أنا المادة والاسم صورتي بينكم

1

يتراءى ابن رشد كائنا افتراضيا ممكن الحدوث وأسمع لصوته رنين كأس من ذهب, ومعه  امضي ليلة عجبا, لا سماوات للغرفة, لا رائحة للألم, لا أحد سوانا نحن الثلاثة: ابن رشد, وشريكي الوهمي, وأنا العالقة في شرك الحمى والهذيان..
 كل شي  مهيأ  للمزيد من  الالتباس, فثمة أمر غير مؤتمن في هذا الليل, بخاصة لامرأة تنام مسجاة على السرير شبه ميتة نصف غائبة تحاول أن تفهم ما يحدث في ليلة الشاي العجيبة لكنها تعجز عن فتح عينيها أو لمس قميص نومها الحرير, كل شيء واخز حتى حريرها, كل شيء ممتع حتى ذهولها.
أتناثر  قطرات  من غياب على الفراش وأنا في الحمى,  تمسخني الحمى  إلى امرأة من  ظلال حتى أن الريح كانت تخترقني  فأهفهف فيها مثل وشاح  وأتلاشى في الضوء شبه انعكاس لرؤيا  الرجل عن وجودي الشبحي   ..
 نوافذ غرفة الحمى لا تغوي بشيء سوى الحمى, لكن ابن رشد  قلب الأمور على ضدها حين حضر, واحتشد في المكان توتر يشبه لحظات الحب قبل ذروتها,  بدأت اسمعه وارى مقولاته ترتسم في الهواء عبارات وهجية بزرقة نيونية تتلاشى حين ينطق سواها.
لا أحد  لو وجد معي, كان سيسمع صوت ابن رشد لأنه كان يتدفق من أعماق لاوعي المرأة المحمومة التي أراها وأتفرج عليها وهي أناي الأخرى وصورتي , وأنا المادة  التي قالها أرسطو وأنا الصورة التي  ظن أنها تبقى بعد زوال المادة..
   ابن رشد, كان يتحدث إلي من أعالي العقل. وكنت أسمعه ولا أراه وعجبت كيف لا أرى الرجل وأنا موقنة من وجوده؟؟
همس ابن رشد :  هو ذا ما يعول عليه..
فظهرت عبارته  التماعا ازرق في الهواء..
–  ماذا ؟؟
تساءلت وأنا مستغرقة في الكوابيس..
–  ماذا ؟؟
– هذا الذي بين يدي ..!!

بمشقة فتحت عيني  وتوهج أمامي  مصباح شبه دمعة كبيرة بين راحتي ابن رشد ا لذي لم أبصر له وجها.. بهر عيني ضوء المصباح  الذي كان يضيء ذاته بذاته وكأنه بلورة تتضاعف فيها انعكاسات أضواء نجوم ومجرات..
عجبت كيف أن المصباح لا يحرق يدي ابن رشد وهو بهذا الوهج الضوئي.
لم أواصل عجبي لأنني سقطت ثانية في غيبوبة الحمى .
بلغت ابن رشد  حيرتي من أمر المصباح ورأيت عبارته  تمتد أمامي  بسطوعها الأزرق على شبه  شاشة حاسوب   ضوئية ليزرية عائمة  في الفراغ:
–  هو يخرق  العتمات  ولا يحرق, يزيح الظلال والوهم والفكرة القلقة التي لا يسندها برهان..

 
2
 

     –   أنت  مدعو لحفل الشاي  أنت الآتي إلينا مما وراء الغيوب, ضيف شرف ليلتنا.
هل نطقت الدعوة بلسان ذهولي أم أن الرجل نطقها  فحسبتها كلماتي؟؟
لعله. هو الذي قال ونطق ودعا ابن رشد, وأنا التي أتوهم ما ليس لي من كلمات الليل, وإذن ذا صوته يتداخل في صوتي ويموج في ثنايا نبرتي المحمومة  وأخاله صوتي..
لكنه لا يتماهى مع هذياني بل يدوزن اللغة ويزنها وأنا اضحك اضحك بينه وبين ابن رشد وألاحق تصويبات اللغة  التي يدونها على مسمعي وكأنها إيقاعات صنج..
لا أظن أن أحدا سمعني حين تمتمت بكلمات مضادة للغات..
كانا ينصتان إلي وكأنهما لا يسمعان هذياني  فينصرفان عني إلى حوارهما.
سمعت الرجل  يدعوه لاحتساء  الشاي وابن رشد يدير الحوار كما لو أنه يذيب سكرا في
القدح ,يمزج مرارة الحقائق الملموسة بحلاوة التخيلات المتصورة..
ويتداول معه الصواب من القول  ويهمل هذياني عن شهوة نقض اللغة..
هاهو الشاي يزهو بامتياز انه تناهى إلى ابن رشد في عصره الافتراضي وهو شراب العامة في عصرنا وشراب النساء  المتراميات  في وحشة الجسد والرجال الوحيدين في ليل الندم, شاي له اشذاء سهول اليانغتسي  وألوان شروق الشمس على ثلوج اوساكا  ومذاق شجرة زيتون معمرة: مرة عصية  وشامتة بحلاوة  التمر والتين والسكر..

من بين سكرات الحمى كنت أرى ظل الرجل يقترب مني حين انحنى علي  وقال  وهو يمسك يدي :
–  هيا انهضي  وقومي  من موتك قيامة, أنت مادة اللحظة وصورتها, بك يصير الوقت آنا, أنت (الآن ), ولاشيء  سوانا في آونة  نهوضك, اجل هيا انهضي,
لم تكن رعشة الحمى  التي اعترتني, إنما ما سببه انهمار صوت غريب في دمي الراجف..
..يردد الكلمة بإيقاع زخات مطر وبرق..
كلماته تحط على جسدي قطرة قطرة ووميض برق يضاعف الحمى  ..
على عنقي تذوب الكلمة على شفتي  تذوب فارشفها..
كنت أراني متماهية في الحمى معه  تستغرقني الكوابيس مابين شطحاتى في رؤيا ابن رشد وتخيلاتي في إمكان أن يكون الرجل معي وهو محموم  في الطرف الآخر من جغرافيا  المتخيل ولكنه الآن في اللحظة الراهنة هنا  مع ابن رشد  يتداولان تأويلات  توما الإكويني  لمقولات أرسطو ويضحكان ..
اجل, إنهما يضحكان ليس من ضحكي وهذياني بل من تأويل الوجود  في الوهم.. أنا وهم,  والرجل وهم, وأما ابن رشد فانه الوحيد الذي يتجلى حضورا بين وهمين..
أنا المادة والصورة, الحمى  حولتني إلى امرأة من هذيان وهذياني مسخني إلى محض صوت ملتبس بين صحو مرير و غيبوبة آمنة..
 
 
3
 
 

تنتابني رجفة البرداء  : أين أنت؟؟
تراودني الكلمات
وأنت تهتف بي أيها الظل البعيد:
تعالي  تعالي..
أين أجيء أين امضي أين أكون  وأنا صورة مهددة بخسران مادتها؟
إلي  تعالي  تعالي..
اهمس في الهذيان : لا…لا..
أنا,, أنا منداة بالحليب وأقراص العسل  تسيح على كتفي والنمل يتداعى على وليمة أصابعي أنا غيري ..  لماذا أنت أنت  ؟؟

 
4
    
 ابن رشد يقدم مناظرته على الفضاء الافتراضي ويقف بيني وبين الرجل ويعقد بين صمتنا وافقه ِميثاق غياب.
أراه يتواثب عبارات من ضوء تمتد في هواء غرفة الحمى واسمع  اسمع اسمه اللاتيني يتردد لازمة موسيقية: افيرويس افيرويس  افيرويس.. موسيقى رتيبة تتكرر, افيرويس افيرويس..
ابن رشد يدون في الهواء :
أنا لست من ترون وافيرويس ليس اسمي, ماهيتي في كنيتي, أعيدوا لي اسمي أيها الفلاسفة  فلست احيا بغير اسمي , أنا المادة والاسم صورتي بينكم.
اسأل من يراني اسأل من يسمعني:
– من أتى بابن رشد إلى ليلة الحمى ؟؟
يهمس لي:
–   ابن رشد متوضع في وعيك, انه فيك راقد في أعماق العقل  ..
-أنا اسمعه ولا أراه, هل تراه؟؟
–  هو لا يرى  لأننا ملكناه فكرة لا مادة, هو الصورة المتجلية لنا فينا…
 5
 ابن رشد يمضي في المدن  يسوس العقل ليوقظ الجموع المأخوذة بالخرافة, لكن الجموع  تحني هاماتها وتنكص بعيون مطفأة وتلتذ بضربة السوط وصليل القيد, تتشهى الويل وتطلب الغفران لخطايا لم تقترفها  لأنها ما كانت خطايا  في عرف العقل..
تستسلم الجموع لعصا الراعي يسوسها  لتأمن مجازفة العقل فيما  ينقض إرث عبوديتها, ومغامرتها في مجهول   ما يقترحه التفكر, تلوي الجموع أعناقها إلى الوراء مستنجدة  بتمائم وتعويذات وأضرحة تأخذها إلى أمان الرضا بما  وجدت من تهاويل النصوص والقداسة الملتبسة..
يمضي ابن رشد وأنا اركض وراء خطوته واراه يعلن نقده العاقل بين الجهات, يصرخ توما الأكويني : لا يبقى من الأشياء إلا صورتها, لا يبقى من الموجودات إلا صورتها..
يدون ابن رشد مقولاته على الهواء:
– طالما المادة فانية فالصورة زائلة بالضرورة..
أراني ثانية  أرقد مادة متعالقة مع صورتها : مادة وصورة مرئية  فإذا فنيت الساعة  ستنتهي الاثنتان  ..

6

أبقى  في متعة الرؤيا, اشم رائحة العدم في الهواء, انهض من لجج السخونة وفمي متيبس وظمأى مديد وأطرافي  متنملة, ذهب ابن رشد حين ايقظتنى أنت, ذهبت أنت حين غابت مقولات ابن رشد, ذهبت أنا حين سئمت من رتابة  ألمي في غرفة الحمى..
أين ذهبت ؟؟
 أنا لا اذهب ولا أجيء لأني أساسا غير موجودة في المشهد  ولأني خارج التكوين الهلامي للحلم أنا أحضرتك إلى الرؤيا وأنا أخرجت ابن رشد من أعماق اللاوعي  وأنا ارتدي عباءة  فضفاضة من الأقاويل والشبهات ,  وأسير بين اثلام ترابية على ارض حرثتها الحرب  وأتعثر بمخاوفي والبنادق متجهة إلى راسي وعلى  مبعدة  نافذة  تمر قذيفة هاون وتسقط في الحديقة الخلفية  لبيتي  حيث النافورة وتمثال المرأة وأشجار الليمون والموز والجوري وزنابق الأماريلليس.
 ادخل بيتي الذي اقتحمه المارينز ونثروه أشلاء, واجد ابن رشد  شاخصا على الرف الأوسط لمكتبتي الكبيرة التي تواجه الباب..
أرى دموعا متحجرة في مآقيه, أرى ابن طفيل يواسي الجاحظ  وهما  مرميان على الأرائك الخضراء مزقا مزقا  وارى فريد الدين العطار يحاور عنقاءه بمنطق البوم,, أرى شتاينبك  يكظم غضبا  واندريه جيد يحاور أبا نؤاس  ويحتسيان ثمالة كأس  عثرا على  شرابها   في خزانتي القديمة, أرى مجلدات ألف ليلة طبعة بولاق   تبحر في  ماء انسكب من المزهريات التي حطمها المارينز, أنطوان دي سانت اكسوبيري  يجمع دموع الأمير الصغير في إناء من الكريستال ويقدمه إلى ( حي ابن يقظان) الهارب من أمه الغزالة إلى وحشة الحياة.
  وميشيما ينتحر أمامي على مقربة من حلمه الإمبراطوري و(الخيول الهاربة) تعدو على (ثلوج الربيع)   و(الجميلات  النائمات) يصحون على موت كاواباتا وماركيز يعيد صياغة حلمه الايروتيكي بمراهقة نائمة تقلد جميلات  كاواباتا  وتحول مسار الهوى إلى سقطة  فنية..
ابكي معهم على  ما جرى, أخذ بيد ( ايزابيل الليندي)  و( كورتازار ) و(ابن المقفع) و(استورياس)
ونشكل جوقة لنسلي الأصدقاء الحزانى الذين أسقطهم المارينز عن عروشهم في مكتبتي,  نضع أقنعة من السليكون  لمجانين رائعين وأقنعة لشعراء التروبادور الجوالين  ونوقظ ( دون كيخوتة ) و(  لوركا)   و(  بودلير )  و(الرصافي)  بضجيجنا ونحن نمثل مشهد القتلة يقتحمون بيتي المهجور بعد تحطيم الأبواب وإطلاق النار على الشعراء و رموز آلهة سومر وأواني الزهور والشمعدانات والمصابيح والرسائل العتيقة وأقداح الشاي وأكواب أقلامي الخشبية والخزفية..
.. بعضنا شرع بالنحيب, آخرون انفجروا ضاحكين, بكى( جليل القيسى) وهو يطوي أوراقا ويبللها بالدموع  وينظر بعينين غائمتين إلى قلعة كركوك, ورقصت( ايزابيل  الليندي) على أنغام التانكو التي عزفها (فكتور جارا) بأصابعه المقطوعة,  ورأيت(ابن رشد) يمسح دموعه  بجبة(الحلاج) و(أمين معلوف) يضمد جراح ليون الإفريقي  و(كونديرا ) يسأل (انيتا ديساي):
–  هل عانيت من متلازمة الهوية؟؟
تضحك انيتا  ديساي وترتب رداء الساري على كتفها الأيمن  وتشير إلى( ادوارد سعيد) وهو يقف خارج المكان- يقود اوركسترا غير مرئية وتجلس إلى جانب (اناييس نن) في ركن المذكرات  وبينهما ( نسائي الوحيدات) وتتهامس المرأتان  بحديث  ينضح منه عرق الأنوثة..
    آلاف الأوراق المبعثرة  تتراكض في ممرات البيت  يحركها تيار عنيف جارف  من هواء  يهب عاصفا  من   النوافذ الواسعة التي تحطم زجاجها, فتتناثر الكلمات والدموع على  السجاد والأرائك البيضاء والموائد والوسائد الهندية المزخرفة بالمرايا, و ترتطم الكلمات بالجدران وأصوات الرصاص وبيوت العناكب والظلال المحفورة على وجوه الساعات والأنفاس المتجمدة على الستائر ومونولوغاتي الحزينة المرابطة في الزوايا..
الأوراق عاصفتي و قيامتي تدور في إنحاء بيتي المستباح, وتطيح في جنونها بالأقداح و تمثال آلهة الخصوبة من جزر الخالدات وكرة الرخام من مالطة وعنقود العنب من حجر اليشب, يتهاوى عالم الذاكرة في العصف,  وتنهمر  الأغاني من اللامكان  ويسيح كل شيء في الغرف…
شبه  طوفان  يتعذر التحكم  فيه  وتختلط أصوات الرجال والنساء  وصراخ الصغار بدمدمة الإنفجارات..

  يغادرنا الوقت إلى نهاياته ولا يبقي لدينا سوى لحظة (الآن), فتعاودني الحمى وأرى ابن رشد متجسدا أمامي,  يحتسي الشاي مع ظل الرجل في الجوسق الخشبى أمام النافورة,  ويتبعهما الآخرون ليبدأ حفل الشاي على شرف الكلمات الراحلة في الحريق..
يد الحمى تسحبني إلى رواق الذهول وتدعني وحيدة في متع الهذيان..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This