فيلم “خارج التغطية” : بين السياسة والفن واستياء السجناء؟

مشهد من فيلم “خارج التغطية”
أثار الفيلم السينمائيّ  “خارج التغطية ” للمخرج السوريّ عبد اللطيف عبد الحميد استياء الكثير من النخبة المثقفة والمعارضة السورية، خاصة داخل أوساط السجناء السياسيين وعائلاتهم، لكون الفيلم يطرح موضوع السجن السياسيّ (ولو بشكل غير مباشر) وهو الأمر الذي يحصل للمرة الأولى في تاريخ السينما السورية التي تدعمها الدولة عبر المؤسسة العامة للسينما التي لا تسمح بإنتاج إلا ما يتوافق مع الرؤية السياسية للدولة والنظام السوريّ.
وكان الاعتراض أنّ الفيلم يشوّه سمعة السجناء السياسيّين ويشوّه الحقائق ويتماهى في  نهاية الأمر مع رؤية السلطة التي سمحت بالفيلم لمجرّد هذا الأمر.

خارج التغطية :

يتحدّث فيلم خارج التغطية عن صديقين(فايز قزق ونضال سيجري) يدخل أحدهما السجن (نضال) لمدة عشر سنوات، لأسباب غير واضحة بشكل مباشر ولكن يستدلّ عليها من خلال الفيلم أنها سياسية، ليقع العبء على صديقه للاعتناء بزوجة السجين (صبا مبارك)  وطفلته على حساب الاهتمام بأطفاله وزوجته التي توضّح لنا أحداث الفيلم علاقته الفاترة بها، ولكن البطل يقع في حبّ زوجة صديقه  ويبدأ الصراع الدراميّ والنفسيّ يحفر عميقا في بواطن الشخصّيتين (فايز وصبا) فهو الممزّق بين توقه لحبّ يخلّصه من فتور علاقته الزوجية وبين واجب الوفاء  والإخلاص لصديقه الذي أمّنه على بيته وزوجته وهي الممزّقة أيضا بين واجب الوفاء لزوجها وبين نداءات الجسد المهجور المشقّق من غياب المتعة.   يتكثّف الصراع  ويلعب لعبه في الشخصيات حتى تقوم الزوجة بزيارة زوجها في السجن وتريه صور العائلة ويلحظ بينها صورة صديقه فينظر للزوجة بشكّ يفّتت روحها ويدمّر آخر قلاع المقاومة عندها، فهو يشكّ بها حتى قبل أن تخطئ .


وهو الأمر الذي يدفعها للخيانة حيث يصوّر لنا المخرج لحظة عودتها من السجن حين توقف السيارة وتنزل لترقص في مكان أشبه بصحراء قاحلة غير عابئة بنظرات المحيط محاولة بذلك التحرّر من ضغط المحيط وقيمه ولكنّ هذا الأمر لا ينجح فعندما يتعانق الجسدان في مشهد الفيلم الوحيد لا نشاهد مشهد حبّ بين جسدين متصالحين بقدر ما نرى أرواحا تتصارع وشهوات تنفلت بين جسدين منفصلين تحكمهما قيم المحيط النفسية والاجتماعية والعائلية والضغط السياسيّ أيضا ليتحوّل مشهد الحبّ الوحيد إلى نحيب وبكاء يفضح هشاشة الحب في مجتمع محكوم بسلطات اجتماعية وسياسية تقمعه وتمنع عنه أوكسجين الحياة.

لا شيء جديد في خارج التغطية من حيث الجوهر عن أفلام عبد اللطيف الأخرى “صعود المطر” و”رسائل شفهية”  و”نسيم الروح” حيث هناك دائما امرأة ضائعة بين حبيب وزوج أو زوج ضائع بين امرأتين (زوجة وحبيبة) ودائما يخسر الحب.
عبد اللطيف عبد الحميد دائما يركز في مجمل أفلامه على الإنسانيّ العامّ وجدله وتداخله مع الخاص الحميميّ عبر قراءة نفسية شاعرية لذوات الشخصيات الممزقة والمغتربة  بعيدا عن الآنيّ والسياسيّ المباشر.

الجديد الوحيد في الفيلم هنا هو موضوع السجين السياسيّ وهو برأيي موضوع ثانويّ لأنّ الفيلم لا يتحدّث بصورة رئيسية عن السجن السياسيّ -وفق رأيي- ولا عن السجناء، إنما يتحدث عن موضوع الخيانة والحبّ عبر قراءته لذوات الشخصيات بعيدا عن أيّ بعد سياسيّ .

والخيانة هنا ليست بمعناها الفجّ والسقيم بل بمعناها المحيّر والملتبس والمنقسم فالبطل يخون صديقه مع زوجته ولكنه لا يخون روحه التي تحبها وتتمسك بها فعلا وهو يخون زوجته أيضا لأنه نام مع امرأة أخرى ولكنه لا يخونها روحيا لأنه لا يحبها وهي كذلك الأمر تخون روحها التي تلاحق طيف زوجها السجين وتكسب جسدها الممزق بين حاجته من المتعة والشبق وبين وفائه للحب والزوج الغائب. إذا تبدو الخيانة نسبية لا مطلقة، لا تقبل وجهة نظر واحدة، بحيث نتساءل في نهاية الفيلم : ما هي الخيانة فعلا؟ من خان من؟

دون أن نعثر على جواب يبدد الشك باليقين ..

وهنا حصل الالتباس حول الفيلم إذ نظر الكلّ للفيلم كرؤية سياسية -وخاصة منتقدي الفيلم – بعيدا عن رؤية الفيلم الفنية التي تستخدم السجن السياسي كمتكأ لتقول ما تريد وليس العكس.

السؤال الاستنكاري الذي طرحه عليّ العديد من الزملاء والأصدقاء ( ومنهم  سجناء وأبناء  سجناء سياسيين سابقين) :
إذا كان صحيحا أنّ الفيلم يتحدث عن الخيانة وليس عن السّجن السياسيّ لماذا إذا وجود السجين السياسي؟ لماذا لا يكون سجينا مجرما مثلا ؟
هنا بيت القصيد وهنا يكمن اللعب الدراميّ في الفيلم طالما أنّ المخرج يتحدث عن موضوع الخيانة، فعليه أن يوجد معادلا دراميا قويا لمن يجب أن تتم خيانته. وهل هناك أفجع  من خيانة قضية عظيمة ؟

فمثلا لو كان السجين سجينا عاديا مجرما لما كنا تعاطفنا وانفعلنا وانزعجنا لأنّ هذا الموضوع يتكرّر في كلّ الأفلام التي نراها على شاشات التلفاز والسينما. لكن استحضار سجين سياسي بما يمثله هذا السجين من هيبة ورمز وقداسة في ذهن النخبة والعامة، ووجود شخص صديق لهذا السجين يتفانى بصدق وحب في مساعدة أسرة صديقه وفي محاولة تأمين زيارة له متحمّلا في ذلك متاعب جمّة أقلها توبيخات زوجته المتذمرة والحضور المتكرر للفروع الأمنية بما تمثله من كلاحة ورعب ودمار، حيث يعمل المخرج على بناء هذا البعد الايجابي للبطل الذي يجعلنا نعجب به ونحبه ونتفاعل معه ونشجعه على حبه من زوجة صديقه وفجأة يظهر الزوج  فنرتبك  ويتخلخل وعينا ونساءل منظومتنا الأخلاقية عن أخلاقية ما يحصل، دون أن نتمكن من الحصول على إجابة شافية أو القيام بإطلاق حكم مّا، فنتمزق بدورنا بين حدّي الوفاء والخيانة القاتلين.

يعرّي لنا الفيلم أيضا نوازع الشخصية الداخلية ومتاهاتها المظلمة، إذ مقابل كل نور ظلام، حيث يظهر لنا الوجه الآخر للشخصية عندما يحين موعد خروج الزوج السجين من السجن فيسعى البطل فايز قزق للحيلولة دون خروج صديقه من السجن من خلال ذهابه إلى المركز الأمني محاولا القول أن خروج صديقه يهدد الأمن العام ولكن ضميره يصحو في اللحظة الأخيرة ويتراجع.

هكذا إذا، بوجود السجين السياسيّ يبدو فعل الخيانة (أو الحبّ) فجائعيّا ودراميا ويبدو وقعه على النفوس حادّا ومربكا  وموضع جدل، مثيرا بذلك العديد من الأسئلة في النفوس المرتبكة والمنقسمة بدورها. بينما لو كان السجين جنائيا لما كان الفعل الدراميّ قد وصل إلى ذروته وأثار ما أثار من ردود فعل وجدل.

كما أنّ الفيلم – رغم أنّ السجن السياسيّ لم تكن قضيته المحورية- قد سلّط الضوء على معاناة أهل السجين من خلال تصويره مدى معاناتهم من أجل تأمين زيارة له، وصعوبة الحصول على إذن الزيارة وعدم معرفتهم بموعد خروج السجين وتصويره المرعب لدخول فايز قزق إلى الفرع الأمنيّ وهو يرتعش من الخوف معبّرا بذلك عن الخوف الذي زرعته الأجهزة في أوصال الشعب ودمه من تلك الفروع  التي تشبه القبور، وكذلك الأمر من خلال تصويره لعمل العنصر الأمنيّ في كشك ليؤمن معيشته لأنه بدوره مستلب ومرتهن.

ربما الأمر الوحيد الذي أخفق فيه الفيلم هو تصويره السجين السياسيّ (نضال سيجري) ببرود حادّ بعيدا عن حرارة اللحظة وشوقها خاصة من خلال نظرته التي تشي بشكه في خيانة زوجته له..
هنا ربما لو صوّر المخرج اللقطة بحرارة ودفء وحنان وشوق لربما كان الأمر أجمل ولربما خفّف  من استياء السجناء الذين رأوا في السجين صورة لا تشبههم ولا تعبّر عمّا عانوه من عذاب ومشقة وأهوال وعما اختزنته قلوبهم من شوق ودفء لتلك اللحظة / المعجزة .

 إنّ النظر إلى الفيلم من زاوية سياسية لا يخدم السياسة ولا الفنّ أبدا، وإنّ وجود سجين سياسيّ أحبّت  زوجته أثناء غيابه لا يسيء أبدا من وجهة نظري لهؤلاء السجناء وقضيتهم التي تبقى- ويبقون معها- محلّ تقدير واحتــرام وتبجيل  وتبقى جراحهم ومعاناتهم وسنوات سجنهم الظالمة نبراسا تنير دروب الحرية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق