عالم الاجتماع الكندي “جون غي فيلانكور” Jean-Guy Vaillancourt: السّياسة والدّين يتقاطعان، لكن لا بدّ أن يبقى كلاهما مستقلاّ عن الآخر – تعريب وتقديم: محمد الحاج سالم

كيف نفهم السّلفيّة والأصوليّة والتطرّف؟ هل يقتضي الدّين التطرّف بالضّرورة؟ كيف نفهم صعود اليمين الدّينيّ في الولايات المتّحدة الأمريكيّة؟

هذه بعض الأسئلة التي يحاول عالم الاجتماع “جون غي فيلانكور” (Jean-Guy Vaillancourt) المختصّ في الحركات الدّينيّة وشؤون الفاتيكان الإجابة عنها في هذا الحوار الذي أجرته معه مجلّة (Revue Notre-Dame) النّاطقة بالفرنسيّة والصّادرة بمقاطعة الكيبيك الكنديّة في عددها الرّابع، المجلّد 104، أفريل 2006. ونحن نقدّمه للقارئ العربيّ ونعلّق على بعض المصطلحات الواردة فيه بهدف شرحها.
ويشغل “جون غي فيلانكور” حاليّا منصب أستاذ علم الاجتماع بجامعة مونريال، وسبق له التّدريس في الفيتنام والبرازيل، ونشر عشرات المقالات و25 كتابا لعلّ أهمّهاّ كتابه “القوّة البابويّة” (Papal Power) الصّادر عن جامعة كاليفورنيا سنة 1980 إذ يعتبر إحدى أكبر المساهمات في فهم تاريخ البابويّة المعاصرة.
نصّ الحوار:
– السّلفيّة والتقليديّة والأصوليّة، نحن نخلط غالبا بين هذه المصطلحات. كيف يمكننا توضيح ذلك؟

 

– إنّ هذه المصطلحات تتقاطع جزئيّا ويختلف معناها حسب الأديان وحسب من يستخدمها من الأخصّائيّين. وبصفة عامّة، فإنّ التطرّف (القريب من التقليديّة) يتميّز بالتشبّث بالمعتقدات والقيم التّقليديّة. وبما أنّ المتطرّفين يجدون صعوبة في مواجهة ما تفرضه الحداثة على الدّين، فإنّهم يختارون حقبة زمنيّة معيّنة يثبتون عندها مخيّرين المعتقدات والطّقوس القديمة رغم أنّها غالبا ما تكون ذات أهميّة ثانويّة، على غرار الملبس مثلا. لقد كان التطرّف في البدء قضيّة اليمين داخل الكاثوليكيّة قبل أن يمتدّ ليشمل أديانا أخرى. وبالمقابل، فإنّ الأصولية نشأت في البدء في أوساط البروتستانت الدّاعين إلى العودة إلى الكتابات المقدّسة (التّوراة) مرتكزين على تأويل حَرْفيّ، وبالتّالي منحرف أحيانا، لتلك النّصوص. وعلاوة على ذلك، فإنّ الأصوليّة تحيل أحيانا على المسلمين الذين يجدون مرجعيّتهم في القرآن.

 

– هذا يعني أنّ السّلفيّة والأصوليّة لا تختصّان بدين معيّن؟

 

– هذا صحيح. إنّهما تشيران إلى الاتّجاهات الإيديولوجيّة والسّوسيولوجيّة والدّينيّة والسّياسيّة الموجودة صلب كلّ دين من الأديان الكبرى إبراهيميّة كانت (المسيحيّة، اليهوديّة، الإسلام) أو شرقيّة (الهندوسيّة، السّيخيّة، الشّنتويّة). وبهذا، فإنّ الجماعات الأصوليّة مكوّنة في الغالب من الإنجيليّين البروتستانت بينما نجد المتطرّفين غالبا من الكاثوليك أو الإسلاميّين. ومن جهة أخرى، فإنّ التطرّف والأصوليّة يظهران تحت أشكال مختلفة حتّى صلب الأديان الكبرى وتفريعاتها. وكمثال، فإنّ جماعتيْ “القبعّات البيضاء” (les Bérets blancs) و”آباء الحبّ الأبديّ” (les Apôtres de l’amour infini) في مقاطعة الكيبيك الكنديّة ينتمي كلاهما إلى المتطرّفين الكاثوليك مع وجود فارق يتمثّل في اعتراف الجماعة الثّانية بتبعيّتها للكنيسة الرّومانيّة بينما يحكم الجماعة الأولى “بابا” خاصّ بكنيستها، وهي بهذا أكثر تطرّفا.

 

– ماذا يعني مصطلحا التطرّف والتجذّر عندكم؟

 

– كما هو الشّأن في السّياسة، يمكننا تعيين مجموع الإيديولوجيّات الدّينيّة حول محور متكوّن من ثلاث دوائر تتقاطع جزئيّا: اليمين، الوسط، واليسار. ويتناظر هذا المحور مع الموقف المتّخذ بالنّسبة للقيم في الزّمان. ويرتّب الفيلسوف “غاستون فيسار” (Gaston Fessard) هذه القيم على المحور المذكور تراتبيّا: “قيم غائبة” و”قيم ما تزال حاضرة” و”قيم موجودة” و”قيم لم توجد بعد”، وكلّما تموضع دين مّا على يمين هذا المحور، كلّما كان أكثر محافظة وحتّى رجعيّا في الحدّ الأقصى إذ هو يجد مرجعيّته في القيم القديمة. أظنّ أنّك فهمت الآن أنّ السّلفيّين والأصوليّين يمثّلون جماعات دينيّة يمينيّة أو يمينيّة متطرّفة. وبالمقابل، فإنّ دينا منجذبا نحو اليسار هو بالأحرى ليبراليّ أو حتّى تقدّميّ، وهو يشجّع على نشر قيم كونيّة وأكثر انفتاحا. إنّ الرّاديكاليّين والمتطّرفين يجدون مكانهم في الحدّين الأيمن والأيسر من هذا المحور، إنّهم أتباع الجماعات التي تستخدم القوّة أحيانا والعنف لنشر رسالتها الدّينيّة. لكن حذار، فلئن كان استخدامنا لهذا النّوع من التّنميطات بهدف الإبحار في هذا المجال المتشعّب أي دراسة الأديان شيئا إيجابيّا، فإنّه من الواجب استخدامه بتحفّظ لأنّ إطلاق النّعوت لا يساعد على تعميق معرفتنا بالجماعات الدّينيّة، ومن هنا نحبّذ ملاحظتها بصفة مباشرة مع دراسة تاريخها وثقافتها ومضمون رسالتها كي نحيط بمجمل الظّواهر التي تخصّها.

 

– بعيدا عن التّنميط، ألا تتموضع الحركات الدّينيّة راهنا على يمين المحور الذي تتحدّثون عنه؟

 

– نعم هي كذلك، لكن ليس بالضّرورة. إنّنا نحسّ بهذا الانطباع لأنّ مناضلي اليمين أكثر ظهورا للعيان بينما نجد التديّن التقدّميّ أقلّ ظهورا وأكثر تواريا. إنّ الجماعات الدّينيّة اليساريّة أكثر تردّدا في نشر قيمها في أوساط العموم، وهي قيم لا تعلن عن نفسها بوصفها قيما دينيّة بالمعنى التّقليديّ للكلمة، فهي تتمظهر غالبا في إطار حركة روحيّة متناغمة مع القيم الدّينيّة حتّى وإن كانت تلك القيم الدّينيّة لا تبدو لنا كذلك، فمسائل الأخلاقيّات وحقوق الشّخص والبيئة والتّضامن العالميّ التي يدافع عنها مناضلو حركات الخضر والسّلام هي جزء من هذه القيم.

 

– هل يعني هذا تهالك وضعيّة الأديان في العالم المعاصر؟

 

– لا، فرغم الحركة الكبيرة للدّنيوة خلال العشرين سنة الماضية، فإنّه لا يمكننا القول بأنّ الدّين قد تمّ اجتياحه من قبل الحداثة، بل إنّنا نعيش عودة إلى الدّين أو ما يسمّيه الباحث جيل كيبل “ثأر الله”. إنّ العلاقة بين الإنسان والمقدّس في عالمنا الرّاهن لا تزال موجودة في صميم بحثه عن المعنى، فالتّجربة الدّينيّة تستجيب للإحساس بعدم الأمان والانتظارات النّفسيّة، كما تقدّم إجابة للجماعات الباحثة عن هويّة في خضمّ تيّار العولمة النّافي للخصوصيّات وما نشهده من تآكل للقيم. إنّ الدّين يقدّم نفسه كصرخة احتجاج وكمطلب للعدالة، إنّه يواصل حضوره وديمومته، إلاّ أنّه يتغيّر ويظهر لنا في أشكال جديدة.

 

– هل توجد تحالفات ممكنة بين مختلف الجماعات الدّينيّة؟

 

– توجد حاليّا جهود مبذولة من قبل أعضاء كنائس متشابهة عقائديّا سواء من اليمين أو اليسار من أجل إنشاء تجمّعات رسميّة. وكمثال على ذلك، فإنّ عدد العاملين على تقريب الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس يتزايد يوما بعد آخر من أجل الحدّ من قوى الانقسام صلب المسيحيّة. ومن أجل هذا الهدف، يذكّر المنافحون عن هذه التجمّعات المسيحيّين بأنّهم جميعا أبناء وبنات نفس الإله ويراهنون على إيمانهم المشترك بيسوع المسيح. إنّ الهدف الأساسيّ من هذه التّحالفات هو تحقيق الوحدة الدّينيّة بين جميع المسيحيّين، بل وقد يكون هدفها أيضا بناء تحالف بين المسيحيّين وأتباع الدّيانات الإبراهيميّة والشّرقيّة. وفي هذا الإطار تندرج اجتماعات البابا يوحنّا بولس الثاني – الشّديد الإيمان بأنّنا ننحدر جميعا من الله – مع زعماء مختلف الجماعات الدّينيّة الأخرى.

 

– وهل يمكن أن تقوم تحالفات بين جماعات أصوليّة من أديان مختلفة؟

 

– نعم، يوجد مثل هذا الأمر حتّى في ظلّ وجود اختلافات عقائديّة كبيرة في الأصل. وكمثال على ذلك، فإنّ الأصوليّين البروتستانت – وهم بالمناسبة مختلفون حتّى فيما بينهم – لا ينسجمون مع الأصوليّين الإسلاميّين، فالمسيح بالنّسبة للأصوليّين البروتستانت هو المنقذ بينما هو مجرّد نبيّ عند الأصوليّين الإسلاميّين. ومع ذلك، نجد أنّ هذين الفريقين يتعاونان حين يتعلّق الأمر بالنّضال ضدّ زواج المثليّين والإجهاض. إنّ التّظاهرات “من أجل الحياة” هي أماكن لقاء لمختلف الجماعات الدّينيّة الأصوليّة والسّلفيّة، فهي متّفقة بشأن هذه القضيّة الخصوصيّة. وفي نفس الاتّجاه، لكن من الجانب الآخر للمحور الإيديولوجيّ، نجد مجموع المسيحيّين التقدّميّين مؤيّدين لتعاليم “الدّالاي لاما” المضادّة للعنف ودعوته الإنسانيّة. وهكذا، يمكن لأديان مختلفة ظاهريّا أن تلتقي حين يتعلّق الأمر بالتّوافق حول قيم مشتركة والعمل على نشرها.

 

– هل يمكن لهذه التجمّعات أيضا أن تناصر قضيّة سياسيّة؟

 

– بالطّبع، فبعض أصوليي الولايات المتّحدة يدعمون الصّهيونيّة، وهم نفسهم من كان يدعم سابقا الإسلام السّلفيّ في صراعه ضدّ الإتّحاد السّوفياتيّ السّابق. ففي تلك الفترة قامت حكومة الولايات المتّحدة، خدمة لمصالحها، بتمويل “أسامة بن لادن” على غرار ما فعله قادة المملكة العربيّة السّعوديّة في دعمهم هذا النّمط من الإسلام السّلفيّ ماليّا. وقد ظهرت المشاكل في صلب هذا التّحالف المقدّس بعد انهيار الإمبراطوريّة السّوفياتيّة، لتتواصل مع التجذّر العنيف للإسلام السّلفيّ المعادي للتّحديث اللّيبراليّ بقدر معاداته للشّيوعيّة.

 

– بالمناسبة، هل مظاهر العنف شيمة كلّ الجماعات الدّينيّة؟

 

– إنّ مسألة العنف تطال جميع الحركات الدّينيّة تقريبا، عدا بعض الاستثناءات على غرار البوذيّة التّيبتيّة وحركة “الكواكر” (Quakers) [1] والدّيانة البهائيّة، وهي جميعها حركات مسالمة. ومن جهة أخرى، ورغم عدم تشجيع أيّ من الأديان في الأصل للعنف المجانيّ إذ هي داعية تسامح وسلام، فإنّ التّاريخ يظهر لنا أنّ تعاليمها عرضة للتّحريف من قبل بعض المتطرّفين. ولنأخذ مثال المسيحيّة: فرغم تأكيدها القويّ على السّلام، فقد كانت على مرّ القرون ساحة حروب مقدّسة، حروبا صليبيّة ومحاكم تفتيش. ومقابل ذلك نجد من جهة اليسار نظريّة تحرّر تبرّر الثّورة المسلّحة. وهكذا فإنّ الدّين يمكن أن يكون موضع أفضل ما يوجد في الإنسان كما يمكن أن يكون موضع شرّ ما فيه سواء تعلّق الأمر بعنف التطرّف اليمينيّ أو التطرّف اليساريّ.

 

– لكن كيف نفسّر القيام بأعمال عنيفة باسم الدّين؟

 

– توجد عدّة أسباب لذلك، فالجماعات الدّينيّة ضحيّة القمع يمكنها أن تجيب على العنف بالعنف مثلما هو الشّأن عند الجماعات التي تتعرّض للاستغلال الفاحش والهيمنة وفرض قيم غريبة عليها. كما يندلع العنف أيضا حين نخلط بين الشّأن السّياسيّ والشّأن الدّينيّ، فالحروب الدّينيّة ظاهريّا ليست في الغالب سوى حروب حول مسائل سياسيّة واجتماعيّة اقتصاديّة يقوم الدّاعون إليها بالتخفّي في لبوس الدّين للوصول إلى مبتغاهم بأسهل الطّرق.

 

– والصّراع بين الولايات المتّحدة والإسلاميّين الرّاديكاليّين مثال على ذلك؟

 

– بالضّبط، فما تمثّله السّيطرة على الموارد النّفطيّة من مصلحة للأمريكيّين عامل محدّد في هذه الحرب التي تباركها ديانة “المولودين مسيحيّين من جديد” (Born Again Christians) [2] في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. لقد توجّه بعض الأشخاص غير المتديّنين في الأصل بعد أن تفطّنوا إلى إمكانيّة توظيف دين محافظ لتحقيق مكاسب سياسيّة إلى استغلال حاجة النّاس إلى التديّن، و”صدّام حسين” و”أسامة بن لادن” كما “جورج بوش” من هذا الصّنف. وقد نتج عن هذا معركة عالميّة كبيرة بين الأصوليّين الإسلاميّين والأصوليّين المسيحيّين المنتمين إلى اليمين. لقد غذّى “بن لادن” من جهة و”بوش” من جهة أخرى هذه المواجهات إلى حدّ يجعلني أعتقد أنّهما حليفان موضوعيّان في هذا الصّراع على غرار ما كان عليه سابقا “بينوشي” في الشّيلي و”بول بوت” في كمبوديا، وحتّى “هتلر” و”ستالين” حين أبرما معاهدة عدم اعتداء مع بداية الحرب العالميّة الثّانية.

 

– هل ينبغي أن يكون الفصل بين الشّأن السّياسيّ والشّأن الدّينيّ تامّا حتّى نحذر مثل هذه الانفلاتات؟

 

– إنّ تحكّم السّياسيّ في الشّأن الدّينيّ أمر ضروريّ إذا ما اكتسى الدّين طابع العنف. وفضلا عن ذلك، فإنّه لا بدّ من الفصل التامّ بين ما هو سياسيّ وما هو دينيّ، وذلك رغم التّقاطع الحتميّ بين المجالين، فقد كانت الأدوار الدّينيّة والاجتماعيّة الدّينيّة متآلفة غالبا في الأديان القديمة قبل أن تقوم المسيحيّة – وهذه إحدى مساهماتها الكبرى – بفكّ الارتباط بين الجماعة اليهوديّة والدّين اليهوديّ. ورغم هذا، فإنّ التّقاطع بين الشّأنين السّياسيّ والدّينيّ يعود دائما، فالأديان حتّى في أيّامنا هذه مرتبطة في الغالب بجماعات قوميّة أو عرقيّة يكون قائدها الرّئيسيّ زعيما دينيّا. هذه هي حالة ملكة إنكلترا مثلا، فهي في آن ملكة ورأس الكنيسة الأنغليكانيّة. بل إنّنا نشهد أيضا – وإن كان تحالف السّلطة والدّين عموما ظاهرة يمينيّة – مشاركة الجماعات الدّينيّة اليساريّة في مناقشات ذات طابع سياسيّ، ومن ذلك اصطفاف بعض الجماعات الدّينيّة اليساريّة مع بعض السياسيّين ورجال العلم ودعاة السلام المناضلين من أجل تكريس معاهدة كيوتو.

 

– وهذا ليس أمرا سيّئا في حدّ ذاته؟

 

– لا بالطّبع، فللدّين مكانته في المجتمع المدنيّ، ولا تظهر المشاكل إلاّ حين يتّجه أحدهما نحو فرض أفكاره مستخدما القوّة أو المال أو التّلاعب بالعقول. لذا، لا بدّ من تجنّب دعم الدّولة لجمعيّات دينيّة مختارة أو دعم جماعات دينيّة لأحزاب سياسيّة. إنّ السّياسة والدّين يتقاطعان، لكن لا بدّ أن يبقى كلاهما مستقلاّ عن الآخر. وإنّه لمن المؤسف أن لا يميّز البعض بين المرجعيّتين، وهي حال الأصوليّين البروتستانت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة من جهة، والإسلاميّين الإرهابيّين من جهة أخرى.

 

– ما دمنا بهذا الصّدد، هل يعيش اليمين الدّينيّ انتعاشة هامّة في الولايات المتّحدة؟

 

– لقد بدأ التّحالف بين اليمين المسيحيّ والجمهوريّين في التشكّل منذ زمن طويل وخاصّة منذ العشرينات عند جيراننا في الجنوب(يقصد الولايات المتّحدة الأمريكية-المترجم)، ثمّ قامت الحركة الإنجيليّة المحافظة بتنظيم صفوفها في هذا الاتّجاه، فأنشأت مؤسّسات واعتمدت استراتيجيّات وضغطت على الحزب الجمهوريّ كي ينحاز أكثر فأكثر باتّجاه اليمين. لقد كان الأمر قبل هذا في الولايات المتّحدة مثيل ما نجده عندنا اليوم أي توجّها نحو مزيد الفصل بين الكنيسة والدّولة، أمّا راهنا، فإنّ اليمين الدّينيّ الأمريكيّ بصدد العمل على إلغاء هذا الفصل بكلّ الوسائل، إنّه يبحث – معتمدا على الحنين إلى الماضي والإيمان المرتكز على تأويل حرفيّ للكتاب المقدّس- على إقامة حكم تيوقراطيّ أصوليّ مستند إلى ما يسمّيه “الأغلبيّة الأخلاقيّة”.

 

– هل ينبغي أن نخشى هذا الصّعود لليمين في الولايات المتّحدة؟

 

– من البديهيّ أن ينغمس الجمهوريّون فترة مّا في حكم بلادهم. إنّهم يتحكّمون أخيرا في مجلس الشّيوخ ومجلس النوّاب والمحكمة العليا والبيت الأبيض. لقد كان اقتسام السّلطة السّياسيّة عند جيراننا أكثر توازنا في السّابق، أمّا اليوم فهم يعيشون منعطفا بالنّسبة لهذا الواقع. وبهذا المعنى، فإنّ الانتخابات القادمة ستكون حاسمة: هل سيتمكّن الدّيمقراطيّون من التوحّد؟ هل سيجدون مرشّحهم الأمثل؟ من سيخلف “بوش”؟ إنّ مستقبل الولايات المتّحدة مرتبط بكلّ هذا. وبما أنّ كلّ حركة ترتدّ إلى الوراء إذا ما وصلت إلى أفقها الأقصى، فإنّه يستحسن الحذر من صعود اليمين في الولايات المتّحدة، وذلك رغم استبعادي مزيد تقدّمه.

 

– هل تأثّرت كندا بهذا الصّعود لليمين الدّينيّ؟

 

– يمكننا اعتبار انتخاب “ستيفن هاربر” (Stephen Harper) [3] دفعة قويّة باتّجاه اليمين في كندا. لقد قطعت أفكار اليمين الدّينيّ أشواطا كبيرة في غرب البلاد أين ينتشر المحافظون. إنّ جميع النوّاب الألبرتيّين على المستوى الفيدراليّ أعضاء في الحزب المحافظ، وهذا ليس وليد الصّدفة، ففي مقاطعة ألبرتا (Alberta) يعيش أكبر عدد من المواطنين من أصول أمريكيّة، فهي مقاطعة غنيّة تستقطب الأمريكيّين بسبب النّفط. بالطّبع نحن لا نزال في الكندا بعيدين عمّا يحدث في الولايات المتّحدة، إلاّ أنّ السيّد “هاربر” ومستشاريه من “مدرسة كالغاري” (l’école de Calgary) [4] مخطّطون من طراز عال، ومن هنا سيكون من المهمّ متابعة كيفيّة تطوّر الأمور مع تمنّينا أن لا تزداد خطورة. ومن حسن الحظّ أن تشهد أمريكا اللاّتينيّة تضاعف عدد الحكومات التقدّميّة، وهو ما يسمح بنوع من تصحيح التّوازن في أمريكا.

 

– هل يمكن أن تشهد الكندا والكيبيك مظاهر تطرّف؟

 

– لا أعتقد ذلك. لقد عايشنا بعض التّجاوزات من قبل “الدوكوبور” (Doukhobors ) [5] و”السّيخ” [6] مثلا، وأنا أفكّر من بين أشياء أخرى بهذا الخصوص في مأساة أتباع “نحلة معبد الشّمس” (l’Ordre du Temple Solaire) [7]، و”جماعة روخ (موسى) تيريولت” [8] (Groupe de Roch «Moïse» Thériault) وبعض المظاهر المعادية للسّاميّة. إلاّ أنّ هذه الحالات تبقى نادرة ومعزولة، فالعنف الدّينيّ في الكندا لا يزال هامشّيا وتحت السّيطرة في الوقت الحاضر.

 

– ما هي التحديّات الكبرى التي ستواجه الدّيانات الكبرى على المستوى العالميّ مستقبلا؟

 

– أوّلا، لا بدّ من ضمان عدم التّسامح مطلقا تجاه ممارسة العنف باسم الدّين، ولا يجب التردّد في تولّية القائمين على الشّأن السّياسي مهمّة ضبط الشّأن الدّينيّ. ومن ثمّة سيكون من المهمّ المحافظة على الطّابع العلمانيّ للدّولة والفصل بين الكنيسة والسّياسة، لكن دون التّضييق على الحريّات الدّينيّة. فلا حرج في احترام الأعياد الدّينيّة وحتّى السّماح للمسلمات بارتداء الحجاب على غرار ما هو مسموح به للرّاهبات في ارتدائهنّ زيّا خاصّا، إذ أنّ التشدّد تجاه الحريّات الدّينيّة لا يمكنه إلاّ أن يولّد نتائج سلبيّة. وأخيرا، لا بدّ من عدم الخلط بين الهويّات العرقيّة والسّياسيّة أو اللّغويّة من جهة والهويّة الدّينيّة من جهة أخرى. ولعلّه من الواجب التّعالي على الصّراعات بين الإخوة والتوحّد بوصفنا كائنات إنسانيّة بقطع النّظر عن الدّين. ولتحيق ذلك، لا بدّ من تشجيع التّسامح وإشاعة الاحترام المتبادل بين المنتمين لأديان مختلفة وضمان حوار أفضل بين الأديان.

 

– كيف نبني هذا الحوار؟

 

– على مستوى التّربية، لا بدّ من تدريس تاريخ الأديان وكذلك تطوير المعارف الأنثروبولوجيّة والسّوسيولوجيّة والثّقافيّة المرتبطة به. كما أنّه من الضّروريّ لكلّ منّا أن يكون على معرفة جيّدة بالأديان الحاليّة وما تلعبه من أدوار – سلبا وإيجابا – على السّاحات الاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، فالأديان جزء من التّراث الجماعيّ للبشريّة. وإذا ما كانت معرفة الأديان وتاريخها لا تسمح بتفسير كلّ شيء، فهي أمر أساسيّ في سبيل فهم أفضل لرهانات العالم المعاصر وتعلّم كيف نعيش معا في تناغم وسلام. 
الهوامش (من وضع المترجم):

 

[1] جماعة انشقّت عن الكنيسة الأنغليكانية في إنكلترا خلال القرن 17 وانتشرت خاصة في أمريكا وإفريقيا.
[2] جماعة أصوليّة مسيحيّة إنجيليّة يبلغ عدد أتباعها 80 مليون في الولايات المتّحدة أي ثلث عدد النّاخبين، وينتمي إليها أبرز قياديي الحزب الجمهوري الأمريكي وعلى رأسهم “جورج بوش” الابن.
[3] الوزير الأول الحالي في كندا وزعيم الحزب المحافظ فيها.
[4] تيّار سياسيّ كنديّ يطالب باتّباع سياسة الحزب الجمهوريّ الأمريكيّ بحذافيرها في كندا.
[5] جماعة أصوليّة مسيحيّة نشأت خلال القرن 17 في روسيا، ترفض كهنوت الكنيسة وتراتبيّتها وطقوسها، وقد هاجر مريدوها إلى كولومبيا البريطانيّة مع نهاية القرن 19. وقد استخدم رّاديكاليّو هذه الجماعة ويسمّون أنفسهم “أبناء الحريّة” العنف في مناسبات عديدة في الكندا للتّعبير عن وجهة نظرهم.
[6] يعزى إلى المتطرّفين السّيخ الدّاعين إلى إنشاء وطن خاصّ بهم في الهند تفجير طائرة تابعة للخطوط الجويّة الهنديّة قادمة من مدينة تورنتو الكنديّة سنة 1985 ممّا أوقع 329 قتيلا. كما يعزى إليهم أيضا اغتيال رئيسة الوزراء الهنديّة “أنديرا غاندي” سنة 1984 لنفس السّبب.
[7] نحلة تأسست في جينيف سنة 1984 تنشط خاصّة في سويسرا وفرنسا والكندا تدّعي تحضير العالم لعودة المسيح الملك/الشّمس، قام عدد من أتباعها بعمليّات انتحار جماعيّ في بلدان مختلفة.
[8] جماعة دينيّة انشقت سنة 1978 عن كنسية اليوم السّابع بعد ادعاء مؤسسها “روخ تيريولت” الذي تسمّى باسم “موسى” قدرات شفائيّة وأنّه مكلّف من الله بهداية البشر وأنّّ نهاية العالم ستكون يوم 19 فيفري 1979، وقد تم إيقافه بتهمة العنف تجاه مريديه وقتل بعضهم سنة 1989 وحكم عليه بالسّجن لمدّة 25 سنة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This