استأذن ذاكرتك.. وأكتب

نفكر بواسطة اللغة. لكن كيف نكتبها؟

ماذا لو كتبنا كل ما نقوله سرا أو علنا؟ ماذا لو جعلنا كل دقات القلب مكتوبة، وكل دقات العقل ندوِّنُها نصا كتابيا حاملا لكل ما ينبض؟

يستلزم الأمر لجوءا كاملا للذاكرة فيما سجلته وفيما هي بصدد تسجيله. قد تستفزك رائحة عطر، أو قبلة ماتت منذ سنين، تتلمس قبرها على الشفتين، وتسترسل في الحكايا. تكون حينها متألما، فتكتب ما “يُؤلم” ويُحزن، أو حالما شبه مبتسم، فتكتب قولا هائما على عادة أجدادك و تنثر لغة مزهرة ووردا وألوانا مضيئة.
قد يستفزك صوت الخطيب من الجامع المجاور للمقهى، وهو يدعو لكل الذين حكموا من شيوخ وعساكر، ويدعو لهم بدوام العز، و يدعو للشعوب بدوام الطاعة. فتكتب كلاما ساخرا، أو شاتما ومحرضا، ثم تطوى الورق جيدا تحت ثيابك، وتخفيه خشية وتقية (وتقول مع القائلين: آمين. وفي سرك: عليكم اللعنة أجمعين).

قد تكتب بسبب ألم في المعدة، أو وجع في الرأس، أو لقلة النوم… تكتب هربا من روائح الورق الذي تقرؤه بحكم العادة.. تكتب ما يعكسه وما يشطبه وما يلغيه وما (قد) ينفيه. فتنقده وتمزقه بضده، وتمارس الغيبة على كُتَّابه، وتحاول أن تتوقع حالاتهم وهم يكتبون، وهم ينسخون من النصوص القديمة فيبدلون ويعدلون ويستشهدون و”يُشهدون” على نصوصهم لبيان صحتها ولإلقاء جبة “المرجعية” عليها، ولتأكيد علمهم بقول الأولين.

… و قد يأخذك النص الذي تقرأ لعوالم من جنسه، فتحاول أن تصنع ما صنع أصحابه.. قد تحاول أن تكتب بقية النص، إضافة أو تتمة لما لا يكتمل (فالنصوص الجميلة غير منتهية).

قد تعلِّق بأسفل لسانك و قلمك، حيث يسيل لعابك للذة ما قرأت (وفي أسفل الأشياء ما فيه أكثر لذة، وإلى أسفل النصوص وخواتمها ما يجعل قراءتها لهاثا نحو آخرها).. ونحن نلهث مع النصوص الجميلة إلى منتهاها، لكننا نادرا ما نعيد قراءتها… وأنزعج (شخصيا) من التعليق التالي: نص جميل، وقد أعدت قراءته عديد المرات.. هل تشرب كأسا لذيذة عديد المرات (مثلا).

قد تكتب بـ”الرغبة”، وفي ذاكرتك أنك ممن يكتبون، تحاول أن تقدم رأيا. تُعيد على مسمعك (أسفل الروح حيث أنت ولا أحد غيرك، حيث لا يسمعك أحد، تحدِّث نفسُك نفسَك) ما عرفت وما سمعت وما أحسست (به) في لحظات علمك بالشيء (أي شيء)، وتجرِّبه مكتوبا. تعمل على ترتيبه وصناعته حروفا وأصواتا مفكّرة مُعلنة أمرا.. قد تكون نصوصا محاربة تنزل من علياء اللغة لمعركة.. هي معركة ذاكرتك مع أخريات بكل ما ترسّب فيها من أفكار وأحاسيس وخدوش وجراح.. بكل ما انتابك من نوبات، كل ارتعاشات يديك و أنت تسمع كلاما [كلام طفل، أو عجوز إلى جانبك في قطار، أو أمك توصيك (قبل عقود) بقضاء حاجيات من السوق، أو كلام مدرس (ما) في أحد سنين عمرك، أو كلام إمام، أو مؤبن ميت في زنازة…]، أي كلام (لا يهم) مفيد في لحظة الكتابة، ولا تعلم على وجه الدقة ما هي الجملة السابقة التي أفادتك في لحظتك تلك.

صدقوني (إن أردتم)، هكذا يكتب الموظف الإداري البيان الحكومي أو الخطاب الرسمي. لعل ذاكرته تتسع لما أبعد، لكن ذاكرته الشخصية هي التي تعمل على جمع أجزاء اللغة. ربما يجعل ذاكرته متسامحة، إذا ما طلب منه ذلك. و ربما تكون الذاكرة ديمقراطية أو دكتاتورية (طيبة أو شريرة). لعله أيضا يدوّن نقاطا من وحي ذاكرة آمره فيلصقها بذاكرته، لكنه ينطلق من لغة هي فيه محفورة ولائطة به، بما رآه في عمره وما عاشه وأكثر ما قاله سرا وعلانية.
وهكذا يكتب الصحفي، بعد أمر رئيسه، أو بعد سماعه ما تناثر من أخباره، أو مشاهدته الحدث. إنه غير قادر على تنفيذ هذا الأمر بشكل تام، أو بالشكل المطلوب أو بالشكل الذي كانت عليه الأحداث (إن هو نقلها).

ثم،، لماذا لا يكتب الأدباء والمبدعون في كل اللحظات، ويشتد الجدل بخصوص “لحظة الكتابة”. لأن لحظات اللاكتابة أكثر، وهي (أي الثانية) أكثر حضورا في يومه.. إن الواحد من هؤلاء يستحق حدثا “ذاكريا” مزلزلا، يُحيله من حال لأخرى.
ليس ضروريا أن يكون(حدثا) كبيرا. يكفى مثلا أن يمرّ عليه وجه يشبه وجها يعرفه، وجها ترك فيه أثرا طيبا أو سيئا.. يكفى أن يسمع اسما لشخص يذكره بآخر. يكفى أن يأتي عليه نسيم كيوم لا ينسى،، هي الذاكرة الكاتبة ما لا ينسى، وما يرجع (في الغالب) دون إذن، ودون قرار.
ولعل البدايات والنهايات مُحفّزة على الكتابة لأنها تفعل في الذاكرة فعل الحياة بالساكن.. بداية الشتاء أو نهاية الصيف، أو يوم ربيعي بلا سابق مُؤشّر على قدومه… صوت الرعد، أو ريح في الخلاء، أو مطر على غير موعدها…

ثم،، من قال أنّ مشهدا تلفزيونيا لا سابق له، يعني أن كل ما في النص المُعلّق عليه كل جديد؟
اللغة ذاكرة نحن فيها، تخرج في كل مرة علينا بما لم يسبق، كأنه لم يسبق. لكنه يشبه شيئا قديما. يخرج من شيء (أو أمر) قديم. يجعله مطية للقول، مدخلا للعبارة، طريقا لـ”النزول”.

إنما نكتب ما نعلم، وما قد علمنا.. فقط هي اللحظة التي تتغير، و المُحفز هو الذي يتجدد.
وصحيح أن الخارج عنّا مُحدد. كأن تشعر بالحر أو البرد، بالجوع أو التخمة، تنقصك حاجة أو يزيد أمر عندك على الحاجة…

وصحيح أيضا، أنك تكتب أحيانا مفكرا في من سيقرأ أو أنك بينك وبينك لحين، لا توجّه قولك لأحد.
هذه أمور تُحدث فوارق شتى، وقد تغيّر وجهات النص. ومهما كانت ايجابية أو سلبية (بتقدير معياري) فإن للنص حالة أخرى: قد يكون جيدا في أسوإ حالات كاتبه (أو لحظات كتابته).

إن أردت أن تكتب، وواجهت الورق خال من الأفكار، ابحث عن أي شيء في الذاكرة، أرسمه في خيالك. وقد يكون من المفروض أن تكتب نصا سياسيا ولم يستحضرك من قاموس المسألة أمر، انطلق من ذاكرتك بأي مشهد أو صورة. من الممكن أن تكتب في السياسة وأنت تستحضر آخر ثوب داخلي لمسته!!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This