كان لا ينام على سرير الغريبة..

إلى محمود درويش،
 
 
وحده الشاعر يعرف سرّ العذاب الانسانيّ. وعمق مأساة الكائن البشريّ.
وحده يرفع القصيدة عاليا في وجه هذا العذاب دون احتماء بأوهام القبيلة وزعيق القتلة المختلط بصراخ الضحايا.

وخلال مسيرته المتفرّدة، والمحفوفة بالمخاطر والأشواك، مخاطر العداوة العمياء، والتعصّب الأعمى وحتّى الحبّ القاسي، وأشواك الأنانية المفرطة والاعتقاد الراسخ بامتلاك الحقيقة، كان يكتشف رويدا، رويدا، الحدّ الفاصل بين مقاومة الظلم والاستبداد، والاستسلام اللامشروط لدوافع الحقد والكراهية والانتقام والتردّي في سراديب الانغلاق والإقصاء التي لا تؤدّي في نهاية المطاف إلا إلى مزيد القتل والهمجية والتوحّش.


قال محمود درويش في آخر قصيدة قرأتها له بعنوان “لاعب النرد” ما يلي:
تحيى الحياة..

تلك الحياة، قضّى كلّ سنين عمره يمجّدها، يتغنّى بها، ويدفعها في اتّجاه أسمى درجات تحقّقها المادّيّ والمعنويّ “على الأرض ما يستحقّ الحياة..” كتب ذات يوم.. وقبل رحيله كتب: “أحبّك خضرا يا أرض.. تفاحة خضراء تتموّج في الضّوء والماء” يا له من حلم.. هذه هي رغبة الشاعر الجامحة في إنقاذ الأرض من الدّمار الذي يتربّص بها، جرّاء نهم الأقوياء الشرهين الذين لا يشبعون، ولا يكبح جماح نزواتهم حتى هذا المصير الغامض الذي يتهدّد هذا الكوكب الأزرق الأخضر.. هذا هو حلم الشاعر قبل رحيله، أن تظلّ الأرض أرجوحة خضراء تتموّج في الظلّ والماء، وهذا هو أيضا حلم الملايين من البسطاء.. بسطاء الأرض جميعا.. هؤلاء الذين كتب عنهم وبهم وإليهم، ودافع عن قضاياهم، وحمل همومهم في قلبه، وجعل من شعره منارة لتطلعاتهم وآمالهم.. وما فتئ يبشّرهم، رغم دائرة الظلام الكثيف، بأنّ الفجر قادم..

 

لم ييأس ولم يتخاذل، كان يحفر في الصخر نشيد الحياة العظيم، تتدفق الكلمات من شفتيه، من يده، من جسمه النحيف. ومن قلبه المتألم، نعم متألم، حدّ التعب، حدّ الإنهاك، يقاوم الحزن، وعدم الفهم. وبعض الجحود وشيئا من الحسد والنفاق بابتسامة دائمة الحضور ورحابة صدر لا يدركها الا الأصيلون من الشعراء… إنّه الشاعر.. وهذا يكفي…
والشاعر وحده يعرف سرّ العذاب الإنسانيّ، يحتمي بالقصيدة ويحميها ويدافع عن “جدار ليس له”، وبذلك يكسب شرعية الدفاع عن كلّ المظلومين، وكلّ الضحايا، لا يهمّ عندها لون ولا دين ولا عرق.. ولا.. ولا.. ولا…

لا تنال منه الوحدة، ولا تهزمه وحشية الواقع وضراوة الصراع، ولا يرتهن للخوف – ليس للخوف طريق إلى قلب الشاعر – ولا تأخذه مغريات الحياة ولذائذها لأيّ نوع من المجاملة أو المهادنة.. عنيد في حبّه للحياة، صادق مع مبادئه، صلب وشفاف كالزجاج، حالم وصانع معجزات، متوجّس وسعيد وهو يرى الأرض تصغي لكلماته وتقاوم، وتنبعث الحياة هنا.. وهناك.. رغم صدأ القلوب والأرواح تحت وطأة سنين الرماد المفزعة والتي تكاد تطفئ آخر جمرات الوجود..

“حين تبدو السماء رمادية
وأرى وردة نتأت فجأة
من شقوق جدار
لا أقول: السماء رمادية
بل أطيل التفرّس في وردة
وأقول لها: يا له من نهار”

الوردة تهزم الجدار وتتفتح على نهار يهزم رمادية المشهد الإنسانيّ، تنبعث الحياة دفعة واحدة في قلب الشاعر، ينبهر بجرأة الوردة وإفلاتها من حصار “الجدار” – وكم من جدار سقط وسيسقط أمام نضال الإنسان المستمر – فيهتف بالوردة: يا له من نهار.. نهار الإنسانية المشرق..

 

ثم ما معنى أن يكون الشاعر “مثلكم.. أو أقلّ قليلا” سوى أن يكون الشعر توأم الحياة وحارسها الأبديّ من جنون المتسلّطين وتهافت المنافقين، وغطرسة السلاطين، وصلف الحكام..

 

الشاعر بسيط مثلكم.. أو ربما أكثر بساطة.. الشاعر بسيط كعشاء الفقراء.. وهو مغامر يركب المخاطر دون رهبة أو خروف، ويؤسس للحياة في جلد وصبر، ويمنح صوته للمنبوذين والمشردين المطاردين.. ولمن لا صوت له.. إنّه ضمير الإنسانية النابض..


يبسط الشاعر جناحيه دفئا وسلاما على الثكالى والمحرومين، ويفتح للإنسانية باب أمل لا ينغلق، مشرعا أبدا على حرية تأتي وإن طال السفر..

رحل محمود درويش دون استئذان من أحد، سكت القلب النابض شعرا وسحرا وحبا سرمديا رغم حزن العشاق والمحبين والحالمين، مرّ على عجل كألطف نسمة، مسح على وجه الإنسانية قبسا من رحيق روحه العطرة، وكخطاف الربيع بشّر بقدوم الصباح وعبر دون ضجيج رغم الصليب الذي حمله طول العمر..


كطفل يعود متعبا من المدرسة، خلع بذلته، وضع نظارتيه بجانبه على الكنبة، وكعادته حاول كتابة شيء مّا، ربما تمتم بكلام لم يفهمه أحد، أغمض عينيه على سراب الخلود، ونام.
أعرف أنه كان ينام وحيدا، حتى إذا استيقظ صباحا استسلم في نشوة خالصة إلى حديث الجسد وهمساته دون أن يضايقه ولد أو..امرأة..أو..

الجسد هو الجسر الذي اتخذه الشاعر للعبور إلى سرّ العذاب الإنسانيّ، وتلك هي فرادة التجربة، تجربة محمود درويش، على الجسد أن ينفرد بالروح حتى يكتشف حقيقة الألم وجوهره، ويصغي إلى ذبذبات الوجع الآدميّ، وبذلك قد يمكنه الانتصار على ضعفه الغريزيّ، وتطير عندها الفراشة حاملة أيقونة الشعر والرؤى.. وقد تترك أثرا.. وقد لا تتركه..


“ومن حسن حظّي أنّي أنام وحيدا
فأصغي إلى جسدي
وأصدق موهبتي في اكتشاف الألم..”

لم تكن تلك العزلة المشتهاة بدافع من أنانية أو نرجسية ما، فـ”نرسيس أخطأ حين أطال النظر في مرآته، كان عليه أن يكسرها ليتسنى له رؤية الآخرين واكتشافهم، لقد ظلّ حبيس نفسه…” أما درويش، فعزلته من نوع آخر، إنها جعلته بعكس – نرسيس – أقرب إلى الآخرين، لقد صفت الرؤية إلى درجة أصبح فيها الشاعر هو الآخرون.. أنا.. من أنا؟ كان درويش يردّد في أشهر قصائده.. وأثراها فلسفيا..

 

 تزيل تلك العزلة – بدلالاتها الرمزية والفلسفية – كلّ غشاوة عن العين والروح، فيجهد الإنسان نفسه ويرتقي بها في سلم الوعي بالوجود والكائن والصيرورة، وتنكشف أمامه دروب الإنسان الوعرة والشائكة والعصية في مسيرته نحو الكمال والاكتمال.. وقد يحسّ في لحظة مّا بعبثية هذا الوجود.. من يدري..
ألم يعش الشاعر سالكا طريقه إلى فلسطين دون أن يصل.. قد يكون “الطريق إلى البيت أجمل من البيت”ولكن المهمّ الآن، هو بحث الشاعر المتواصل عن هدف أسمى للوجود، ومعنى مشرقا وحميما يجعل من الحياة أمرا ممكنا بل ومرغوبا فيه..
أخيرا، هدأ هدير الشعر المتدفق من جبال فلسطين وسهولها وميادينها، وبراءة أطفالها، وعيون شيوخها…وضع الشاعر قلمه حذو الأوراق البيضاء للمرة الأخيرة.. وسرح بعيدا وعاليا بنظرته الشاردة.. ربما تذكر طعم النبيذ الفرنسيّ، ورائحة الياسمين بمدينة سيدي بوسعيد، ونظرات النساء قرب المسرح البلديّ بتونس، ربما تذكر الشام والقاهرة، ربما تذكر رائحة القهوة ذات صباح بيروتيّ، ربما بدت له الطرق المؤدية إلى الناصرة، وتلك المدن الساحرة.. الحياة تمرّ بسرعة البرق.. ما أسرعها دورة الحياة.. فعلا لقد أغمض الشاعر عينيه ونام.. كان لا يخدش وردة.. ولا يشرب من القهوة إلا لونها.. ولا يسافر إلا مع  قلبه.. ولا يلهو بمأساة النرجس.. ولا يسخر من أثر الفراشة… ولا يترك الحصان وحيدا.. ولا يحبّ إلا ليحبّ.. ولا ينام على سرير الغريبة..

محمود درويش لا ينام على سرير الغريبة..
لذلك قال قبل رحيله بعشر دقائق:
من أنا لأخيّب ظنّ العدم
من أنا..؟ من أنا..؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق