من يوميات زائرة لموقع الأوان!

حين داهمتني البلادة والخواء فصحوت خاوية الصدر من الثورات والفورات وأحلام الترحال المتعب بين القارات، وغير فاهمة لمٍِ َأقسم الله بالقلم وما يسطرون وقد انتابني الزهد في الحروف والسطور وما يكتبون ومن يقرؤون. وجدتني تلقائيا أفتح موقع الأوان مفتّشة عمّا قد يؤجّج شططي!…

أقرأ…أغضب…أقتنع…ألعن…أهدأ…أعيد التفكير…يعاودني الشك ومن بعده يقين…ماذا يريد العقلانيون العرب ممن أسّسوا هذا الموقع؟! هل أدعو مع الدّاعين “ألا تبّت أيديهم وساء ما يعملون”؟! لا…ليس هذا مزاجي…فهل أعتنق حلم “العقلانية” والثورة على الفكر الدينيّ؟ والله ولا هذا مزاجي! إنه إبليس الأسئلة يتلبّس رأسي ولا فكاك! كُتب عليّ أنّي سأظلّ أسأل العقلانيين عن عقلانيتهم والأصوليين عن أصوليتهم والروحانيين عن روحانيتهم ما حييت!

{{ترى من يشاركني شططي الآن؟!}}

ألقيت نظرة على “عدد الزوار المتواجدين حاليا” فوجدتهم مائة وتسعة من بلدان مختلفة…حسن…هناك مائة وثمانية آخرون يشاركونني البحث عن ثورة…أو ربما يدرسون جبهة العقلانيين كي ينفذوا عبر ثغورها ويسحقوا منطقهم …أو ربما هم باحثون فقط، يجهدون ما وسعهم الجهد لطمس تحيزاتهم الفكرية ناشدين “موضوعية” قرأوا عنها وتوهموا أنهم بالغوها وإن بشقّ الأنفس!

ثلاثة فقط من بين الزوار من مصر من بينهم أنا….بعد نصف ساعة زاد علينا واحد فصرنا أربعة من مصر…ترى ما خلفياتهم؟ ما انتماءاتهم…هل أربعة عدد كاف لتشرب الثورة العقلانية على الفكر الدينيّ في نسيج مجتمعنا التقليديّ ثمّ إعادة إنتاجها ونشرها وتصديرها فضلا عن تنفيذها؟

{{دعني أفكر!}}

من بين الأربعة –في ظني- اثنان على الأقل هم من أنصار اثورة العقلانية أصلا…فلا هم أتعبوا الأفكار معهم ولا الأفكار أتعبتهم…غالبا- هكذا فكّرت- أحدهما يساريّ…..أقرب إلى نمط المنظّر أو المفكّر…وهذا لا أمل منه في إدخال ثورة موقع الأوان حيز التنفيذ!
ربع من كان معقودا عليهم الأمل في اعتناق الفكر العقلانيّ في مصر مشلول إذن!

الثاني ليبراليّ…في الغالب ناشط كأكثرهم في مصر…عضو في أحد الأحزاب الليبرالية…..لا يكره في حياته أكثر من الأصولية…ولا يتوانى في ممارسة الأصولية الليبرالية في مواجهة الأصولية الإسلامية! أو كما قال لي أحدهم ” أنا مع حرية الفكر والعقيدة…لكن هناك فئة من الكائنات البشرية لا يمكن التعامل معهم إلا بضرب رؤوسهم بالمقارع “!

وهل يُنجب مثل أولئك بعد مخاض عسير إلا ثورة شائهة منحرفة عن الروح التي أرادها الثائرون لثورتهم من الأساس؟ روح الحرية…لا تعقدوا إذن- أيها القائمون على موقع الأوان- الأمل على ذاك أيضا!!
وهكذا فإنّ نصف الثائرين العقلانيين في مصر لا يمكن التعويل عليهم إذن!

الثالث- في تصوّري- “إسلاميّ مستنير”…لا يميل إلى الحلول الراديكالية ولا يرى خروجا من نفق الثقافة العربية الإسلامية المظلم إلا إعادة التنظير وإعادة قراءة التاريخ الإسلاميّ وتنقية كتب التراث والتفسير واستلهام روح ابن رشد في فلسفة الأمور ومنطقتها…

وهذا الزائر الإسلامي المستنير لا يغلق عقله في مواجهة النقد والسؤال المخلص لوجه العلم…

وهذا الزائر الإسلامي المستنير- أتخيّل- حين قرأ مثلا مقالة السيد حميد زناز المعنونة ” إسلام أم إسلامات؟” والتي يقول فيها الكاتب “لكن ما يستدعي الضحك والإشفاق معا هو التنحنح والسعال الذي يصيب المصلّين والذين يؤمونهم أثناء صلاة التراويح في مساجد السعودية والمغرب وبلاد الملوك الأخرى حينما يَصلون إلى سورة النمل ،الآية 34، التي تقول في الملوك ما قاله مالك في الخمر: ” قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون”. أكثر من ذلك إنّ الملكية اليوم أينما كانت في السويد أو في البحرين دستورية أو مطلقة، هي إهانة للكرامة البشرية بل هي شكل من أشكال التمييز العنصريّ” قال في نفسه “ما للملكية وما لانتهاك الكرامة الإنسانية؟” قبل أن يعود إلى تفسير ابن كثير ليقرأ تفسير سورة النمل الآية 34 التي أوردتها المقالة والتي نصها ” قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون” فيجد في تفسير ابن كثير أنّ الملوك المقصودين في الآية هم الملوك الغاصبون البلاد والأرضين وليسوا الملوك الوارثين الملك! فيقول في نفسه “يا سيد زناز، ألا تعود إلى تفاسير القدامى قبل الاجتراء على النصوص؟”…وحينها ربما يأخذه عقله إلى أنّ توريث جمال مبارك الحكم في برّ مصر الذي لن يظلّ بعد التوريث “جمهورية” مصر- ليس بهذا السوء الذي يدّعيه المعارضون! لكنه لن يلبث أن يعود إلى حيث ابتدأ…إلى فكرة تمحيص التفاسير القديمة ومن بينها تفسير ابن كثير!

وهذا الزائر نفسه حين يقرأ “قفلة” المقالة التي يقول فيها الكاتب “هل تفلح أمّة تُناقش في جامعة من جامعاتها في بداية الألفية الثالثة رسالة أكاديمية تحت عنوان ” الصواعق في تحريم الملاعق”؟ ” سيقول في نفسه: “في هذا لم يخطئ الرجل!…صحيح كلامه، ومخجل ما يبحث الباحثون في أمّتي!…صواعق ماذا وملاعق ماذا؟! رحم الله أمتنا من جهل أبنائها!”

لكنّ هذا الزائر نفسه لن يبارك –مثلا- ما كتبت منى أسعد في ملفها عن طابو غشاء البكارة…
كما سيتساءل: لمَ عمر الخيام؟ لمَ شعر الخيام على جانب الصفحة الرئيسية للموقع بكلّ ما يثير الاسم في الذاكرة المسلمة الشعبية من شكوك ؟!

ولن يتقبّل بسهولة ما قال زناز في مقالته الأخرى “يا عمال العالم صلّوا على النبيّ” عن اغتراب الملحدين في الجزائر في صيام رمضان…وسيقول في نفسه” يا سيد زناز ما اغتراب الملحد في بلاد المسلمين أشدّ وطأة من اغتراب المسلم في بلاد أوروبا، فحين كنت في أوروبا كنت لا مرحّبا بصيامي إذ يجهدني ويضعف جسدي ويثير الفضول نحوي بل والمطالبة بأن أدع هذه “الخزعبلات”…”

كما أنه سيكون في منتهى الحذر في تبنّيه مقولات زناز عن الردّة والتكفير في مقالة الأخير عن رحلة الحاج مجدي من المسجد إلى الكنيسة، محدّثا نفسه بأنّ أمر التكفير فيه القول الفقهيّ الكثير والمراجعات على أشدّها والفتاوى على تغيّر وتبدّل وتطوّر، وأن من يهاجم الإسلام من ثغرة الحكم بالتكفير وقرنه بعقوبة الردّة لهو مماحك لا يفقه عن الإسلام الكثير اللهم إلا بغرض الطعان فيه…

وهذا الزائر لن يجد في مقال زناز التي تفنّد مقولات فوكو عن “الروحانية السياسية” في الثورة الإيرانية قائلا ” هل كان موقف فوكو (المحتفي) من الخمينية مجرد هفوة، أساء فيها فهم الأحداث أم أنّ القضية تتعدّى إلى وجود صلة ما بكل كتاباته النظرية ورؤيته الفلسفية؟ تلك هي المسألة – لن يجد فيها إلا نصرا لروح الثورة الدينية ومحاولة من الكاتب لإسكات صوت الحقّ الذي جاء من “أهلها” وتحيزا أعمى للحضارة الغربية.

وهذا الزائر الذي ربما يكون شريك حوار لا بأس به وحجرا في بناء التغيير الفكريّ في بلادنا “حباله طويلة”! وقد يحيا الحياة ويموت وفي نفسه شيء من “التنوير” لا يدري ما هو! فدعوا هذا في صومعته إلى أن يقضي الله أمرا…لربما خرج علينا بالثورة التي طالما حلمنا بها…لكن في ثورتكم العقلانية…لا تنتظروه! سيروا بدونه إذن ما قدّر لكم من مسير!

وهكذا فإنّ ثلاثة أرباع “المتورّطين المحتملين” في ثورة العقلانية عبر موقعكم لا خير فيهم!

الثالث(الثالثة) أنا…رغما عني انجذبت إلى المقالات التي تخاطب الشقّ الأنثويّ منيّ…المقالات التي تدعوني للانتفاض كأنثى وإعادة التعرّف إلى ذاتي لا عبر ذكر بل عبر وعيي أنا بذاتي وسرّ وجودي وكينونتي المستقلة…المقالات التي تعدني بالحرية…المقالات التي تحدّثني عن جسدي وثورة جسدي…لكنّ عقلي من دون تردّد يبدأ في عقد مقارنات لا متناهية بين المنهجين لأصل في النهاية كعادتي إلى اللاشيء الأكبر! إلى التساؤلات الحبلى بتساؤلات…حيرة تنتهي بي إلى أن أنفض رأسي متخلصة من الكلّ محاولة الانخراط في حياة يومية بطيئة مملة مرسومة لي ولم أرسمها…أنثى أو جنّيَّ أزرق! حرّة أو مكبّلة…مسلمة أو ملحدة… “مُشيّئة” أو “مُسلّعة”… لا يهمّ!..المهمّ الانحراط المتقن في الحياة اليومية حتى تذوب الأفكار أو تتحوّل تدريجيا إلى دهون تتراكم حول نصفي الأسفل!

وهكذا يا سادتي القائمين على موقع الأوان، أقول لكم إنّ الثورة العقلانية في مصر مُجهضة لا محالة بتداعي قوائمها الأربعة من الثائرين المحتملين!…ولا أدري إن كان في هذا خير البلاد أم ماذا لكنه ليس فيه خير الموقع يقينا!

وربما يكون الأمل معقودا على الستة زائرين الذين سجلهم العداد وعيّن موقعهم في “السعودية” وهم ولا شكّ يقرؤون ملتذّين كلماتكم المنشورة التي تدقّ بقوة على أبنية بلادهم الاجتماعية وتمزّق ملابس الفضيلة التي يرونها كالأكفان تلفلف أجساد النساء لتسلمهم إلى موت بطيء للروح، وهؤلاء مع ثورة موقعكم- على الأقل- بقلوبهم! وإن كان اثنان على الأقل منهما يلومان موقعكم على أن حرمهما “بهجة العمى” وزاد من اغترابهما بفكر يقال له “متنوّر” في مجتمع يقال له “ظلاميّ”!

وهناك أيضا ثلاثة من فلسطين…وأحسب أنّ من بينهم امرأة واحدة ولنقل إنها من غزّة…وهذي لا تعرف حقا هل من حقها أن تنخرط في ثورة المثقفين المخملية هذي بكل ما فيها من ترف بينما هي و بنو جلدتها مسجونون في أكبر سجن شريطيّ في العالم، قطاع غزة؟! لكن أبشروا على كل حال! فالفلسطينيان الآخران وأحسبهما من الذكور يمكن أن يعقد عليها الأمل…

أحدهما أكاديميّ –هكذا أتصوّر- أخذ على عاتقه أن يوصل أفكار موقع الأوان بعقلانيتها وانتهاكها الطابوهات لتلامذته إلى أن يقضي –غالبا- برصاص قوات الاحتلال على أحد “المحاسيم”!

الثاني فتى يساريّ…ربما يكون فلسطينيا مسيحيا…يرى أنّ له الحقّ في الجهاد لتحرير بلاده حتى دون أن يحمل على جبهته “لا إله إلا الله محمد رسول الله”….فالجهاد والاستشهاد والوطن والحرية مفردات لا تعرف مسيحيا من مسلم …وفي هذا أمل في تدشين فكر عقلانيّ في بلاده… فساعدوه!

ومن الإمارات لست ألمح إلا زائرا واحدا منذ الصباح…هذا ناج وحيد من طواغيت الحياة الاستهلاكية التي تهيمن على المراكز التجارية التي تناطح السحاب في الإمارات…صحوة يحسد عليها…لا تدعوه يفلت منكم!

وفي تونس هناك زائر وحيد كذلك…ووحدته تدهشني…فقد حسبت أنّ المغرب العربيّ يستأثر بأكبر عدد من الزيارات عموما…ما علينا من هذا…أحسبه حقوقيا يبحث عن أطر نظرية لممارساته الدفاعية عن حقوق الإنسان في بلاده…وفي الغالب يشغله حدّ الأرق الحقّ في حرية التعبير…ويبدو أنه وجد في موقعكم ضالته! هذا ثائر مناسب!

لا أحد من الجزائر… وهذا مفهوم…!

زائر وحيد من اليمن….. لست أحسب فقر الواقع من حوله يساعده –مهما أخلص في اعتناق فكر الثورة العقلانية- على إدخال هذه الأفكار حيز التنفيذ…..فلا تراهنوا عليه!

ومن الولايات المتحدة ألمح العدد الأكبر من الزائرين…ستة وأربعون زائرا…عدد مغر بالمراهنة عليهم…لكنهم هناك…حيث الثورة قامت بالفعل منذ عقود! فهل لا تزال أظافرهم قادرة على حكّ جلودنا؟ أم تراها نعمت تلك الأظفار في بلاد الحرية وما عاد أصحابها يذكرون ما الحكّة أصلا؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق