الإرغام .. طابع السلطة المميز

يثير وجود السلطة بحد ذاته العديد من التساؤلات الكبرى، والتي تفتح بدورها بوابات الجحيم السبع أمام عالم غير متناه من الأسئلة الصغرى. ومما لا شك ّفيه أنّ التساؤل عن السلطة وماهيتها سيبقى “ينبوعا لا ينقطع ولا ينضب للنزاعات بين الناس في المجتمعات. لذلك يتبدى السؤال عن السلطة – دون أن يتجلّى في أكثر الأحايين- أعمق الأسئلة سلطة وأكثرها استصدارا – وتصدرا- للنزاع السلطاتي”( 1). وفي اعتقادي أنّ ما يثير اللبس عند التعرض لماهية السلطة هو الخلط ما بين طابع السلطة، وظاهرها وباطنها، وجوهرها في آن معا.

 

ويرى عالم الاجتماع الألمانيّ ماكس فيبر أنّ “الإرغام” هو الطابع المميز للسلطة، مما يذكرنا بما ذهب إليه بعض مفكّري الإسلام من أنّ السلطة العادلة هي السلطة الرادعة، وبالمقولة التي تُنسب لعثمان بن عفان والتي يقول فيها: “إن الله يَزُع بالسلطان ما لا يزعّ بالقرآن”.

 

وفي كلّ الأحوال، يأخذ الإرغام غالبا شكّل العنف الذي يتجسد بدوره في الأنماط المتعددة للتعذيب. نحن هنا إذاً إزاء سلسلة مكونة من حلقات ثلاثة: الإرغام/الإخضاع – العنف – التعذيب، تؤدي كل واحدة منها إلى التي تليها. ومع أنّ ظهور العنف شيء عاديّ، فيما يقرّر البعض، من أجل “التغلّب في التنافس المفتوح الذي يُعتبر عاديا بدوره [هو الآخر]، وقليلا ما نجد سلطانا تمّت توليته ولم يدخل مباشرة بعد ذلك في الحملة…، [التي] تنقض على الجيوب الصغرى المتمردة”.( 2)
إلا أنّ التعذيب يرتبط بالسلطة ذاتها ويمتلك وجها سياسيا أساسيا، ويجب أن يكون مختوما بخاتم الحاكم، أو على الأقل بخاتم سلطته. لذا كان فوكو محقاّ في إشارته إلى أنّ التعذيب هو في الأساس “مسألة سياسية وليست مسألة توازن يجب إعادته إلى المجتمع … المسألة مسألة تفارق بين فرد في الرعية والعاهل كلّي القوة …، [عبر] سياسة الترهيب، وإشعار الجميع وفوق جسم المجرم، بوجود العاهل غاضبا، إنّ التعذيب لا يعيد العدالة إلى نصابها، بل يقوّي السلطة”.( 3)

 

وفي السياق ذاته، ثمة من يرى أن العنف “هو أول مصادر السلطة، وأوّل أدواتها وأكثرها وحشية … وإذا كان من العنف ما هو مباشر مُعلن كالعنف الرسميّ، فإنّ هناك عنفا آخر مباشر أيضا ولكنه خفيّ غير معلن تستخدمه السلطة ولا تجاهر به … وهناك العنف الرمزيّ الذي يقوم على فرض دلالات رمزية معينة في حالات خاصة، وهو عنف تستخدمه السلطة وتتبرأ منه في نفس الوقت”.( 4)
وهذه الأنواع الثلاثة من العنف مورست ضد كافة أنماط المعارضة في تاريخ الإسلام، وبالمثل مارستها قوى المعارضة هذه حين تهيأت لها الفرص ضد السلطات القائمة. فالعنف الإيجابي يولد مقاومة، ونقطة الضعف الرئيسة للعنف إنما تتمثل في عدم مرونته، فهو عبارة عن حرب لاهوادة فيها يعمل كل طرف على النيل من الطرف الآخر وتجشيمه أفدح الخسائر، وغالبا ما تستدعي السلطة القائمة كافة أدواتها اللإنسانية للتنكيل بالمعارض وجعله عبرة للآخرين. وكما لاحظ ألفن توفلر بحقّ،(5 ) فإنّ العنف باختصار”سلطة متدنية النوع”.

 

لا يتوقف العنف إذاً ولا ينحصر في الجانب المادّيّ فقط، وإنما يُمارس على صعيد الفكر كذلك. ومن ثمّ راح فوكو يؤكد على تخفّي السلطة داخل حقل المعرفة. وبرأيه، فإنّ مهمة دارس الأفكار تتمثل في الحفر والتنقيب عن الكيفيات التي تثوي بها السلطة داخل المعرفة فتجعل مفكّري فترة ماّ من الفترات يرزحون في تفكيرهم، ومهما اختلفت ميادينهم، تحت ثقل تصوّر معين للمفاهيم والأشياء.
إنّ إرادة الحقيقة كما تزعمها السلطة إنما “ترمي إلى ممارسة نوع من الضغط [العنف] على كلّ الخطابات الأخرى حتى لكأنها سلطة إكراه”.( 6) أمّا عن الأسباب النفسية لعنف السلطة؛ فيمكن القول بأنّ السلطة المستندة إلى العنف والإكراه “إنما تفعل ذلك لتواري بفعلها إحساسها بالنقص تجاه الآخر، وفشلها في استخدام كيفيات ووسائل أخرى أكثر مرونة، وأكثر أخلاقية”.(7 )

 

ظاهر السلطة وباطنها
كما أنّ للسلطة أيضا ظاهر وباطن. أما ظاهر السلطة أو الوجه المعلن لها، فهو “الأيديولوجية” التي تتبناها الدولة، وتسعى من خلالها إلى تحقيق مقولاتها ومفاهيمها ومضامينها وتصوراتها عن الواقع، وفي الواقع. فكل سلطة تسعى إلى تبنّي أيديولوجية عامة للمجتمع محل الهيمنة، تقوده وتديره كسلطة معترف بها، وليس هذا الوجه المعلن بمثابة حقيقة السلطة، تلك التي تتبدى للعيان إلى درجة البداهة، بينما تتجلى للتعين غامضة إلى درجة السر.
وتعني الأيديولوجية في أبسط معانيها “مجموعة التصورات والمفاهيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها السلطة (تنتجها أو تعتنقها نقلا عن غيرها) وتعلنها على الملأ وتعمل على تحقيقها بكيفية ما”.(8 ) إنها عقيدة الدولة السياسية التي تدافع عنها وتكافح في سبيل إرسائها بصورة كلية.

 

وكمثال للأيديولوجية، فقد تبنت الخلافة العباسية – وبخاصة أيام المأمون – الاعتزال كأيديولوجية رسمية، وسعت السلطة لفرضه بكل ما أوتيت من قهر وغلبة وسطوة وإرهاب، على نحو ما عرف بمحنة خلق القرآن، ومن قبلها كانت الدولة الأموية قد تبنت القول بالجبر كأيديولوجية رسمية، ثم أبطل المتوكل القول بخلق القرآن متبنيا مذهب أهل السنة كأيديولوجية رسمية ومن ثم تم التنكيل بمعارضيها، وبقي الحال على ذلك حتى زوال الخلافة العباسية والتي ظلت متبنية المذهب السني في صورته الأشعرية كما وظفها الغزالي في خدمة السلطة.
لكن التساؤل عما وراء هذا التبني يُفضي بطبيعة الحال إلى باطن السلطة، وبصيغة أخرى: ما الذي يجعل السلطة تتبنى أيديولوجية ما دون أخرى؟!.لنأخذ تبنّي الأمويين للجبر مثالا تقريبيا؛ فالسلطة الأموية كانت ترفع راية الجبر خفاقة علانية لـ” تبرر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة فضلا عن تبرير شرعية وجودها أصلا باعتبار أن ذلك كله إنما كان قضاء من الله وقدرا مقدورا. [ولا رادّ لقضاء الله وأمره]”.(9 ) وما أفضلها من ذريعة لتصفية الخصوم وإعمال القتل والتعذيب فيهم دون هوادة ودون اعتراض كذلك.

 

فعندما قتل عبد الملك بن مروان منافسه الأشدّ عمرًا بن سعيد، أمر بأن يُنادى في أصحابه: إنّ أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ، ومن هنا استشعر الأمويون الخطر الكامن في آراء معبد الجهني وعطاء بن يسار اللذين كانا يأتيان الحسن البصري “فيسألانه ويقولان يا أبا سعيد: إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ويقول إنما تجري أعمالنا على قدر الله، قال الحسن: كذب أعداء الله”(10).
ولعله قد تبين لنا من خلال المثل السابق أنه إذا كان ظاهر السلطة يتمثل في الأيديولوجية، فإنّ باطن السلطة هو سيكولوجيتها، فكلّ سلطة تقوم على أساس نفسيّ-عقليّ يحدد اتجاهاتها ونظامها ونوع السلطة الذي تمارسه وكيفية ممارستها…إلخ. “ويستند الأساس النفسي- العقلي للسلطة بدوره إلى الوعي التاريخي(السياسي، الثقافي، الاجتماعي) لمفهوم السلطة … ومن خلال هذا الوعي (الفردي أو الجماعي) ينشأ الفهم السياسي للسلطة، كما ينشأ أيضا الفهم السياسي للدين، وعلاقته بالسلطة، وإمكانية توظيفه لخدمة السلطة، وحمايتها والدفاع عنها، كما ينشأ كذلك الفهم السياسي للأخلاق والقيم”.(11 )
وإذا كان لكل سلطة سماتها النفسية أو سيكولوجيتها التي تختلف عن سمات السلطات الأخرى، إلا أن هناك جملة من الخصائص وحزمة من السمات النفسية- العقلية المشتركة لا تخلو منها أي سلطة: كالاستقرار والاستمرار في السلطة، والرغبة في الإخضاع وضمان الولاء، ودفع المعارضين وإزاحتهم عن الساحة وإقصاء المناوئين والخارجين عن طاعة السلطة، والحفاظ على أمنها ومصالحها والسعي في تحقيق أهدافها الخفية والمعلنة…إلخ. إن هذه الخصائص وتلك السمات تشكل “ما يمكن أن يسمى [بـ] (سيكولوجية السلطة) أو (علم نفس السلطة) أو (البنية النفسية للسلطة)”.( 12)

 

فالسلطة تتداخل بشكل مباشر مع العلوم الاجتماعية بجميع فروعها وتفرعاتها، كما يتداخل معها علم النفس بفروعه والإناسة بفروعها، وبطبيعة الحال الفلسفة والفكر السياسي وعلم العمران الحضاري وفلسفات التاريخ والتشريع وتاريخ الأديان …إلخ. كل أولئك يتمدخل ضمن تلافيق الشبكة العنكبوتية لأبحاث السلطة ظاهرها وباطنها، تجلياتها وتمثلاتها وتنظيراتها.
ومن ثم فإن سيكولوجية السلطة تضم مجموع النفسيات الفردية للمنتمين للسلطة، وكذلك من ينفذون أوامرها، وتتجاوز كلا من هؤلاء وأولئك لتشمل كل نقاط التماس التي تخلقها السلطة وتنتجها وتخلفها وراءها وتدفعها من أمامها أو تعرقلها وتقف في مواجهتها حال تعارضها مع مصالحها وأهدافها. إنها تشمل كل الحالمين بالسلطة والمتضرّرين منها والمحرومين منها وأولئك الكارهين لها الناقمين عليها، كما تضمّ كل من يأمل أو يتمنى الاستغناء عنها والعيش بدونها.. هل بقي شيء لم تمسه السلطة بعد؟!!.
الهوامش:
( 1) محمد الزايد: الفلسفة وماهية السلطة، مجلة الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، بيروت، العددان 33 ،34 “المجتمع والسلطة”ـ دراسات في أنتربولوجيا السياسة والاجتماع، أغسطس 1983م، ص 7.
( 2) عبد الله حمودي: الشيخ والمريد– النسق الثقافي للسلطة فى المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة: عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، المغرب، سلسلة المعرفة الاجتماعية، رقم 217، الطبعة الثالثة، 2003م، ص .
(3 ) ميشيل فوكو: المراقبة والمعاقبة، مولد السجن، ترجمة: على مقلد، مراجعة وتقديم: مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990م، ص 71.
(4 ) سالم القمودي: سيكولوجيا السلطة، مؤسسة الانتشار العربي، لندن – بيروت، الطبعة الثانية، 2000م، ص 65.
(5 ) آلفن توفلر: تحول السلطة من  العنف والثروة والمعرفة، تعريب: د. فتحي حمد بن شتوان، نبيل عثمان، مكتبة طرابلس العلمية، الجماهيرية الليبية، الطبعة الثانية، 1996م، ص 30.
(6 ) ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، 1984م، ص 15.
(7 ) سيكولوجيا السلطة، مصدر سابق، ص 65.
(8 ) المصدر السابق، هامش ص 41.
(9 )عبد الجواد ياسين: السلطة في الإسلام– العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2000، ص 132، 133.
(10 ) الحسن البصري: رسالة في القدر، ضمن: رسائل العدل والتوحيد، دراسة وتحقيق: محمد عماره، دار الهلال، 1971، ج1، ص67.
(11 ) سيكولوجيا السلطة، مصدر سابق، ص 31، 32.
(12 ) المصدر السابق، ص 35.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق