المثقّف وتقلّبات السّلطة العبثيّة

 

يقول التوحيدي في مثالبه على لسان الحاتمي:

“استخدمونا(يقصد النخبة الحاكمة) في مجالسهم بوصف محاسنهم، وستر مساويهم والاحتجاج عنهم، والكذب لهم، وأن نكون ألسنة نفاحة عنهم، فليثيبوا على العمل فإنّ في توفية العمال أجورهم قوام الدنيا وحياة الأحياء والموتى… (ثم يروى)قلت للزعفراني الشاعر… أُصدقني أيها الشيخ عن هذا الإنسان كيف وجدته (يقصد ابن عباد) فقال:وجدته كليل الكرم، حادّ اللؤم، دنس الجيب، مثريا من العيب… غناه يدعو إلى الكفر برازقه، وأنا أستغفر الله من قولي فيه ونفاقي معه ولعن الله الفقر فهو الذي يحيل المروءة، ويقدح في الديانة ولو كان لي ببغداد قوت يحفظ علىَّ ماء الوجه، ما صبرت على هذا الرقيع المجنون، ولكن ما أصنع…ما لي إلى الرزق باب إلا منه… وقال المسيبي : ليس له في الكرم دلالة … فسبحان من خلقه غيظا لأهل الفضل والأدب، وأعطاه فيضا من المال… ويروى(قلت للخوارزمي الشاعر)… كيف وجدت الصاحب، وقد أعطاك وأولاك وأثرك…حتى ملأت عيابك تبرا وحقائبك ثيابا ورواحلك زادا؟ فقال دعني مما هنالك، والله إنه لخوار في المكارم، زحاّف للمأتم، سماع للنمائم مقدام على العظائم… قلت للزعفراني:أرى الخوارزمي سيّء الرّأي في ابن عباّد مع ما يصل إليه منه، فما السبب؟فقال:ابن عباد سيّء السياسة لصنائعه، وذلك أنه يعطى الإنسان عطيّة ما، ثم يبلوه بجفاء يتمنّى معه لقط النوى من السكك… وقلت لأبى الفرج الصوفيّ:أنت شيخ صوفيّ ولك ذكر جميل… لم تتعاط لهذا الرجل الكلام في الزهد وتصفية الأعمال؟فقال:هذا رجل رقيع رفيع، له جاه ومال وهو مطاع ولست أصل إلى ما في يديه إلا بالرقاعة وأنا ثقيل الظهر بالعيال محتاج إلى القوت، فأحمق له ساعة حتى أنال منه هذا الحطام الذي قدتها لك عليه الخاص والعام”.

وهكذا كان على المثقفين بكافة طوائفهم أن يعانوا رقاعة السلطة وبغيها وجنونها وتقلباتها، ويقدموا كل التنازلات الممكنة، ويقوموا بالأدوار المحددة لهم سلفا في فضائها مهما كانت مهينة ومبتذلة، متحملين كافة الإهانات والتجاوزات من أجل الرزق، وكذا حلم الترف والرفاهية، ولعله حلم الأمان والحماية من تقلبات الزمن الرديء شديدة القسوة والعنف. إنّ صاحب العلم والأدب والحكمة، رغم ما منحته إياه الحضارة النصية من مكانة ومصداقية، إذ كان العلماء ورثة الأنبياء، ظلّ لا يستطيع إملاء شروطه في قضاء السلطة المانحة المناعة التي تملك عليه سطوة الحياة والموت، لأنها تملك قوته وقوت عياله، ونموذج أبى الفرج الصوفي نموذج لافت بشدة في هذا الصدد، ناهيك عن غيره من الشعراء والقضاة والفقهاء إلخ.بل حتى من استقر به الحال في إهاب السلطة، ونال الرضى ومباهج الترف والرفاهية، كان يدفع ثمن هذا يوميا من إهانات ومباذل، وحادثة صفع ابن عباد الخوارزمي واردة في المثالب، يمكن مراجعتها، كخير شاهد على ذلك ناهيك عن التهديد الدائم الذي يحاصره بزوال النعمة عند أوّل انقلاب للسلطة أو سأم يعتريها أو رغبة عبثية هوجاء لا منطقية تقرّر نيلها أو سلوك ظالم تمارسه إزاء هذا المثقف الملتحف بردائها، كالمتدثر بالريح ولعله خوف دفين من عدم إحكام السيطرة على هذا المثقف المهدد بعلمه لسطوتها!! وقد أورد التوحيدي في مثالبه حكاية عليّ بن الحسن الكاتب مع ابن عباد الذي هجره فجأة بعد اقتراب ومنادمة وعطاء، حتى أن هذا الهجر المفاجئ كشف مستور حال علي بن الحسن، وأضرّ به ضررًا كبيرًا، فاحتال ابن الحسن حتى دخل عليه وقرأ قصيدة ضمنها بيتا لابن عباد، وقال له : إنه سرق هذا البيت ليزين به قصيدته، فاستعاد انتباه ابن عباد، وداعب غروره، فأثنى عليه وقرّبه ثانية، وأغدق عليه الخيرات، فما لبث ابن عباد حتى اعتراه ملل أخر، فأبعد ابن الحسن، بل وضعه في الحبس، وجمع كتبه وأحرقها!!! إنها سلطة تقتنص مساحة الربوبية لحسابها إمعانا في تأكيد وإحكام سيطرتها على من يطاولونها بمعارفهم ليدركوا أنه لا ملاذ لهم خارج قبضتها، ولا منأى لهم عن رضاها وعطائها!! وهو ما يخصي داخلهم لا كبرياءهم وكرامتهم فحسب، بل إمكانات العصيان والتمرد التي ينطوي عليها دوما صاحب الوعي الناقد والإدراك الحقيقيّ النافذ.

ومن المثير للانتباه في هذا الصدد، ما أورده الجاحظ في كتابه التاج في أخلاق الملوك، حيث قال:

“وقد تحدث في أخلاق الملك. ملالة لشهوة الاستبدال فقط، فليس لصاحب الملك، إذا أحدث الملك خلقًا، أن يعارضه بمثله، ولا إذا رأى نبوة وازورارة، أن يُحدِثَ مثله، فإنّه متى فعل ذلك فسدت نيته، ومن فسدت نيته، عادت طاعته معصية وولايته عداوة، ومن عادى الملك فنفسه عادى، وإياها أهان. ولكن عليه إذا أحدث الملك الخلق الذي عليه بنية أكثر الملوك، أن يحتال في صرف قلبه إليه، والحيلة في ذلك يسيرة، إنما هو أن يطلب خلوته فيلهيه بنادرة مضحكة أو ضرب مثل نادر أو خبر كان عنه مغطى، فيكشفه له”.

ولعلنا نلاحظ تلك النبرة المسلّمة بالطبيعة الملولة العبثية لدى السلطة، والتي لا تبرير عقلي منطقي لها، وإنما هي شهوة الاستبدال ورغبة التغيير والتجديد فحسب !! والرغبة في حدّ ذاتها مشروعة ومقبولة إنسانيًا، لكن ما يجعلها تتسم في هذا السياق بالطابع الاستبدادي العبثيّ هو كيفية معالجة صاحب الملك أو النديم، موضع الملل لها عبر مساحة التلهية والتحايل على الملك بنادرة مضحكة أو ضرب مثل غير مألوف أو كشف مجهول .. إلخ !! أيّ استثارة فضول الملك وبث روح الطزاجة في لقائه مع هذا الصاحب الذي أصابه بالملل، ولم يعد يقدم جديدًا مثيرًا وممتعًا!! وقد يتبدى هذا الطرح للوهلة الأولى ممكنًا في هذا السياق الوسيط، غير أنه يكشف لنا، لا عن استبداد السلطة وعبثية معاييرها فحسب، بل عن استهانة لافتة بالسلطة وقدرها وسطوتها. إنها سلطة طفولية الطابع يمكن تلهيتها والاحتيال عليها بطرائق يسيرة وسهلة، بل تصريف قلب صاحب السلطة وتقليبه!! وهو ما يعنى أنّ جذب هذه السلطة إلى مساحة الاهتمام والمبالاة لصاحبها، ونقض حالة الملل، مسألة بسيطة لا تحتاج سوى قدر من الذكاء النفعيّ وسرعة الحاضرة والبديهة التي تقارب صاحب الملك ونديمه من السحرة والحواة!! واستمع إلى الجاحظ يكمل قائلًا ما يلي :

“كما فعل بعض سمار ملوك الأعاجم، أظهر الملك له جفوة الملالة فقط، فلما رأى ذلك، تعلم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، ونهيق الحمير، وصياح الديوك وشحيح البغال، وصهيل الخيل، ثم احتال حتى دخل موضعًا يقرب من مجلس الملك وفراشه يخفي أمره، فنبح نباح الكلاب، فلم يشكّ الملك أنه كلب وابن كلب، فقال : انظروا : ما هذا! فعوى عواء الذئاب، فنزل الملك عن سريره، فنهق نهيق الحمار، وفرّ الملك هاربًا. وجاء غلمانه يتبعون الصوت … ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه، فأخرجوه وهو عريان مختبئ . فلما نظروا إليه، قالوا للملك،هذا مازيار المضحك . فضحك الملك حتى تبسّط، وقال: ويلك: ما حملك على هذا؟ قال : إن الله مسخني كلبًا وذئبًا وحمارًا، لما غضب عليّ الملك، فأمر أن يخلع عليه، ويُردّ إلى موضعه. وهذا لا يفعله إلا أهل الطبقة السفلى، أما الأشراف، فلهم حيل غير هذه مما يشبه أقدارهم”.

              ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاستهانة التي طالت السلطة، والتي وصلت إلى حدّ ارتعادها وفرارها من أصوات العواء والنهيق.. إلخ، طالت صاحبها الذي لجأ إلى هذه الوسائل المهنية المزرية كي يجتذب انتباهها، ويقضي على مساحة الجفوة بينها وبينه!! غير أنّ النصّ يخفف من حدّة المسألة حين يدرج مازيار المضحك في الطائفة السفلى من الندماء، وهم من يحتاجهم الملك للهوه ولعبه، وهى طقوس متعارف عليها في بلاط الملوك والعظماء!! لكن هذا لا يخفّف وطأة الطرح لأنّ سلطة يجتذب انتباهها بهذه الطريقة السفيهة الوضيعة لابد أن تكون سلطة ممتهنة لذاتها، ولمن يحيط بها، وينادمها!! وفى حين يلجأ الندماء الأسافل من طبقة المهرجين والمضحكين إلى هذه الوسائل الوضيعة لتجاوز مساحة الملل والجفوة، فإنّ الأشراف أو الطبقات الأكثر رقيًا من الندماء تلجأ لوسائل أخرى تتناسب وقدرها الشريف !!

ويضرب لنا الجاحظ مثالًا على هذه الحالة، راويًا لنا حكاية “روح بن زنباع”، وكان أحد دهاة العرب، وللوصف دلالته الموحية فى هذا السياق، أو هذا هو المعنى الظاهريّ !! وقد رأى روح بن زنباع نبوة وإعراضًا من الخليفة الأمويّ، عبد الملك بن مروان، فقال للوليد : ألا ترى ما أنا فيه من إعراض أمير المؤمنين عنيّ بوجهه، حتى لقد فغرت السباع أفواهها نحوي، وأهوت بمخالبها إلى وجهي؟ فقال له الوليد : احتل في حديث يضحكه! فقال روح : إذا اطمأن بنا المجلس، فسلني عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هل كان يمزح أو يسمع مزاحًا، فقال الوليد: أفعل . وحدث ما أراده روح، فانطلق يروى حكاية ابن أبى عتيق، وامرأته عاتكة التي هجته شعرًا، فأخذ شعرها وعرضه على عبد الله بن عمر، دون أن يخبره بأنّ قائل الشعر امرأته، وطلب منه حكمه على هذا الذي هجاه، فقال ابن عمر : أرى أن تعفو وتصفح، فعارضه ابن أبى عتيق قائلا: إنه لو لقي قائل هذا الشعر لنال منه، فغضب ابن عمر وقال له : أما تستحي أن تعصي الله، فأصرّ ابن أبى عتيق على موقفه، وافترقا. فلما تلاقيا ثانية، أعرض ابن عمر عن صاحبه لعدم سماعه نصيحته، فاعترضه الرجل، وكان من ظرفاء العرب، وقال له : علمت يا أبا عبد الرحمن أنّي لقيت قائل ذلك الشعر فنلته ؟ فصعق ابن عمر من جرأة الرجل في المخالفة وتحدّيه إياه وزاد غضبه، فلما رأى الرجل هذا، دنا من أذنه، وقال له : إنها امرأتي، فضحك ابن عمر وقام وقبّل ما بين عينيه!! أمّا الخليفة عبد الملك بن مروان، فما أن أنهى روح حكايته، حتى ضحك فاحصًا برجله، وقال : قاتلك الله يا روح، ما أطيب حديثك، ومدّ إليه يديه، فقام روح وأنكب عليه، وقبّل أطرافه، وقال يا أمير المؤمنين : ألذنب فأعتذر، أم الملالة، فأرجو عاقبتها، قال: لا والله : ما ذاك من شيء نكرهه، ثم عاد له أحسن حالًا !!

ولنلاحظ أن وصف ابن زنباع بكونه أحد دهاة العرب في هذا السياق، قد ينطوي على سخرية مضمرة ولاذعة ومريرة من الأمر كله، فما حكاه الراوي، لا يستدعى دهاء، ولا داهية، وليس الفارق بين فعل ابن زنباع، وفعل مزيار مضحك الملك العجمي، إلا فارقًا أخلاقيًا في درجة السفاهة والسذاجة. فكلاهما رام إضحاك الملك لتجاوز الجفوة، غير أنّ أحدهما، وبحكم موضعه في طبقة الندماء السفلية، امتهن ذاته، وملكه امتهان نافجًا واضحًا، أما الآخر الشريف، فقد لجأ لرواية النادرة الفكهة ذات القناع الأخلاقي، عمن ينتمون للصفوة من الأتقياء الشرفاء. فابن عمر هو من هو في ورعه وتقواه، وابن أبى عتيق هو عبد الله بن أبي عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، من نساك قريش وظرفائهم، وله أخبار كثيرة في الخلاعة بغير رفث، والمجون بغير فسوق، وقد غلبت عليه الدعابة واشتهر بها.

وهكذا يتم التأطير الأخلاقيّ الدينيّ للظرف والخلاعة والمجون والدعابة بما يجعلها تفارق العهر والفسوق، وهو أمر ينطوي على مفارقة هامة، خاصة ما رواه روح بن زنباع عن ابن عتيق وامرأته يضمر الرفث، والفحش(*) وإن لم يصرّح به، ويعتمد التلميح والإيحاء المثير للضحك بوصفه أكثر تأثيرًا من التصريح والإعلان !! وها هو عبد الملك ابن مروان يتجاوز ملالته وجفوته اللامنطقية تجاه روح حين ضحك على دعابته الأخلاقية الراقية من وجهة نظر الراوي، والتي هي دعابة الشريف الذي يسعى لاجتذاب انتباه السلطة دون أن يهدر كرامته وكبرياءه، أو هذه هي الرسالة الموجهة لسلطة تجفو لا لشيء يكره، وترضى لمثل هذا الحديث البسيط الفكه!!

وأيا كان الطرح، فهو يتناقض جذريًا مع معاييرنا العصرية ذات الطابع المعقد، والتي ترى كل هذا مهانة وابتذالًا، ولا يصلح لظروفنا وسياقنا الإنسانيّ كما نتصوّره حاليا!!

* لسان العرب (الرفث : الجماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته … والرفث أيضًا : الفحش في القول / والتعريض بالنكاح

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق