعفر. فكان هذا سبب قتل أبي عصمة في اللّحظة الأولى الّتي تولّى فيها الرّشيد الخلافة. ضرب عنقه وشدّ جُـمَّته في رأس قناة فدخل بـها بغداد، ثمّ بذل في تعقّب مخالفيه الأموال الطّائلة، والأوقات الضّائعة، وترك شؤون المسلمين في أيدي الظّلمة والمبتزّين حتّى وصل حال الخلافة إلى هذه الدّرجة من التّفتّت والانحلال…
النّظّام  – لقد جُننت يا رجل ! إنّك صائر إلى حتفك بظلفك… وبقصيدتك هذه ستجد نفسك على الأقلّ في سجن المطْبَق.
أبو نواس – والعياذ باللّه ! لماذا تتمنّى لي هذا. قال وَلَد جارنا لجدّه : ما أدقّ ساقيك. أجابه : دقّقتها قيود هارون في المطبق.
النّظّام  – هذا إن لطف بك ربّ العالمين، ولم تكن خاتمتك مثلما صار إليه ابن المقفّع وبشّار بن برد وغيرهما بتهمة الزّندقة. لن تظفر حتّى بتهمة الثّائر على السّلطان بل ستكون ذاك الزّنديق الكافر الّذي لن يرحمه من النّاس أحد.
أبو نواس – عكّرت عليّ صفو حياتي يا أبا إسحاق. جئتني وأنا قاب قوسين أو أدنى من بلوغ منيتي. منية عمري كلّه. ( ينظر في اتّجاه المقصورة منشرحا). يا غلام !
غلام – نعم يا مولاي …
أبو نواس – هات النّبيـذ إلى سيّد المتكلّميـن..!
النّظّام  – ( لا يسأله عن منيته ويتعجّب من لامبالاته ) دع عنك أوهامك. فمن أين أنت ؟ فالخلوق صدوق، والعنيف ضعيف، والأصيل نبيل،والحليم حكيم، والشّريف عفيف…
أبو نواس : يضحكني هذا التّصنيف. أنا مفرد علم أخرج عن كلّ تصنيف يا حكيم المعتزلة. أنت حليم إذن ؟
النّظّام : دع عنك الهزل.أنا لا أفهم كيف يتردّى إلى هذا الدّرك من بثّ الفتنة بين العرب عالم مثلك بالكلام والفقه والحديث واللّغة والأدب والفلك وأخبار العرب والشّعر رواية ونظما. أنت تعلم أنّ الإسلام بُني على الأخوّة. كانت العرب على شفا جُرُف هار. ألم يقل قتادة، وهو من مشاهير التّابعين والعربيّ الصّميم من سدوس في تفسيـره قوله تعالى : ” كنتم على شفا حفرة من نار فأنقذكم منها “. كان هذا الحيّ من العرب، أشقاه عيشا، وأبْيَنَه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعَه بطونا، محكومين على رأس حجر بين فارس والرّوم. لا واللّه ما في بلادهم من شيء يُحسدون عليه.
أبو نواس -. هذا ما أردت أن أقوله لك يا أبا إسحاق. هذه حال العرب كلّها قبل مجيء الإسلام إلاّ القليل من الأقلّ.
النّظّام  -. يا أبا عليّ لا تقاطعني… ما في بلادهم من شيء يُحسدون عليه. من عاش منهم عاش شقيّا، ومن مات رُدّي في النّار. يؤكلون ولا يأكلون. واللّه لا نعلم قبيلا من حاضر الأرض كانوا فيها أصغر حظّا، وأدقّ فيها شأنا منهم، حتّى جاء اللّه عزّ وجلّ بالإسلام فورّثهم به الكتاب، وأحلّ لهم دار الجهاد، ووسّع لهم في الرّزق وجعلهم به ملوكا على رقاب النّاس.
أبو نواس – لكن يا أبا إسحاق هذا هو مشكل العرب. جاءهم الإسلام لينزع عنهم سجيّة الأعراب، وهم أشدّ كفرا ونفاقا كما ورد في القرآن الكريم. فلم تجر في نفوسهم هذه الأخوّة الإسلاميّة مجرى الهواء في النّفس. بل بَقُوا يتنفّسون البداوة بما فيها من روح الاستعلاء الكاذب الخاوي على عروشه، وبما يتضمّنه من عدوان وأحقاد وعنف. ألا تذكر أنّ رجلا خطب بنتا من أعراب بني سُليْم وتزوّجها. فركب محمّد بن بشر الخارجيّ إلى المدينة وواليها يومئذ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل فشكاه هذا الّذي عدّه حطّا من قيمة بني سليم. ماذا فعل والي المدينة هذه الّتي سمّاها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الاسم بعد أن كان اسمها يثرب بما في ذلك من تثريب. أرسل الوالي إلى المولى ففرّق بينه وبين زوجته، وضربه مائتي سوط، وحلق رأسه ولحيته وحاجبيه. ماذا أنت قادر على فعله إذا حكمك من كان غليظ الطّباع، متنكّبا عن الحضارة، فاسد الطّويّة، من السّوقة، عيّارا، لم يجر في عروقه الإسلام الحقّ، إسلام المدينة والـحَضَر، إسلام العلم والأخوّة، ألا يغلب على سلوكه إلاّ ما ينمّ عن القهر والقمع والتّسلّط، والتّفرّد بالرّأي، وضيق الصّدر، وقصر النّظر. وحتّى إذا لها فلا تأمن غائلته. وإذا كنت ذا عصبيّة تثور في هذه الحال. كما نرى ذلك في كلّ بقعة من أرض الإسلام في هذه الأيّام. أمّا إذا كنت مثلي مولى فقصارى ما تفعله أن تتمرّد ولكن على نفسك، وقد ضاقت بك الدّنيا ولم تجد من نصير.
النّظّام – يا أبا عليّ أنا أعرف أنّك على علم بالإسلام وأصوله. كنت تكون رجلا من رجال الدّين تحظى بالتّقدير والتّبجيل، عالما من العلماء في خدمة الدّين وعلوم القرآن، مفسّرا على مذهب من المذاهب، محدّثا، راويا وشارحا، مفتيا تستجيب لرغبة الخليفة أو التّقاة، خطيبا ترشد النّاس في أيّام الجمعة، واعظا شعبيّا تنصح عامّة النّاس في الرّوحانيّات أو سياسة الخلفاء. أنت قادر على كلّ هذا. وعلى الأقلّ كنت تشيد في شعرك بالأخوّة الإسلاميّة وبما جاء به هذا الدّين القويم من مساواة وتسامح ومدنيّة وإذا بك تثير النّعرات القبليّة وتشعل نار الفتنة بين النّاس.
أبو نواس – لست أنا وأمثالي الّذي أثار نار الفتنة بين المسلمين بل أنتم أهل الكلام والفلسفة والكتّاب والفقهاء وما إليهم. أنتم شددتم أزر الحكّام الظّالمين. سكتّم عن قهرهم للنّاس وفسادهم في الأرض. وحتّى أنتم الّذين اطّلعتم على فلسفة يونان لم ترشدوهم ولا أرشدتم المسلمين إلى أنّه في الإمكان أن يمارسوا الحكم بأسلوب آخر غير الملك العضوض الّذي جاء الإسلام ليعوّضه بتقويض ملك فارس والرّوم. وما راع المسلمين إلاّ أن باركتم هذا الملك العضوض وأقمتم له أحكاما وقواعدَ تضليلا للنّاس. سبب الدّاء هو هذا الحكم الّذي أضفيتم عليه مسحة دينيّة. بينما الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يوص بشيء ولا لأيّ كان في مجال الحكم وترك أمر دنيانا للتّدبّر والتّفكّر والاجتهاد حسب الظّروف المتاحة. وحتّى إقامته لأسس الدّولة الإسلاميّة لم تكن وحيا يوحى بل كان يتمّ القرار بالاستشارة والتّعامل مع الظّروف. وبعده حاول الخلفاء الرّاشدون، حسب ما أتيح لهم من رأي وقدرة، إدارة دفّة الحكم بالحكمة وتطبيق مبادئ الإسلام. وخوفي أنّكم، يا أهل الكلام، ستعزّزون دور الدّين في الحكم، وبدأتم ذلك بفرض آرائكم على المسلمين عن طريق سلطة الخليفة. وأمركم في هذا الباب في تفاقم، ومن حسن الحظّ أنّ هارون الرّشيد لم ينسق إليكم تماما وإن قرّبكم كثيرا. ألا تذكر أنّني انفصلتُ عنكم لأنّني وجدت فيكم بذرة التّسلّط والتّضييق على النّاس، بينما الدّين يُسر لا عُسر. قلت لكم لقد حفظتم شيئا وغابت عنكم أشياء وأنّ مقولاتكم إنّما هي إزراء بالدّين وتحقير له. لم تحملوا كلامي محمل الجدّ وظننتم أنّ ذلك من باب اللّهو. وحتّى دولة اللّهو الّتي حاولت إقامتها هربا منكم، دسستم أنوفكم فيها وأصبحت لكم فيها آراء. ( مبتسما وساخرا )      
النّظّام – العلم لا يُعطيك بعضَه حتّى يعطيك كلّه، فإن أعطيته كلّك فإنّك من إعطائه لك البعض لعلى خطر.
أبو نواس – أنت سريع الجزم في المسائل الأصليّة دون التّثبّت منها، ثمّ تنسج عليها قصورا من المنطق والبيـان تبهـر السّامـع وتسحـر القارئ… ( مداعبا ). ومع هذا غلَبْتني زندقـةً وكفـرا ( يأخذ  كأسا من النّبيذ ويناول النّظّام كأسا فيأخذها). هذه الكأس أشربها على نخبك بعد أن أفتى فيها بعض الفقهاء وشربها الخليفة الرّشيد… ( يشربان في ارتياح وأنس ).
النّظّام – إنّ الّذي يعجبني فيك هو هذا الوعي الحادّ بما يجري حولك. لكنّ خطأك أنّك تنظر إلى الأمور كفرد آخذا في اعتبارك ما ينفعها ويريحها دون أن تقرأ حسابا للجماعة. فلو نظرت إلى مصلحة الجماعة لاصطدمت بما آل إليه الحكم في دار الإسلام. لقد دخل منذ زمان في نفق لن يخرج منه إلاّ بمعجزة. فلا الفقهاء ولا الفلاسفة ولا الكتّاب ولا أهل الحلّ والعقد في إمكانهم اليوم إخراج المسلمين من هذا النّفق إن بَقُوا على تصوّرهم هذا للحكم. لذا ترانا كلّنا مجبرين على التّعامل مع هذا النّسق الّذي انجرّ إليه المسلمون منذ وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم. انسقنا مكرهين ثمّ راضين وكأنّه ليس في الأمر أحسن ممّا هو عليه. ولكنّنا، نحن أصحاب الكلام، فتحنا بابا جديدا وجعلنا من العقل في مجال العقيدة الهادي الأوّل وأحدثنا حدثا طريفا أمام سلطة المحدّثين والفقهاء وضيق نظرهم، وتصدّينا لأولئك الّذين لا يرون من سلطة إلاّ سلطة الإمام يؤلّهونه ويضفون عليه قداسة ما أنزل اللّه بـها من سلطان، ويجعلونه النّبراس الّذي يستنار به وحده من دون شريك. نحن طّهرنا العقيدة من سذاجة المحدّثين والفقهاء ومن شعوذة الإماميّة. وأنت تعرف أنّنا فعلنا الكثير في تنظيم حياة المسلم دنيا وآخرة إلاّ قضايا الحكم فقد عسر علينا تنظيمها للأسباب الّتي تعرفها.
أبو نواس – أنت أعرف بـها ولكنّك تتحاشى قول كلمة الحقّ.
النّظّام  – وما هي ؟
أبو نواس – المنعرج الكبير كان بعيد وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم. لقد كان كلّ شيء ينبئ بأنّ الأمويّين كانوا على وشك إقامة ملك عضوض على العرب قبل الرّسالة المحمّديّة. لكنّ الإسلام سحب البساط من تحت أقدامهم وبدّل العنف والظّلم والقهر والجهالة بالسّماحة والحضارة والقراءة والكتابة والعلم.
النّظّام – وسار الصّحابة الأبرار على الحطّ الّذي ثبّته الإسلام.
أبو نواس – لم يكن ذلك جليّا فحتّى عمر الفاروق رضي اللّه عنه الّذي عُرف بالعدل والتّمسّك بالحقّ ومضى أشواطا في إرساء الدّولة الإسلاميّة لم …
النّظّام – (مقاطعا) غريب أمرك حتّى الصّحابة رضوان اللّه عليهم لم يسلموا من لسانك…
أبو نواس – أنا متمرّد على كلّ ما آلت إليه أوضاع الإسلام. والمتمرّد يفهم ما لا يفهمه الفلاسفة وإن كانوا من أصحاب الكلام ( مبتسما ). كنت أكون متكلّما مثلكم وأنت تعرف ذلك. لكنّني فهمت أنّ هذا النّهج فيه خسرانٌ للمسلمين لأنّكم نهجتم نهجا فيه الفرقة وتشتيت الصّفوف. فلا أنتم فلاسفة بأتمّ معنى الكلمة ولا فقهاء تمارسون الفقه الصّراح. لقد خسرتم الصّفقتين ولن تجدوا من يسيرُ وراء خطاكم. أقمتم ركائز الأمّة على التّفاضل: تفاضل بين الذّكر والأنثى، بين العربيّ والمولى، بين المسلم والمشرك، بين العبد والحرّ، بين نسب هذا ونسب ذاك. حتّى الخلافة أقمتم ركائزها على العصبيّة وحصرتموها في قريش. ماذا فعلتم ليتساوى النّاس كأسنان المشط. أنا تمرّدت على كلّ هذا أمّا أنتم فلم تفعلوا شيئا لتغييره.
النّظّام  – أفهم الآن سبب هجائك لي. وعلى كلّ فالفيلسوف لا يؤاخذ من خالفه الرّأي بل يردّ عليه بقوّة الحجّة أمّا الشّعراء، وخصوصا إذا كانوا متمرّدين مثلك ( مبتسما وناظرا إلى مخاطبه ثمّ مسترسلا )، فإنّهم ميّالون إلى السّبّ والشّتم. ماذا فهمت ممّا لم نفهمه. أنا أقبل المناظرة ولا أخاف منها، ولكن شريطة ألاّ تغضب، ولا تعجبْ، ولا تشغب، ولا تُقْبل على غيري وأنا أكلّمك، ولا تجعل الدّعوى دليلا، ولا تجوّز لنفسك تأويل مثلها على مذهبين، وعلى أنّ كلامنا يبقى على أنّ الحقّ ضالّته والرّشد غايته.
أبو نواس – أساليب مارستها قبلا معكم وهي لا تُسمن ولا تغني من جوع. وهي في كثير من الأحيان ليست إلاّ تهرّبا من الواقع المرّ وتفضيلا للجلوس فوق الرّبوة. أنتم المتكلّمين تفكيركم جيّد، ولكنّه ضعيف الرّوح، غلا في تقدير العقل وقصّر في قيمة العاطفة. والأخطر من ذلك أنّكم نصّبتم أنفسكم أولياء على النّاس تشرفون على أعمالهم، وجعلتم من أنفسكم حكّاما داخل الحكم مهدّدين حرّيّة النّاس، وداعين إلى الفوضى والاضطراب بميلكم إلى مشاركة أولي الأمر في تسلّطهم على البشر. علاوة على أنّني لم أر تعصّبا مثل تعصّب المعتزليّ للمعتزليّ.
النّظّام  – لا تتهرّب حدّثني عن عمر بن الخطّاب…
أبو نواس – عمر بن الخطّاب شجّع البداوة خوفا على العرب والأعراب من التّرف. والبداوة هي أصل الدّاء لأنّها أبقت على تركيبة القوم في الجاهليّة بينما جاء الإسلام ليقتلع جذورها : فبقيت البطون والعشائر والطّوائف كما هي بل زادت تفاقما. وبالطّبع بقيت معها الجهالة والعنف والفوضى. ولم يجد ما يخفّف على دولة الإسلام إلاّ دفعهم إلى خوض الحروب خارج الجزيرة العربيّة. ولولا ذلك لانقلبوا على الخلافة ولقوّضوا دولة الإسلام النّاشئة، ورجعوا إلى ما كانوا عليه.   
النّظّام -. عمّن رويت هذا وفي أيّ كتاب قرأته، مع أنّ العربيّ بامتلاكه روح البداوة حافظ على جرأته وإقدامه واعتماده الشّديد على نفسه…
أبو نواس – اسمعني ولا تقاطعني… ألم يقل عمر بن الخطّاب اخشوشنوا فإنّ الحضارة لا تدوم. وأكثر من ذلك قال : تمعددوا أي كونوا كمعدّ شظفَ عيش، وخشونة، وغلظَ معاش وتقشّفا. هي حياة البداوة حياة الأعراب الّتي جاء الإسلام ليقتلع جذورها. ومضى إلى القول : “عليكم باللّبسة المعدّيّة”. أليس هذا انحرافا عن مبادئ الإسلام. وهو نفسه لم يفارق اللّبسة المعدّيّة خلافا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي كان يحثّ على الحضارة والمدنيّة ويهوى طيب العيش ويسعى إلى التّطيّب ويحضّ على ما في الحياة الدّنيا من زينة ومتعة.
النّظّام – ( يظهر وكأنّه معجب بذكاء الحسن بن هانئ ) دائما تحيّرني يا أبا عليّ. أنت تتبجّح بالحضارة واللّطف والرّقّة ولكنّك كثيرا ما تبدو عنيفا، تتحدّى النّاس، وتشتم، وتثلب، وتتعمّد الإثارة. أنت تأخذ من البدو هذه الشّراسة وحبّ الظّهور والشّموخ والخيلاء والتّمسك بالعصبيّة. بين جنبات كلّ عربيّ  بدويّ يتحفّز للانقضاض.
أبو نواس – أتراني، يا أبا إسحاق، أؤمن بهذه التّرّهات من يمانيّة وعدنانيّة وما لفّ لفّهما. وإنّما علاقات النّاس بُنيت في هذا الزّمن على العصبيّة، بدونها لا يمكن لأيّ كان مهما بلغ شأوا في العلم والأدب والشّعر أن تكون له مكانة مرموقة، وأن يحمي نفسه من ظلم الظّالمين، وعدوان المعتدين، وطغيان الطّغاة. وبهذا أمكن لي أن أتطاول على كبار القوم وحتّى الخلفاء. يا أبا إسحاق عرفت النّاس وفهمت كيف أنّ أغلبهم:
تلقاه في الشّرّ ينأى    وفي الرّخا يتدلّى
هم كطائر القرلّى كثير الحذر يوجد على ظهر الماء، على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى قعر الماء طمعا، ويرفع أخرى إلى الهواء حذرا. هل تريد منّي أن أكون كما قلتُ في البرامكة :
هذا زمان القرود فاخضع   وكن لهم سامعا مطيعا
النّظّام  -. ( وقد أخذ فيه النّبيذ شيئا ما وارتاح لأبي نواس ). لولا هجاؤك للنّاس، يا أبا إسحاق، لكنت أحبّ ظرفاء بغداد ! يعجبني فيك لطف معانيك، ورقّة طبعك، وتفلسفك أحيانا، وقربك إلى نفسك… فكأنّ الكلام جُمع لك فاخترت أحسنه… أتحدّث عن شعرك… وممّا أعجبني بيتان قلتهما  وهما :
تركتَ منّي قليلا   من القليل أقـــلاّ
يكاد لا يتجـزّا   أقلَّ في اللّفظ مـن لا
أنت أشعر النّاس في هذا المعنى. والجزء الّذي لا يتجزّأ نخوض فيه منذ دهرنا الأوّل ما خرج لنا من القول ما جمعته أنت في بيت واحد. ولكنّي مع هذا أخاف عليك أن تذوب لطفا ورقّة. لقد خسرتك الفلسفة، أمّا الشّعر فقد غنم منك الكثير.
أبو نواس  -. صحيح. ماذا تريد منّي أن أفعل لأكون شاعرا مهابا. عشت في الصّحراء أكثر من عام وانغمست مع أعراب البادية في عيشهم الجدب، وتعلّمت الشّعر واللّغة العربيّة الفصيحة، وأثّر ذلك فيّ. والشّعر عند العرب إذا خلا من المدح والهجاء فهو ليس بشعر. وما دور الشّاعر إذا هو لم يعرّف بالمناقب ويشهّر بالمثالب. هو يردع من احتمى بالسّلطان وعاث فسادا في الأرض ويشيد بمن يريد الحاكم الحطّ منه لفضل فيه وأنفة. ومَنْ غيرُ الشّاعر في إمكانه نشر الفضل والقيم بين النّاس والتّشهير بالخسّة وفساد الطويّة. أنا متمرّد حتّى على نفسي.
النّظّام  – ( يسمع فرقعة آتية من المقصورة ويكفّ عن شرب النّبيذ مستعدّا لإنهاء الحوار) لكن لا بدّ من حسن السّيرة والسّلوك وحفظ ذمار الجار، والوفاء له والأنفة من العار، وطلب السّلامة من الأوزار.
أبو نواس – ليس أحسن منّي تودّدا للإخوان وكفّ الأذى عن الجيران. أليس فيّ من لطف الشّمائل وتتبّع الجمال والتّأنّق في الملبس والتّطيّب والزّينة، والهيام بالرّياض والأزهار، والولوع بالطّريف الّذي لم تعرفه العوامّ، واللّباقة في التّعبير عن الإحساس بثاقب الأفكار، والشّغف بالغناء والرّقص ما يجعلني إمام الظّرفاء ؟
النّظّام  – تذكّرت. أنا على موعد مع عمرو بن بحر الجاحظ. إنّه وعدني بنسخ كتاب هامّ تُرجم عن أرسطاطاليس. 
أبو نواس  – هذا الكاتب الذّكيّ المعتزليّ.
النّظّام  – نعم يحضر مساجلاتنا، معرفته جيّدة بشتّى العلوم، هو فصيح، كاتب نحرير.
أبو نواس – باللّه عليك يا أبا إسحاق أن ترجع بعد ملاقاته. ادعه من طرفي ليزورني أنا مشتاق إليك وإلى معرفة هذا الكتاب الجديد. الجاحظ صاحب نكتة أيضا وخفيف الظلّ.
النّظّام – (مبتسما) سأحاول. من اكتوى بلهيب الفلسفة لا يمكن أن ينساها…  
أبو نواس – ولكن من عرفها وتمسّك بـها يصبح أكثر أعدائها ضراوة وخروجا عن ماهيتها إذا رام إرضاء الحكّام، ودلّهم على ما يسهّل عليهم التّسلّط على النّاس، وتسخير الدّين لأهوائهم.
( يتّجه النّظّام نحو الخروج، ويلتفت لحظة إلى أبي نواس متردّدا في مواصلة النّقاش أو الكفّ عنه. ثمّ يخرج صامتا ).

مسرحية المتمرّد صدرت مؤخّرا بتونس عن دار الأطلسية للنشر

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This