هل هناك ” اعتدال” في العقلية الدينية ؟

يحاول البعض تبرير صلاته ومساعداته لبعض التيارات الدينية بأنها معتدلة وأنه يدعم الاعتدال الدينيّ وهذا التبرير محلّ نظر بل هو مخالف للحقيقة والواقع ويدلّ على عدم فهم لموضوع التديّن والأصولية الدينية أو محاولة خلق تبريرات وهمية لعملية تخريب ثقافية ودينية، باعتبار أنّ من يدعمون التيارات الدينية ويعملون على نشرها يفترض أنهم من أشدّ المعادين لها مما يرسم إشارات استفهام حول هذه السياسات ويجعلها موضع شبهة وذلك لأسباب كثيرة منها أننا لا نرى أنه من الممكن أن يوجد تيار دينيّ معتدل لسبب بسيط هو أنّ الدين في حدّ ذاته مطلق: فلا توسّط بين الكفر والإيمان، فإمّا أن يكون المرء مؤمنا وإمّا أن يكون كافرا، ومعايير الكفر والإيمان شخصية وغير ثابتة، بمعنى أنها متغيرة حسب الزمان والمكان والشخص، وهذا موضع إشكاليتها. كما أنها تخضع للفتوى، ولا سيطرة لأحد على الفتوى، خصوصا أنّ الفتاوى أصبحت تطلق عبر الفضائيات والانترنت وبالتالي هي سلاح خطر يستطيع أيّ كان استخدامه لخدمة أغراضه غير الإيمانية في الأعمّ الأغلب من الحالات ، ونحن نرى أنّ المشكلة الأساسية هي في نشر وتنمية العقلية الدينية التي تنتج بالضرورة وحتما التطرف الدينيّ والطائفيّ خصوصا في ظلّ الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية السائدة منذ أكثر من نصف قرن، حيث تظافرت أسباب داخلية تخصّ سياسات النظم القائمة في الدول العربية، وأسباب خارجية تمثلت في سياسات الإدارة الأمريكية وحلفائها وأسباب تخصّ العقلية الدينية في حدّ ذاتها لتخلق البيئة الملائمة للأصولية الدينية وتدفع إليها دفعا، ونجمل هذه الأسباب في ما يلي :

{{فيما يخصّ سياسات السلطات العربية الداخلية: }}

فقد عملت هذه السلطات على تجهيل الناس وتفقيرهم وخنق الحريات وتسخيف المناهج الدراسية وتحقير قيم العلم والعمل وإلغاء مبدأ فصل السلطات لصالح السلطة التنفيذية ودفع القضاة ليكونوا مجرد موظفين لدى السلطة والإقصاء التام للمرأة عن الفعل الاجتماعيّ ودفعها إلى زوايا السلبية والانطواء مقابل الاعتماد التام على الانتماءات ما قبل الوطنية ومحاصرة الأحزاب السياسية ومنع تطور مؤسسات المجتمع المدنيّ والدفع باتجاه تقوية علاقات المجتمع الأهليّ القائمة على نفي الآخر وإقصائه وتكفيره وتحميله مسؤولية كل خلل يصيب المجتمع مع خلق وهم نقاء الذات وطهارتها دون الآخر من خلال تسخير كل الطاقات الإعلامية والتعليمية لهذه السلطات في خدمة أغراضها الموجهة إلى الداخل حصرا ويأتي التهليل والتعظيم لبعض المسلسلات التلفزيونية التي تدعو للانغلاق ورفض التعدد ورفض الآخر في هذا السياق ” باب الحارة مثلا ” كذلك تحويل المقاومة الوطنية إلى مقاومة دينية طائفية .

في ظل غياب العلم والثقافة والحرية والحماية القانونية والدستورية فإنّ الدّين يحلّ بشكل تلقائي ليسدّ الفراغ بوصفه ملاذا وليس معتقدا كما لاحظ ذلك المفكّر جاد الكريم الجباعي وهذه مسألة جديرة بالاهتمام والتمحيص، التديّن وبالتالي الأصولية ليست خيارا حرّا إنها دفاع ذاتيّ.. شكل من أشكال الحماية البدائية في ظلّ غياب الدولة، في ظلّ غياب الحماية الدستورية والقانونية وفي ظلّ امتهان الخارج للداخل والسلطات للأفراد يلجأ البعض إلى التديّن مكرها ولا اعتدال في هذا التدين الحاصل في شروط الواقع المذكورة آنفا بسبب حالة الإذلال التي يعيشها الناس وبسبب أنّ التديّن في هذه الحالة هو ردّ فعل على واقع مرّ يعيشه الناس صنعته الأنظمة الحاكمة والدول الكبرى التي تحرص على إبقاء هذه النظم مسلّطة على رقاب العباد لذلك لا يمكن لأحد أن يضمن أن يكون ردّ الفعل هذا معتدلا لأنه بالأساس وجد كوسيلة دفاعية ضدّ استهداف شعوب المنطقة وثرواتها كما أنه من الثابت أنّ كل تشكيل دينيّ أو سياسيّ أو فكريّ أو اجتماعيّ يتضمّن بالضرورة اتّجاهات متطرّفة وبالتالي فإنّ الناتج الطبيعيّ لخلق وتنمية ودعم العقليات الدينية هو وجود تطرّف غير مسيطر عليه داخلها مهما ظنّ من يقوم بهذا العمل أنه يستطيع أن يسيطر عليه فهذا حلم بعيد المنال وهذا خطأ استراتيجيّ لأنّ العقلية الدينية بطبيعتها غير خاضعة للسيطرة لوجود دوافع ذاتية نفسية وثقافية واجتماعية وإنسانية مختلفة بين الشخص والآخر ويبدو أنّ النظم الحاكمة في هذه المجتمعات تحافظ على بقائها من خلال فرض هذا الواقع .

{{فيما يخصّ سياسات الإدارة الأمريكية وحلفائها :}}

فإنّ السياسات التي اتبعتها الدول الكبرى دفعت بذات الاتجاه مثل سياسات المحاصرة النفسية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية بشكل خاصّ التي اتبعتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في العالم والتي أضرّت بالمواطنين في المنطقة واستفادت منها الأنظمة بشكل عامّ، ويأتي في هذا السياق التعامل العنصريّ لسفارات وقنصليات الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية مع المواطنين العرب بشكل عام و الحملات الإعلامية التي ظهرت واضحة منذ ثمانينات القرن الماضي والتي توجهت لتحطيم صورة سكان هذه المنطقة من العرب وخلق صوره نمطية سيئة عنهم وقد تولت هوليود الجزء الأكبر من الحملة بالإضافة لكبريات الصحف الأمريكية والأوروبية وكذلك بعض المفكرين العنصريين مثل صامويل هنتغتون الذي شكّل كتابه ” صدام الحضارات ” الصادر في العام 1994 إنذارا مباشرا
وتمهيدا لتبرير الاحتلال والتنكيل بسكان المنطقة أطلقت شرارته المباشرة وأعطته الشرعية أحداث الحادي عشر من أيلول .

لقد شهد المواطنون في منطقتنا عمليات القتل والتنكيل والتهجير اليومية للفلسطينيين بعد أن تمّ احتلال فلسطين بمشاركة الدول الكبرى، ثمّ تمّ احتلال أجزاء من أراضي الدول التي تحيط بفلسطين وارتكاب أبشع المجازر بالسكان وكان ولا يزال المجتمع الدوليّ يدين الضحيّة ويصفّق للجلاد وهذا ما أدّى بشكل طبيعيّ إلى تحميل الإدارة الأمريكية المسؤولية التامة عن ما يجري في المنطقة من مآسي ظهرت حادّة وواضحة للعيان باحتلال العراق والخليج العربي وتخريب لبنان والسودان والصومال وباختصار تخريب كامل المنطقة العربية، وحقن للناس ضد هذه السياسات المتعمدة من قبل الإدارة الأمريكية .

بكل حال فهذه الأوضاع السائدة مجتمعة شكلت تمهيدا مناسبا لانتشار العقليات الدينية التي يشكل الجهل والفقر والاستبداد والظلم البيئة الطبيعية المناسبة لنموها وقد وفّرت لها سياسات النظم وسياسات الإدارة الأمريكية الحثّ والتغطية والدعم المالي والتنظيمي والتقني لتتحول إلى تنظيمات لا يمكن لها أن تكون معتدلة((التهجير المتبادل في العراق، قطع الرؤوس علنا باسم الإسلام )) تنخر جسد مجتمعاتنا وتشكّل مبرّرا دائما للعدوان الخارجيّ والداخليّ على السواء وتحرم هذه المجتمعات من أيّ احتمال لامتلاك الحرية وتعديل المصير .

{{ فيما يخص العقلية الدينية في حدّ ذاتها:}}

من حيث أنّ غاية المتديّن الأساسية وهدف حياته هو دخول الجنة وبالنسبة لمن يعيش الأوضاع التي ذكرناها أعلاه من أصحاب العقلية الدينية فإنّ الموت هو أسرع السبل لدخول الجنة وللخلاص في وقت واحد وهذا الموت المفضي إلى الجنة يجب أن يكون في تنفيذ أمر من أوامر الله مثل الجهاد في سبيل الله ومنه قتل الكافر والملحد والمختلف بشكل عام سواء في الدين أو الطائفة أو الثقافة أو غير ذلك وهذا معياره ذاتيّ يرجع إلى درجة ثقافة المتديّن أو درجة تأثّره بشيخه أو قائده أو شدّة معاناته أو حالته النفسية والمادية أو طبيعة الوسط الذي يعيش فيه ،بمعنى أنه ليس للنص سلطة واضحة في هذا المجال لأنّ الفتوى والأمر وتحديد طريقة الدخول إلى الجنة أصبحت بأيدي أشخاص وهميين في معظم الحالات” يبثون الفتوى عبر الانترنت أو الفضائية”، بمعنى أنّ ضابطا من المخابرات الأمريكية في العراق أو غيرها من الدول يستطيع أن يشكل تنظيمات أصولية وأن يصدّر لها الفتاوى من باكستان أو أفغانستان أو السعودية أو مصر حسب حاجة إدارته وهذا يعني فتح الباب على مصراعيه لكلّ دولة أو جهاز مخابرات أن يمارس نفس الطريقة وهكذا تخدم العقليات الدينية أهدافا غير دينية من حيث تدري أو لا تدري.

وأخلص إلى النتيجة أنه لا يوجد اعتدال في العقلية الدينية وأنّ انتشار التديّن في الآونة الأخيرة ليس خيارا مجتمعيا إيمانيا وإنما هو شيء مدفوع إليه دفعا لا يخدم مجتمعاتنا ولكنه يزرع فيها بذور فنائها، فهذه التيارات والأحزاب والجماعات والتشكيلات الدينية السياسية تعتبر ضرورة لتبرير سياسات الحكومات داخليا ،وخارجيا يعتبر وجودها ضرورة لإعطاء شرعية لحروب لا شرعية ولا أخلاقية تفرضها الإدارة الأمريكية والأوروبية حسب حاجاتها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق