الجسد والجنس في حكاية لأبي حيان التوحيدي: الرغبة بين الرهبنة والشيطنة

   
 اهتم أبو حيان التوحيدي في كتاباته المتنوّعة بإشكالات الإنسان وقضاياه. ومن الجوانب التي عالجها في كتبه قضية الجسد الإنسانيّ وما يرتبط به من محاور كالمسألة الجنسية وما يتصل بها من لذة ورغبة وشهوة، وذلك من خلال النوادر والحكايات والتعريفات الفلسفية والشروحات اللغوية، أو من خلال تقديم بعض المعلومات التي أفرزتها الممارسة والتجربة الإنسانية.والملاحظ أن تلك الحكايات والنوادر والمعلومات المتعلقة بالجنس وما يتواشج به من أحوال الجسد تتخلل الموضوعات الجادة بصفتها وسيلة للترويح عن النفس وأداة لتجنب عناء الجد،ولهذا فإنّ الحديث عن الجنس عند التوحيدي يوضع تحت بند”الهزل”. يقول على لسان الوزير في كتاب “الإمتاع والمؤانسة” مشيرا إلى الفهم العام والنظرة السائدة إلى خطاب الجنس:
“ربما عِيبَ هذا النمط كل العيب، وذلك ظلم لأنّ النفس تحتاج إلى بشر…”.(1)

ما يستشف من هذه القولة أنّ كلّ ما يتعلق بالهزل والجسد والجنس كان يمارس عليه نوع من الحظر والمنع، كما تكشف القولة عن الوظيفة المنوطة بـ”خطاب المجون” وهي تحقيق لذة البشر عند المتلقي، إن خطاب المجون أداة للترويح عن النفس.

   وإذا كان التوحيدي يؤكد مرارا البعد الهزليّ لخطاب الجسد/الجنس في كتاباته، أفلا يحق لنا التروّي في قبول فكرته، وعدم الانسياق وراء هواه، والنظر إلى هذا الخطاب بوصفه أداة معرفة نظرية وعملية يسعى التوحيدي إلى تقديمها للمتلقي، كما يعتبر الخوض في هذا الخطاب خوضا فيما هو محرّم التعبير عنه وتجسيده عبر الكتابة، بينما هو غير محرم واقعا وممارسة؟ فهل الحاجة إلى الهزل وحدها هي التي تشرع الباب أمام الكاتب ليتحدث عن الجنس أم أن هناك حوافز أخرى هي المهيمنة على قلم التوحيدي؟

 1/خطاب الجسد/ الجنس بين التلقي ورصد واقع المجتمع

إن القولة المستشهد بها سابقا تعتبر الحظر والمنع اللذين طالا خطاب الجسد/الجنس ظلما وعدوانا. فالعيب أو اللوم الذي يلقيه “المجتمع” على المتحدث والمستمع إلى هذا النمط من الخطاب بهدف الترويح به ظلم ينبغي أن يواجه عبر فعل الكتابة/القول.ومن ثم يمكن اعتبار إسهام التوحيدي في الكتابة عن قضايا الجسد والجنس اتجاه نحو رفع الظلم عن الخطاب المتعلق بالجسد. والناظر في مؤلفات التوحيدي يجد كثيرا من النصوص المرتبطة بهذا الخطاب ذات أهمية للوقوف عندها. ونحن في دراستنا هذه سنقف عند حكاية من حكاياه الكثيرة. ولكن قبل ذلك لا بأس بأن نورد بعض تصوراته وتعريفاته الفلسفية الدقيقة التي ترتبط بالموضوع. يقول معرفا اللذة : “اللذة انطلاق الشهوة الطبيعية من النفس بلا مانع”.(2) فمن شروط تحقق اللذة الانطلاق بدون قيد أو شرط في رؤية التوحيدي؛ وأية لذة وقع عليها الحظر انفلتت من إطارها لتصير قيدا. ويعرف الرغبة بقوله:”حركة تكون من شهوة يرجى بها منفعة”.(3) فإذا كانت اللذة شهوة طبيعية من النفس غير مقيدة، فإن الرغبة هي شهوة مقيدة بالمنفعة. والمنفعة غير محصورة ولا محدودة، قد تكون مرتبطة بالجسد، كما قد ترتبط بالنفس وأحوالها. ويعرّف أبو حيان الشهوة على الشكل الآتي:”هي التشوّق على طريق الانفعال إلى استرداد ما ينقص مما في البدن، وإلا نقص ما زاد فيه. والانفعال شئ يجري على خلاف ما يجري به الأمر الذي هو بالفكر والتمييز”.(4)

   فبما أن اللذة انطلاقة حرة للنفس لا تخضع للحدود والشروط، فإنّ الشهوة انفعال يتطلّع من خلاله الجسد إلى استرداد ما نقص منه، وإذا لم تشبع الرغبة- التي تهدف إلى المنفعة- وخضعت لسلطة الحظر والإكراه نقص البدن وابتعد عن كماله وعن تحقيق منفعته.

   تتضمن هذه التعريفات الفلسفية إشارات جلية إلى حرية الرغبة وضرورة انفلاتها من سلطة المنع والرقابة؛ فكيف بالخطاب المصاغ حول هذا الفعل البشري الطبيعي الذي يعد مطلبا ضروريا للجسد؟

   إن هذه التحديدات لا تنفصل عن رؤية التوحيدي إلى أهمية الخطاب الجسدي/ الجنسي، فإذا كان الأخير وسيلة أساس للترويح عن النفس، فإن اللذة والشهوة والرغبة شروط وجود بالنسبة إلى بني البشر يتعرض الجسد في غيابها أو لحظة تهميشها إلى النقص واهتزاز الكينونة. فالجسد يكتمل بالانفعال والفكر والرغبة واللذة جميعا، وبغياب أي عنصر من هذه المكونات يصير الإنسان ناقصا وفي حاجة ملحة إلى تعويض نقصه. وإذا لم يفلح تنفتح أمامه- ولا شك- آفاق العنف والجريمة والأمراض النفسية.

  من خلال ما تقدم نستشف أنّ التوحيدي كان ينطلق من فهم عميق لطبيعة الجسد البشري الذي يتطلب الحرية في تصريف اللذة وإكمال النقص عبر الشهوة التي هي انفعال متصل بالنفس وأحوالها. ومما لاشك فيه أن التوحيدي بإثارته للقضايا المرتبطة بالجنس، وعبر تأكيده أهمية الحرية كان يسعى إلى التنبيه إلى خطورة الواقع الاجتماعي المتناقض. فبينما تتمكن الطبقة الراقية من فعل ما يحلو لها دون رقيب أو حسيب نلفي الطبقات الشعبية تخضع للحظر الفعلي والرقابة المعنوية فتظل رهينة “الكبت” أو النقص في تكوين البدن وتحقيق اكتماله. ويورد التوحيدي طرفة لها دلالتها العميقة على النشاز بين الفئة المتمكنة والفئة المقهورة في ممارسة الحياة. يقول:
“هجم قوم على زنجي ينيك شيخا، فهرب الزنجيّ وعلقوا الشيخ، فقال:ما لكم؟ قالوا: يا عدو الله تتكلم؟!قال:ما لي لا أتكلم؟ ما لنا لا نناك؟ من أجل أنا فقراء؟ احتسبوا على الفضل بن الربيع وعلى الحارث بن زياد وعلى غطريف بن أحمد- وعدّ قوما في العسكر- إنما يحتسبون علينا لأنّا فقراء..”.(5)

  تعكس هذه النادرة طبيعة الواقع الاجتماعي القائم على المفارقة والتناقض بين المعلن والخفي. ومن ثم فحينما أشار أبو حيان إلى ضرورة تناول”خطاب الجسد/الجنس”في الكتابة، وإن تحت غطاء الهزل، كان يسعى إلى رصد الواقع وإبرازه. والملاحظ أن أغلب ما يرويه التوحيدي من نوادر وأحاديث عن الجنس مستمدة من الوسط الشعبي تتقصى ظواهره المختلفة: الزنا واللواط والسحاق…وغيرها. وتتخذ هذه الحكايات لبوسات عدة لتعبر عن مواقف ساخرة أو ناقدة. وبعضها وظفت للسخرية من أولئك الذين يمثلون بعض أوجه “السلطة” كالقضاة والأمراء وقادة الجيش والوزراء، أو من يقومون بدور الحراس على الأخلاق والسلوكات من معلمين وفقهاء وغيرهم. ونورد على سبيل التمثيل إحدى هذه النوادر. يقول:
“تخاصم رجلان من أهل حمص في أمر نسائهما فقال كل واحد منهما: امرأتي أحسن، وارتفعا إلى قاضيهم، فقال القاضي: أنا عارف بهما، وقد نكتُهُما جميعا قبل تقلد القضاء وقبل أن تتزوجا بهما: فقال بعض العدول: قد عرفتهما فاقض بينهما، فقال: والله لأن أنيك امرأة هذا في أُستها أحب إلي من أن أنيك امرأة هذا في حِرِها؛ ففرح الذي حكم له وقام مسرورا “.(6)

   تدين هذه الحكاية رجال القضاء وتسخر من أحكامهم، كما تدين الأزواج الذين يُعرّضون أعراض زوجاتهم للفضيحة. فالقاضي يعترف بمعرفته بالزوجتين أمام الرجلين والعدول، بل يتبجح بهذه المعرفة ويقضي استنادا إليها بين الرجلين. أما الرجلان فلا تتحرك في نفسيهما الشهامة وكرامة صيانة العرض والشرف- في مجتمع يتقيد بهذه الأخلاق- وإنما يكتفي أحدهما(الذي حكم له القاضي)بالتعبير عن فرحه وسروره لأنه كسب الرهان على خصمه. إن هذه الحكاية إدانة صريحة لواقع متفسخ يسهم في صنعه من يقومون بدور “الحراسة” على القانون والنظام و”القيم الرفيعة”!

    إن هذه الحكاية وغيرها من الطرائف والحكايات التي أوردها التوحيدي- كما جمعها بعض المؤلفين الآخرين في عصره، بل قبله أيضا- تعكس واقع المجتمع العباسي وتفضحه دون مواربة. والتوحيدي من خلال جمعه لهذه النصوص، وإشارته إلى وقائع وأحداث وحكايات انفرد بذكرها، كان يرمي إلى ربط الكتابة بقضايا المجتمع، وعلى رأسها مسألة الجنس بما تمثله من خطورة في حياة الناس.

    ونحن إذ نعالج هذا الموضوع ندرك أن أبا حيان، بحكم العصر الذي عاش فيه وبحكم طبيعة الأسئلة المطروحة في تلك الفترة، لا يطرح مسألة الصراع بين الرغبة والسلطة، وبين الأنا الفردية ومعايير المجتمع الأخلاقية عبر الكتابة مباشرة، وإنما قراءتنا الخاصة لخطابه حول الجسد والجنس والنفس والرغبة…وغيرها، وتأويلنا لهذا الخطاب هو ما يجعلنا نفترض حضور هذه الرؤية عنده، خاصة أنه أشار على لسان “الشيخ” في الطرفة السابقة إلى التحريم الذي تعرض له العامة في ممارسة حياتهم وحريتهم على عكس الطبقات المتنفذة الراقية! وهذا ما يبين وقوف التوحيدي إلى جانب”المساواة” في تصريف الرغبة بين جميع الفئات باعتبار أن الرغبة لا تنفصل عن كينونة الإنسان الذي لا تكتمل شروط وجوده إلا بتلبية دعائها.

2/الرغبة بين الرهبنة والشيطنة: قراءة في حكاية
ستبلور هذه القراءة التصورات المشار إليها سابقا حول الجنس والجسد والرغبة عند التوحيدي من خلال ملامسة الخصائص الجمالية للحكاية المشتغل بها وكيفية تشكيلها لدلالات وأبعاد محايثة رامها السارد في خطابه. وفي البدء يلزم أن نثبت نص الحكاية كي يطلع المتلقي على أحداثها وعوالمها، ثم سننتقل إلى القراءة. يقول التوحيدي:
“قال الماهاني:كانت في بعض الديارات راهبة قد انفردت بعبادتها، وكانت تقري الضيف وتجير المنقطع، وكانت النصارى تتمثل بعبادتها وعفافها، فمرّ رجل كان من شأنه أن يدخر الفواكه، فيحمل في الصيف فواكه الشتاء، وفي الشتاء فواكه الصيف إلى الملوك، ومعه غلام له وحمار موقر من كل فاكهة حسنة، فقال للغلام: ويحك، أنا منذ زمان أشتهي هذه الراهبة، فقال الغلام: كيف تصل إليها وهي في نهاية العفاف والعبادة؟ فقال: خذ معك من هذه الفاكهة وأنا أسبقك إلى سطح الدير فإذا سمعتني أتحدث معها بشيء فأرسل ما معك من الروزنة؛ فأصعد الغلام سطح الدير، وجاء الرجل فدق الباب فقالت: من هذا؟ قال: ابن سبيل وقد انقطع بي، وهذا الليل قد دهمني، ففتحت ودخل، وصار إلى البيت الذي  الغلام على ظهره، وأقبلت هي على صلاتها، وقالت: لعله يحتاج إلى طعام، فجاءته به وقالت:كل، فقال: أنا لا آكل، قالت:ولم؟ قال:لأني ملَك بعثني الله تعالى إليك لأهب لك ولدا، فارتاعت لذلك وجزِعت، وقالت: أليس كان طريقك على الجنة فهلاَّ جئت معك بشيء منها؟ قال: فرفع الرجل رأسه وقال: اللهم بعثتني إلى هذه المرأة، وهي بَشَرٌ، وقد ارتابت فأرِها يا ربّ برهانا، وأنزل عليها من فاكهة الجنة فتزداد بصيرة ومعرفة، فرمى الغلام برمانة من فوق، وأتبعها بسفرجلة، ثم بكمثراة، ثم بخوخة، فقالت: ما بعد هذا ريب فشأنَك وما جئت له، وشال برجليها وجعل يدفع فيها وهي تَمِرُّ يديها على جنبيه كأنها تطلب شيئا، فقال لها: ما تلتمسين؟ قالت: نجد في كتابنا أن للملائكة أجنحة وأراك بلا جناح، فقال: صدقت، ولكنا معشر الكَروبيين بلا جناح”.(7)

2-1/بنية الحكاية
تقوم الحكاية على ثيمات عديدة وأساليب متنوعة تشكل بنيتها وتطبعها بسمات دلالية مميزة. ومن الأساليب الموظفة لبناء النص دلاليا: التأرجح بين السفور والخفاء، أو المكاشفة والاحتجاب. وهو أسلوب يعبر عن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع المنغلق على ذاته. علاقة يسمها الشعور بتعالي المرأة الراهبة بحكم اتصالها بالمقدس. فالارتباط بالرهبنة والتدين والعفاف والعبادة يجعل المرأة موضوع رغبة من طرف الرجل الذي يتوق إلى معانقة المقدس(في صورة الراهبة)، فيصير موضوع رغبة ولذة جنسية من خلال تشغيل قاعدة “كل ممنوع مرغوب”. ومن ثم فإن الرجل يستخدم نفس منطق المقدس لتحقيق “شهوته” عن طريق لعبة التخفي: إدماج الذات في طقس قدسي عبر التماهي بالملاك النوراني الأثيري، أو من خلال حلول الملائكي في البشري حفاظا على طهرانية المرأة/الراهبة وعلى موقعها القدسي كي لا تُبارحه على المستوى التصوري. فلو افترضنا أن البائع صرح بموضوع رغبته من غير تقمص لدور الملاك وتوظيفه للخطاب الديني لما استطاع أن يمتلك جسد المرأة الطهراني؛ فالرجل حينما اتحد بالملاك وتقنع بأفعاله استمد سلطة ممارسة الجنس (بدعوى الحفاظ على استمرارية البقاء والحياة والمعجزة أيضا) من النص المقدس الذي يسير الراهبة ويملك عليها فكرها ووجدانها. فالسلطة اتُّخذت من النص الديني بدلالاته المباشرة والرمزية، وعملت على منح الراهبة “صك الغفران” كي تلتحم بالمقدس عبر الفعل/المعجزة، بعدما كان اتصالها به يتم عن طريق الكلام/الخطاب وطقوسه. والرجل، وإن استعمل النص في مجال الخداع وكان يهدف إلى امتلاك جسد الأنثى، إلا أنه كان يسعى إلى إضفاء “القداسة” على الممارسة الجنسية ليأخذ الشرعية ويحظى بالقبول من الطرف الآخر. وهكذا يصبح امتلاك جسد المرأة واستهلاكه يتم تحت بصر “النص” وبتصريح منه. وهكذا كانت استجابة المرأة/الراهبة لرغبة الرجل وإذعانها خاضعين للدليل والبرهان الذي أقامه على”علويته”/اتصاله بالخفي والمقدس وعبر أشياء دنيوية اتخذت هي الأخرى لبوس الماورائي(الفواكه).

وإذا كان الرجل سعى عبر الحيلة إلى ممارسة فحولته وقوته؛ ألم يكن هذا الفعل المتخفي وراء قناع “القداسة”، سعيٌ إلى تحرير المرأة من الطقوسي: نصوص الزهد والرهبنة وتكبيل الجسد؟ ومن ثم العودة بها إلى معبد الفطرة؟ أي الخروج بها من “النص المقيِّد” إلى نص آخر أصلي يلح على حرية الجسد وضرورة الحفاظ على الاستمرارية والتكاثر؟

  إن فكرتي “الخروج” و “الخلاص/الفداء” بنيتان خفيتان تشتغلان داخل الحكاية وتشكلان أبعادها الدلالية والرمزية. فالخلاص ارتبط بجسد الرجل/المخلص الذي يهب المرأة أداة التحرر من الفوقي والالتصاق بالطبيعي. فإذا كانت الرهبنة المسيحية الكنسية المبنية على تصورات دينية دخيلة على الديانة السماوية تدس في الجسد أوهاما كثيرة وتجعلها حقائق ثابتة لا جدال فيها، فإن الرجل يشغل نفس منطق المقدس/النص ليزعزع مزاعم الإيديولوجية الكنسية. إنه يرفض قمع الحيوي الطبيعي من خلال هيمنة الثقافي. هكذا يصبح الجسد مجالا لرفض النظام الداعي إلى المتعالي، وأفقا لإنتاج نظام آخر  يعترف بالأرضي عن طريق بنية “المقدس” ذاته. إن الرجل من خلال تقمصه خطاب”المقدس” سعى إلى تكسير خط المتعالي عبر الفعل، وعن طريق إنتاج خطاب بديل يتخفّى وراء آليات الخطاب الأول وميكانيزماته. إن التوحّد بين المادي والمتعالي في الجسد يصبّ في غاية أساس: إنتاج رموز ودلالات بديلة تقوم على الحرية وممارسة الفعل دون قيد أو شرط.

   ومن الأساليب الجلية في النص بنية اللعب بالمفارق. وهو أسلوب حاضر عند الرجل انطلاقا من مهنته؛ فهو يقلب الشتاء صيفا، والصيف شتاء من خلال بيعه للفواكه المدخرة. فهو يتحكم رمزيا في فصول السنة ويحرك خيوط الزمان. وبذلك تمكن من اتخاذ صفة يتسم بها “المقدس”. وقد مكنته هذه القدرة الفريدة على التلاعب بالخطاب نفسه والتحكم في بنيته، فخرج من طابعه “المقدس” إلى مجال آخر أضفى عليه الرجل سمة التهكم والسخرية مع الحفاظ على البعد الجدي للخطاب. كما أن الرجل تمكن من قلب الفواكه الدنيوية إلى فواكه أخروية(فواكه الجنة)عبر الإيهام وعن طريق نفس الإمكانية: اللعب بالمفارق.

2-2/السرد والرؤية السردية
إن قارئ هذه الحكاية التي تتخذ من الجسد محورا لها، ومن الرغبة منطلقا ومدارا، يلاحظ أنها حكاية أقوال لا حكاية أفعال، وإن كان الفعل يندغم بالقول في جل لحظاتها. ومنذ مفتتحها يشير الكاتب إلى الراوي بقوله: “قال الماهاني…”، وعلى لسان هذا الأخير تتشكل الأحداث وتقدم الشخصيات وتتحدد أبعاد المكان والزمان. والراوي هو الذي يطلعنا على الحافز المحرك للأحداث(أو الحدث المركزي):وهو رغبة الرجل في امتلاك جسد الراهبة. هذا الحافز الذي عبرت عنه الشخصية بلسانها حينما خاطبت الغلام بقولها: ” ويحك، أنا منذ زمان أشتهي هذه الراهبة…”. هكذا يتناوب على السرد الراوي والشخصيات التي يجعلها تحكي وتتحاور فيما بينها. ولولا الحوار الثنائي بين الرجل وغلامه، لما عرفنا امتداد الحدث وكيفية “صياغة” الحيلة التي ستجعل الراهبة العفيفة المتعبدة ترضخ لرغبة الرجل. وإذا كان الحوار بين الرجل والغلام في اللوحة الأولى قصير النفس، يحدد الحافز الذي دفع الرجل إلى القيام بمغامرته ويرسم خطة الوصول إلى جسد الراهبة؛ فإن ما تبقى من الحكاية يُنسج عبر الحوار الثنائي بين الرجل والراهبة. وفي هذه اللوحة الثانية نلفي الحوار يُطرز خيوطه عبر”الإيهام” واستدعاء قصة مريم العذراء والملاك الذي بشّرها بغلام اسمه عيسى بن مريم. فالرغبة عند الرجل ستتقنع بالملائكي/الماورائي بغية الحفاظ على”العذرية المجازية” للراهبة، وعلى العفة والطهارة حتى بعد الاستسلام لفعل”دنيوي”مدنس: الممارسة الجنسية. وفي هذا التطور الحدثي نرى الحوار يتداخل بالفعل والوقائع، فيصبح السرد سريع الإيقاع، ويرتبط بالوصف الذي يرمي إلى تجسيد وتشخيص لحظة التحام الجسدين: الملائكي/الرجل المتخفي بالبشري/والراهبة. إن بنية السرد في هذه الحكاية تستند إلى القول/الحكي بصيغة الماضي الذي يجسد أفعالا قامت بها ثلاث شخصيات: الرجل-الغلام-الراهبة. وهكذا يصبح “القول” علامة دالة على الفعل الذي تم، ويرد “القول الحواري” على لسان الشخصيات. وتكرار لفظ القول: “قال-قالت” هو في حد ذاته فعل لأنه يحيل على الحدث وعلى الأفعال.

وإذا نظرنا إلى طبيعة الرؤية السردية التي تؤطر الحكاية، نجد”الرؤية من خارج”Vision du dehors  هي المهيمنة. فالسارد يرصد أفعال الشخصيات من بعيد وبنوع من الحياد. فقد عمل على تقديم الشخصيات وإعطاء بعض المعلومات الأولية عنها، ثم ترك الحدث يتشكل من خلال حوار الرجل مع صبيه وحواره مع الراهبة. وإذا ما تدخل لتوضيح جانب معين، فإنه يدلي بصوته في حياد تام، ويتجنب التفسير والتحليل، ويكتفي بتتبع “أفعال الشخصيات” من خلال ذكره للحوار الدائر بينها، أو عن طريق إشاراته إلى حركاتها. ونلاحظ أن السارد لا يقوم بوصف الشخصيات أو الأمكنة وصفا دقيقا شافيا، إنما يركز على الضروري من العلامات التي تضعنا في بؤرة الحدث وتساعدنا على التواصل مع تفاصيله وجزئياته؛ بل إن صوته يتوارى أحيانا ليفسح المجال لصوت إحدى الشخصيات، فتصبح  معرفته بما في دواخلها قاصرة لا تتشكل إلا عبر أقوال الشخصيات ذاتها. وهنا يقترب من”الرؤية مع”V.avec التي تكون المبادرة فيها للشخصية لتفصح عن مكنونها الذاتي ورغباتها الجوانية، كقول الرجل مخاطبا الغلام: “أنا منذ زمان أشتهي هذه الراهبة..”. فالشخصية تعبر، هنا، عن رغبتها من خلال الحوار المباشر، ويكتفي السارد بذكر هذا الحوار دون التعليق عليه أو توضيح أبعاده، ويترك الحدث ينساب في إيقاعه المتسارع.

    وعلى الرغم من هيمنة هاتين الرؤيتين: من خارج/ومع، فإن “الرؤية من خلف”V.par derrière لها حضور. إن مجرد ذكر أقوال الشخصيات والتحكم في إيراد هذه الحوارات لنسج خيوط الحكاية يبرز لنا تلك المعرفة المسبقة عند السارد بأفعال شخصيته وبتوجه حركاتها وتطور الحدث الذي تسهم في تشكله. فنقل السارد لفعل المواقعة/الالتحام بين الراهبة والرجل يبين لنا ذلك الحضور المطلق للسارد وقدرته على رصد حركات وسكنات الشخصيات. وبذلك يصير السارد عالما بكل شيء، متمكنا من رصد مختلف التغيرات والتطورات الحدثيَّة. يقول:
“فقالت: ما بعد هذا ريب فشأنك وما جئت له، وشال برجليها وجعل يدفع فيها وهي تمرّ يديها على جنبيه كأنها تطلب شيئا، فقال لها: ما تلتمسين؟ قالت: نجد في كتابنا أن للملائكة أجنحة وأراك بلا جناح..”.

   يقحم السارد، هنا، ذاته فيلج إلى الغرفة(البيت)التي نزل فيها الرجل بغية رصد تطورات الحدث. وهكذا، وعن طريق هذا الحضور الخفيّ يفصح لنا عن تمكن الرجل من جسد الراهبة وقدرته على ممارسة الجنس معها عبر فرض سلطته عليها. ولولا هذه الرؤية السردية لما عرفنا ما تم داخل “المخدع الرهباني”.

    من خلال ما تقدم نتبين أن السارد استند إلى أكثر من رؤية لصياغة حكايته التي تندغم فيها الرؤى الثلاث. وبذلك استطاع أن يضعنا في إطار الحدث الذي يتشكل عبر أفعال الشخصيات التي يرصدها بنوع من الموضوعية والحياد، من جانب، أو عن طريق جعلها تتحدث بلسانها وتفصح عن رغباتها، من جانب آخر. وقد أدى الحوار دورا فعالا في صوغ الحكاية ونسج عوالمها. وبذلك يتضح لنا أن السارد لا يوظف”رؤية” أحادية مفردة للإحاطة بالأحداث، وإنما احتاج إلى أكثر من”زاوية نظر” لرصد الوقائع والأحداث، وللإحاطة بأفعال الشخصيات وبحالاتها الوجدانية، حسب ما تقتضيه بنية الرواية التراثية التي تفترض تسلسلا في الرواة/الساردين. وبذلك استطاع هذا التشكيل السردي أن يطلعنا على أدق التفاصيل، وأن يبرز لنا انتصار “الرغبة” وتراجع لغة القمع والتقيد عبر توظيف الخطاب “المقدس” ذاته في سياق آخر. 

2-3/الزمان والمكان
إن الإشارة إلى الزمان في هذه الحكاية شبه منعدمة على الرغم من أهميته في صنع الأحداث وتشكيل قسمات الوقائع. ولكن من خلال ذكر السارد لفصلي الصيف والشتاء، ومن خلال قراءة تفاصيل الحدث الرئيس يمكن إدراك زمان القصة. فإذا نظرنا إلى أنواع الفواكه التي انسابت من الأعلى نحو الرجل والراهبة، وهي: الرمان والسفرجل والخوخ والكمثراة، نجدها فواكه ربيعية صيفية امتلكها الرجل- الذي يبيع فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء للملوك- قصد ترويجها في غير أوانها، وبذلك يتضح أن زمان القصة هو فصل الشتاء. ويتأكد هذا الاستنتاج من خلال تلميح السارد على لسان الرجل إلى انقطاع السبيل بهذا الأخير ومداهمة الليل له. فلو كان الفصل صيفا لما أقدم الرجل على هذا الادعاء لأنّ المسافة الفاصلة بين غروب الشمس وظهورها ثانية قصيرة، ولأنّ فترة الصيف لا يحتاج المرء خلالها إلى الاختباء داخل دير بعيدا عن زهو الحياة وجمالها، ولأن الراهبة قد قبلت قوله، يتبين أن زمان جريان الحدث هو فصل الشتاء بزمهريره وقساوته. أما الوقت الذي يتم فيه فعل الالتحام بين الرجل والراهبة ووصول الحدث إلى ذروته فهو الليل بظلامه الساتر الذي يتقنع به الرجل- كما تقنع بالخطاب الديني والفاكهة وصفة الملاك- لقضاء مأربه.

هذا من حيث طبيعة زمان الحكاية، أما إذا نظرنا إلى الزمان التاريخي، فالملاحظ أن السارد لا يحيل على حقبة تاريخية معلومة ومحددة، وإن كانت لفظة “كانت” التي أشرعت باب الحكي تشير إلى زمان ماض تم فيه الحدث وانتهى، لكن هذا الإطلاق الزماني له دلالته العميقة، ولا شك، المتمثلة في تأكيد أن مثل هذا الحدث قد يتكرر مرارا في التاريخ ما دام هناك رجل وامرأة وما دامت تنبض في أعماق البشرية دماء الرغبة.

   وإذا انتقلنا إلى الحديث عن المكان في هذه الحكاية نجده هو الآخر غير محدد جغرافيا. إنه مكان مجهول لا نعثر عليه في خارطة العالم، لكننا نعرف بعض ملامح الدير والغرفة التي اجتمع فيها الرجل بالراهبة. وبذلك يتخذ المكان صفة المطلق أيضا ويشير إلى نفس حمولة الزمان الدلالية. وإذا كان السارد قد أغفل الإشارة إلى مكان جغرافي معين، فإنه لم يغفل ذكر بعض الأماكن الجزئية والضرورية التي ساهمت في تطور الحدث ونموه، ومن ثم السير به نحو الاكتمال: تحقق رغبة الرجل. وأبرز مكان، هنا، هو الدير الذي ارتبط باللاحرية وبتقيد الرغبة -ولا شك- في ذهن المتلقي، لكنه تحول عبر حيلة الرجل إلى فضاء لتصريف الرغبة، ومن ثم تحرير الراهبة من خلال ربطها باللامحدود عن طريق خرق القانون(لعبة مسايرة الخطاب مع خرق سننه(Code) ). فالمكان الذي كان قمعيا صار فضاء تحرر عبر انفتاحه على عوالم الإيهام. أي أن الفضاء السلطوي(المقدس)سيخضع لشروط الرغبة وطبائعها لتقوَّض دعائمه عن طريق الممارسة الجنسية. إن الجنس حرر المرأة كما حرر المكان:
كسر قانون الرهبانية—->البعد عن متع الحياة—>إلغاء الجسد وتدجينه لصالح الروح.
وإذا كان فضاء الدير يتميز بالضيق والانغلاق، فإن الرجل استطاع اختراقه عبر ادعاءين:
الأول: كونه قد انقطع به الطريق وداهمه الليل، ولذلك صار المكان(الدير)مصدر ألفة ودفء، وأصبح ملجأ ومأوى من واقع خارجي متعدد المخاطر.
الثاني: إيهام الراهبة بعلويته وارتباطه بمكان أسمى وأعلى مكانة(الجنة). وبذلك تمكن من اقتحام جسد الراهبة بعدما اقتحم أسوار الدير وبوابته العتيدة.

  ونلاحظ أن اللعب بالمفارق(سمة أشرنا إليها سابقا) تحضر هنا في شكل تراسل بين الفوق (الجنة) والتحت (الأرض/الدير)، وبين الواقعي والمتخيل. وقد لعب الرجل على البعد الأول لإيهام الراهبة بعلويته. إن النظر إلى الأعلى والدعاء اللذين تبعهما نزول الفاكهة كلها مؤشرات صانعة أو مشكِّلة للفكر ومؤثرة في الوجدان. وهي علامات جعلت الراهبة ترضخ لرغبة الرجل. فهذا اللعب على الأبعاد المكانية: فوق/ الجنة أو بالأصح السطح في علاقته بالأفقي/الدير علاقة سلطة جديدة تتشكل ملامحها عن طريق الإيهام. فبعدما كان “البيت”مرتبطا قبل الحدث بالعبادة والطهر والقداسة صار بعد مجيء الرجل وادعائه “الملائكية” وإرسال الفواكه(فواكه الجنة!)من الأعلى مكانا مرتبطا بالمدنس، بفعل الرجل المتلبس بالشهوة، ولكنه على الرغم من ذلك حافظ على طهريته وعذريته في تصور الراهبة.
هكذا يسهم فضاء الدير في إبراز القيمة المزدوجة للمكان:إنه مكان الطهر، وهو مكان العهر أيضا. فالمكان يحمل في هذا السياق أبعاد المفارقة والتضادّ، من جانب، بين الدير(العبادة/الصفاء..) والأرض خارجه، خاصة قبل اكتمال الفعل، لكنه يتحوّل من جانب آخر، بعد ممارسة فعل الجنس إلى فضاء يتشابه بالأماكن الأخرى عبر انفتاحه على الدنيوي أو البشري. وهكذا تصبح المفارقة لاصقة بالدير ذاته.

    في ضوء ما سلف نلاحظ أن المكان قد ساهم في تحقق الرغبة ببعديه الواقعي والمتخيل(المتوهم)عن طريق البحث عن ثغرات الخطاب الديني الرهباني ذاته بغية النفاذ إلى عقر داره(الدير)والتحكم في قدرات أصحابها(الراهبة)النفسية والعقلية، ومن ثم إخضاعه للرغبة المبيتة.

   من خلال كل ما تقدم نتبين أن كل الإمكانات الفنية الموظفة في الحكاية قد عملت على  إبراز الدلالة وتوضيحها. وأن الدلالة تشكلت عبر بنية لغوية جمالية راقية وظفت فيها أقل السمات ولكن أنفذها في التعبير عن الغايات والمرامي. والملاحظ في كل ذلك القيمة التي حظي بها الجسد والدور الذي أداه خطاب الجنس في تفكيك المقدس وإعادة النظر فيه من زاوية لا تخلو من باروديا وإعادة مساءلة للكائن وانفتاح على الممكن. فهل التنوير وليد عصرنا أم كان أجدادنا أسبق منا إليه؟!

هوامش ومراجع:
1/ الإمتاع والمؤانسة، تح. أحمد أمين وأحمد الزين، دار مكتبة الحياة، بيروت، (د.ت)، ج.2، ص.60.
2/ المقابسات، تح. محمد توفيق حسين، دار الآداب، بيروت، 1989، ص.299.
3/ الإمتاع والمؤانسة، ج.3، ص.132.
4/ المقابسات، ص. ص. 294- 295.
5/ البصائر والذخائر، تح. وداد القاضي، دار صادر/ دار بيروت، 1988، ج. 9، ص. ص. 119- 120.
6/ نفسه، ج.4، ص.75.
7/ البصائر والذخائر، ج.6، ص. ص. 158-159
.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق