أضغاث أحلام…

الى العفيف الاخضر، فولتير العرب..
 
كيف نزلت علي الصاعقة ؟ 99 مليون يورو دفعة واحدة! أخيرا ابتسم لي الحظ وربحت اليانصيب الاوروبي، اكبر يانصيب في العالم.. شكرا للاتحاد الاوروبي، اكبر فضاء للحريات، جنة الحداثة وما بعد الحداثة.. الان استطيع ان أعيش كما أشاء وأشتهي. لا هم ولاغم ولا قلق على المستقبل ولا خوف من الفواتير ولا انتظار للتحويلات التي قد تجيئ او لا تجيئ..

 

ينبغي أن ألتقط أنفاسي لكي أكتب هذه المقالة، ان أتنفس الصعداء، ان اتمطط او أتمطمط ولو قليلا.. انا الآن فوق السحاب او تحت النجوم .. وقريبا أسبح بين المجرات..
سر ان اسطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد…

 

لكن لننزل الى الارض ولو للحظة ولنتساءل : ماذا سأفعل بكل هذه الملايين التي هطلت علي من السماء؟ ماذا سأفعل بعد ان اصبحت مليونيرا محسودا من قبل عشرات المثقفين العرب؟ وربما اغتالوني بسبب هذه الفضيحة التي لا تغتفر.. أول قرار اتخذته هو ان انام لمدة ستة أشهر متواصلة، نومة أهل الكهف.. لا كتابة ولا ترجمة ولا ثقافة ولا من يحزنون..سوف ارتاح من تعب القرون. وربما دخلت في عطلة طويلة لها أول وليس لها آخر، او قل انها تنتهي في العالم الآخر.. وربما طلقت الى غير رجعة حرفة الادب التي أدركت التوحيدي يوما ما فحرق كتبه لانها لم تؤد الى أي نتيجة ولم تنتشله من الفقر المدقع. ربما اشتريت شقة فاخرة في موناكو تطل على البحر من كل الجهات لان فرنسا لم تعد تليق بي. فرنسا اصبحت بلد عالم ثالث لا اكثر ولا اقل..وأنا أريد ان أعيش، ان أستمتع بالملذات الى أقصى حد ممكن، ان أنهب الحياة نهبا… في السابق كنت أتمنى لو تدعسني سيارة لكي أرتاح من دفع الاجار كل شهر. وأما الان فقد اصبحت حريصا على حياتي الى درجة ان الاطباء يفحصونني كل يوم.

 

اصبح عندي الان ثلاث سكرتيرات، كل واحدة أحلى من الثانية. الاولى لشؤون الامبريالية الاميركية. والثانية لشؤون الصهيونية العالمية. والثالثة لشؤون القومية العربية. ومؤخرا أضفت سكرتيرة لشؤون الاصولية الاسلامية.. ما حدا أحسن من حدا..صحيح انها نصف محجبة، ولكنه الحجاب الذي يزيد الاغراء بدلا من ان ينقصه. انه موضة بحد ذاته. ثم انها تعرف كيف تضع الماكياج في المكان المناسب وتظهر على شاشة التلفزيون الفرنسي او قناة الجزيرة وعيناها   تقدحان شررا. وصوتها يشبه فحيح الافاعي. وتكاد تشك في ايمانها وتقاها لانك حتما تشتهيها من أول نظرة. لم أغازل اي محجبة حتى الان على الرغم من الرغبة العارمة في ذلك. ولكن هذه مسألة وقت ليس الا..

 

كل السكرتيرات راضيات عني الان والحمد لله. ولذلك فاني استطيع ان اتناول فطوري بهدوء دون ان يصيبني خازوق في آخر لحظة فيقطع شهيتي عن الطعام. كل صباح أجس النبض، أنظر اليهن بشكل موارب من طرف عيني لكي أعرف فيما اذا كن راضيات ام لا، فيما اذا كنت قد ارتكبت حماقة دون ان أدري ام لا..اذا عبست احداهن انقطع ظهري او أسقط في يدي ودخلت في حالة من الاحباط والرعب الشديد. واذا ابتسمت اشرقت الدنيا في عيني وتنفست الصعداء وعشت نهاري كله في سرور وحبور. انها لعبة توازنات شديدة التعقيد وتتطلب مني في كل لحظة مراعاة اربع جهات دفعة واحدة، واحيانا النط واللعب على الحبال..فاذا ما مدحت احداهن بكلمة سرعان ما ينبغي ان أغازل الأخرى بكلمتين وهكذا دواليك..

 

هل دخل العالم كله دفعة واحدة الى بيتي؟ وهل اصبح التعايش في ظل هذه القوى المتصارعة حولي جحيما لا يطاق؟ نعم لقد فاجأتني ضراوة المعركة وأبعادها التي تزداد استفحالا واتساعا يوما بعد يوم. وكلما حاولت تحاشيها ازدادت تفاقما. الامور فلتت من يدي. وأصلا لم يعد لي وجود.. لا ريب في اني أعيش اكبر محنة في حياتي. فاما ان تقتلني في ارضي واما ان أتغلب عليها وأواصل مسيرتي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
هناك شيء واحد مؤكد على أي حال: هو اني لن أستسلم للفئة الباغية، أقصد الفئة القومجية- الاصولية ذات الاغلبية العددية او السوسيولوجية في العالم العربي، وربما حتى هنا في باريس، وسوف أخوض المعركة معها حتى النفس الاخير..والله سأفكك عقيدتهم ومشروعيتهم التاريخية، حجرة ، حجرة، منذ الف سنة وحتى اليوم. أنا لست انسانا، أنا الديناميت! (نيتشه). هذه هي معركتي الكبرى، معركتي الوحيدة، ودمي في سبيلها رخيص..

 

 قتلوا المعتزلة ايام الحنابلة في القرون الاولى وحرقوا كتبهم وشردوهم في الأمصار حتى لم تقم لهم قائمة. ثم قتلوا الفلسفة والعقل ايام الغزالي وكفّروا المعري والتوحيدي والفارابي والحلاج وابن عربي وكل مفاخر التراث العربي الاسلامي. كلهم اصبحوا زنادقة.. ثم حرقوا كتب ابن سينا واخوان الصفا وابن رشد وعشرات غيرهم. ثم ورثونا ابن تيمية في القرن الثالث عشر، وابن كثير في القرن الرابع عشر، وعشرات غيرهم في القرون الانحطاطية التي لا تزال مستمرة حتى الان. وتلاهم ابن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، ورشيد رضا وحسن البنا والاخوان المسلمين في القرن العشرين، ثم اخيرا هذه التحف الفريدة من نوعها “الشيخ” اسامة بن لادن كما يقول أحدهم وابو مصعب السوري والزرقاوي وآلاف غيرهم..ثم فرضوا علينا اسلاما اصوليا شكلانيا طقوسيا فارغا مرهقا حاقدا على كل حضارة او فلسفة او نور حتى لأصبحنا معرّة للعالم أجمع.
وبعد كل هذا لا يعتذرون ولا يشعرون بوجود أي مشكلة في العالم العربي. المشكلة كلها في الخارج: امبريالية، صهيونية، استعمار..أما نحن فلا نشكو من شيئ، كل الحق على الطليان. هذه الايديولوجيا الغوغائية سقطت او آن لها ان تسقط. والله سأدمرها بيدي هاتين. والانكى من ذلك هو انهم يتجرأون على التحدث عن الديموقراطية  والحريات وحقوق الانسان ومحاربة الاستبداد! ثم يتحالفون في ذات الوقت مع التنظيمات الاصولية التكفيرية التي هي أصل كل استبداد في التاريخ العربي والتي تدين هذه القيم بالذات وتعتبرها رجسا من عمل الشيطان. ألا ان الديموقراطية والحرية والتعددية الفكرية والعلمانية والتسامح الديني والنزعة الانسانية وفلسفة التنوير وكل قيم الحداثة الكونية منهم براء..آن الاوان لكي تسقط الاقنعة عن الوجوه. وهي ساقطة اكثر مما يظنون..
نسيت ان أقول لكم بانه اصبح عندي ايضا سكرتيرة خامسة  للشؤون العاطفية . لا سياسة ولا ايديولوجيا ولا فلسفة. فقط حب وجنس ومشاوير في الطبيعة ومغامرات في الغابات والادغال حيث نتحول في بعض اللحظات الى آدم وحواء قبل السقوط من الجنة او حتى بعد السقوط.. ينبغي الاعتراف بان “حججها” ،بالمعنى الفرنسي للكلمة، أقصد مواصفاتها، مقنعة بل واكثر من مقنعة. انها لا تقل اغراء وفتنة عن كارلا بروني. وقد وضعتني في جيبتها الصغيرة من اول لحظة..انها تستطيع ان تفعل بي ما تشاء. وأنا شخص هش سريع السقوط ومن دعاة الاستسلام على كافة الاصعدة والمستويات. أنا ضد المقاومة او الممانعة او بقية تلك المصطلحات المهترئة بكل أشكالها وأنواعها. كل القاموس السياسي العربي السائد منذ خمسين سنة وحتى اليوم سوف أفككه وألغيه وأدوس عليه.

 

هكذا أعيش حياتي كما أشاء وأشتهي لا رقيب ولا حسيب ، لا هم ولاغم.. لا أخلاق ولا تقشف..كل هذا خلفته ورائي.. أكاد أغص بالحياة وأخشى ان أموت من شدة الفرح. أخشى ان تصيبني “الفرحة” كما يقال عندنا في القرية: وهو الشخص الذي فرح فرحة اكبر منه فقضت عليه..بالامس كنت مهددا من كثرة الهم والغم واليوم اصبحت مهددا من كثرة الفرح والانشراح.. ..لا أعرف كيف أتوازن عند حد. لا يعجبني العجب ولا الصيام في رجب..لا يوجد أي وضع في العالم يناسبني. عندما اكون فوق أتمنى ان اكون تحت، وعندما اصبح تحت أتمنى ان اكون فوق. عندما أكون مع هذه أتمنى ان أكون مع تلك، والعكس بالعكس. في باريس أتمنى ان اكون في تونس. وعندما اصبح في تونس أتمنى لو اكون في المغرب.. وهكذا لا أكاد أستقر على حال…يجب ان أجد حلا لهذا القلق الوجودي المزمن، هذا الضجر الكوني الذي يلفّني لفّا.. ولكن هل هذا ممكن؟ وكيف سأعيش بدونه بعد كل هذه العشرة الطويلة؟ كيف سأفارقه؟ ألن يختل توازني؟ شكرا لك ايها القلق، يا أخي، يا صديقي..
خلقت ألوفا لو رجعت الى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا…

 

أنا الان أولد من جديد.  لقد ابتدأت حياتي الثانية ايها السادة. سوف تتعرفون على شخص آخر ما كان يخطر لكم على البال..شخص قوي واثق من نفسه ومتغطرس الى حد الغرور. شخص معاكس للاول تماما مثل السيد غوليادكين بطل رواية “القرين” لدوستيوفسكي. انتهى ذلك الرجل الذي تعرفونه، ذلك الشخص الهش، القلق، المتهافت، الذي يكاد يتساقط من تلقاء ذاته.. العالم كله تحت تصرفي الان. العواصم والفنادق الكبرى، عشرة نجوم، تحت أقدامي.. أستطيع ان أفطر في باريس وأتغدى في نيويورك وأتعشى في جهنم الحمرا..الفلوس قادرة على كل شيئ: كن فيكون. أستغفر الله..على مهلك يارجل: عبس وتولى. ان جاءه الاعمى. أما من استغنى. فأنت له تصدّى…

 

سكرتيرتي للشؤون الغرامية تجيئني أحيانا في سيارتها الانيقة بالميني جيب لكي نذهب مشوارا في الطبيعة. وعندما تجلس وراء المقود يتحول الى ميكرو جيب فأصبح محاطا بالسلاح الابيض والاشعاع الذري من كل الجهات..شكرا للفلوس، شكرا للملايين..لماذا تغريني الحياة الاباحية، الحياة الوثنية الى مثل هذا الحد؟ لماذا أنا مبهور بالحداثة وما بعد الحداثة؟ لماذا كل حياتي هروب الى الامام وانتكاسة الى الخلف؟ هل لاني  اريد ان أقضي على تأثير والدي الشيخ الجليل، على بقايا العصر اللاهوتي المترسخة في أعماق أعماقي؟

 

تذكرت جان جنيه. يقال بانه عندما اشتهر واصبح غنيا اشترى شقة في باريس. وعندما دخلها نام في كل غرفة ساعة او ساعتين ثم أغلقها وراءه في الصباح الباكر ورمى المفتاح ولم يعد قط. جنيه لا يستطيع ان يكون بورجوازيا مستقرا. جنيه من جنس الغجر او البدو الرحل الذين يعشقون الحرية ولا يعودون الا للبكاء على الاطلال..وهكذا قضى حياته متسكعا من بلد الى بلد حتى تمدد أخيرا بكل قامته في مدينة العرائش الجميلة بالمغرب قبالة البحر. نومة ولا أروع.. رفض ان يدفن في فرنسا مثلما سأرفض انا أدفن في سوريا بل سأرفض ان أدفن على الاطلاق. لن أعود لا حيا ولا ميتا. تركت سوريا للسوريين لكي يذبحوا بعضهم بعضا على الهوية. بارك الله فيهم. سمعت بان الاحقاد الطائفية تتفاقم هناك وتنتعش اكثر فاكثر. وحتى الشيوعيين او بعضهم قيل لي بانهم تحولوا الى أصوليين ينظّرون للطائفيات والمذهبيات. او قل انتقلوا من أصولية رثة الى أصولية أخرى اكثر رثاثة. برافو! هكذا يكون التقدم والا فلا..

 

ذروة الموت ان تموت المروءات ويمشي الى الوراء الوراء، كما يقول شاعرنا الكبير نزار قباني. أنا شخصيا لا أستطيع ان أعيش في مثل هذا الجو الخانق. يلزمني قليل من الحب لكي أستطيع ان أتنفس.. أحقادهم وصلت الى هنا، الى باريس، وترى وجوههم كالحة مغلقة تكاد تقطر سما.. التعصب الاصولي ينهشهم نهشا وحب بن لادن والزرقاوي وصدام حسين والآن عمر البشير برّحهم تبريحا. هنيئا لهم هذه المثل العليا! لهم دينهم ولي دين..

 

 منذ اكثر من ربع قرن وأنا أحمل الهم السوري على كاهلي، على كتفي. منذ اكثر من ربع قرن والحرب الاهلية الضارية تدور حولي. ويشهد الله انها أنهكتني، أقضت مضجعي. لقد دفعت الثمن. شكرا. ليتحمل الآخرون مسؤوليتهم. أريد ان استريح. أما آن لهذا الفارس ان يترجل؟ وداعا سوريا اذن، وداعا لا لقاء بعده..
لن يكون لي قبر اذن لاني سأموت على دين الهندوس الذي تعجبني فيه اشياء كثيرة وبخاصة حب البقرة الحلوب التي طالما أرسلتني أمي لتسريحها في المراعي والتلال وأنا صغير. وكل شيئ يرتبط بأمي او يذكّرني بها فهو مقدس ولا يناقش اصلا: أمي، ذلك العصر الذهبي القصير، ذلك العصر الاسطوري الذي يتجاوز الواقع وما فوقه. أمي التي ابتدأت تجيئ أخيرا، ابتدأت تشرق كالشمس الساطعة من تحت الانقاض والحرائق واللاهوت الظلامي والدياجير.أمي التي قبلت بان تتجلى لي أخيرا، وتصالحني، وتعانقني…
سوف أطالب بان يرمى رفاتي في الهواء، من الافضل في حقل من الزهور..وهكذا يتخلص العالم مني بعد ان تحولت الى مشكلة عظمى تستعصي على الحل. لا حل لي الا بالموت اذن وربما حتى بعد الموت لن تنتهي مشكلتي. ولذلك طالبت بالحرق لكيلا ينبشوني من قبري ويشرّحونني كما فعلوا مع ايف مونتان..او لكيلا يبصقوا على قبري كما فعل الكهنة مع سبينوزا، او حتى لكيلا يبول أحدهم عليه كما فعل سارتر مع شاتوبريان..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This