مقاطع من حوار هابرماس حول الفلسفة في زمن الإرهاب (2/2) ترجمة: خلدون النبواني

{{>بورادوري: هل يجب تمييز الإرهاب عن الجريمة العادية وعن أنماط العنف الأُخرى؟}}

>هابرماس: نعم ولا. من وجهة النظر الأخلاقية لا يوجد تبرير لأفعال الإرهاب مهما كان الدافع أو الحالة التي ارتكبت فيها. لا شيء “يُجيز” القتل أو تعذيب الآخرين لغايات شخصية محض. كل عملية قتل واحدة هي إفراطٌ في القتل. ومع ذلك فقد حلَّ الإرهاب تاريخياً في فئةٍ أُخرى مختلفة عن الجرائم المتعلقة بمحكمة الجنايات. يختلف الإرهاب عن الجريمة الخاصة ولذلك هو يستحقّ اهتماماً شعبياً ويتطلب نوعاً مختلفاً من التحليلات عن تلك المتعلقة بالقتل بدافع الغيرة مثلاً، ولو كان الأمر غير ذلك لما كان هناك من داعٍ لإجراء هذا الحوار. يصبح الفارق بين الإرهاب السياسيّ والجريمة العادية واضحاً أثناء تَغَيُّرِ الأنظمة حيث يستولي إرهابيو الماضي على الحكم ويصبحون الممثلين المحترمين لبلدانهم. بالتأكيد في حالات انتقالٍ سياسيٍّ كهذه لا يمكن أن يؤمّل شيء اللهم إلا من إرهابيين ساعين وراء أهدافٍ سياسية بأسلوبٍ واقعيّ وقادرين على انتزاع شيءٍِ من الشرعية- على الأقل بالنظر إلى أفعالهم الإجرامية في الماضي- وذلك بالتعهد علناً بالقضاء على الظلم. مع ذلك فإنني لا أستطيع أن أتخيل الآن أن تغدو جريمة 11/أيلول الرهيبة فعلاً سياسياً مفهوماً أو مقبولاً بشكلٍ ما في يومٍ من الأيام.

{{>هل تعتقد أنه من الجيد تأويل 11/أيلول على أنه إعلانٌ للحرب؟}}

>مع أنّ مصطلح “الحرب” هو أقلّ تضليلاً وأقلّ إثارة للجدل أخلاقياً من “الحرب الصليبية” إلا أنني أعتبر قرار جورج بوش بالدعوة إلى “حرب ضدّ الإرهاب” خطأ جديّاً على المستويين المعياريّ والبراغماتيّ. فعلى الصعيد المعياريّ يكون قد رفع من شأن هؤلاء المجرمين إلى مصافّ أعداءٍ في الحرب، وعلى الصعيد البراغماتيّ فإننا لا نستطيع أن نقود حرباً- هذا إذا كان مصطلح ” الحرب” لا يزال يحتفظ بمعنى معين- ضدّ “شبكة” ليس لها مكان محدّد.

{{>إذا كان الغرب يريد أن يطوِّر حساسية أكبر ويتبنى المزيد من النقد الذاتي في تعاطيه مع الثقافات الأُخرى، فماذا عليه أن يفعل ليسلك هذا السبيل؟ رَبطتَ فلسفياً بين تلك الصلة المتبادلة بين “الترجمة” و”البحث عن لغة مشتركة”. هل يمكن لهذا أن يكون مفتاحاً لتوجه سياسيّ جديد؟}}

>منذ 11/أيلول وأنا أتساءل عما إذا كان مصطلح “الفعل التواصليّ” الذي طوَّرته في نظريتي في طريقه إلى أن يفقد اعتباره بشكلٍ كامل على ضوء هذا الحدث. نعيش نحن في الغرب في مجتمعاتٍ سالمة ومُنَعَّمَة ومع ذلك فإنها تحتوي على عنفٍ بنيويّ اعتدنا عليه إلى حدٍّ ما وهو عنفٌ يقوم على عدم المساواة الاجتماعية التي لا ترحم وعلى التمييز المهين وعلى الإفقار والتهميش. وبتحديدٍ أكبر، بما أن علاقاتنا الاجتماعية مُختَرَقَة بالعنف وبالأفعال الإستراتيجية وبالتلاعب فإنه يجب علينا ألا نتجاهل حقيقتين اثنتين أخريين: فمن جهة أولى تستند ممارستنا لحياتنا اليومية المشتركة مع الآخرين على قاعدة صلبة من القناعات القائمة على خلفية مشتركة ومن الحقائق الثقافية البديهية ومن التطلعات المتبادلة. في هذا المستوى ننسّق أفعالنا عبر ألعاب الكلام العادية وعبر دعاوى الحقيقة التي يرفعها كل شخص مطالباً بها الآخر والتي نعترف بها بشكل ضمنيّ على أقل تقدير ضمن نطاق الفضاء العام القائم على المفاضلة بين الحجج الأقوى والأضعف. من جهةٍ ثانية تنشأ النزاعات بيننا من التواصل المشوَّه ومن سوء الفهم ومن عدم الإدراك ومن عدم الإخلاص والخداع. وعندما تغدو نتائج هذه الصراعات مؤلمة بما فيه الكفاية فإنها تنتهي إلى المحكمة أو إلى عيادات الاستشفاء. يبدأ العنف كتواصلٍ مشوَّه ثم يقوده انعدام الثقة المتبادل والخارج عن السيطرة إلى انقطاع التواصل. وهكذا إذا بدأ العنف بتواصلٍ مشوَّه فإننا نستطيع بعد تفجّره أن نعرف ما انحرف وما يحتاج إلى الإصلاح.
هذه نظرة شائعة، ومع ذلك فهي قابلة للتطبيق على الصراعات التي تتحدّثين عنها. ولكن، يغدو الأمر أشدّ تعقيداً عندما يتعلّق الأمر بالثقافات وسبل الحياة والأمم التي تتباعد بمسافاتٍ شاسعة فيما بينها ولذلك هي أكثر غربة إحداها عن الأُخرى، فهي لا تلتقي مع بعضها البعض كما يلتقي أعضاء المجتمع الذين لا يُقصي أحدهم الآخر إلا إذا كان التواصل مشوّهاً منهجياً فيما بينهم. ولنضف إلى ذلك أنّ قوّة القانون الرادعة للعنف لا تلعب في العلاقات الدولية إلا دوراً ضعيفاً نسبياً. أما فيما يخص العلاقات الثقافية المتبادلة فإنّ أكثر ما يستطيع أن يفعله النظام الشرعيّ هو أن يخلق إطاراً مؤسساتياً للقاءات الرسمية كالمؤتمر العالميّ لحقوق الإنسان الذي أقيم في lيينا برعاية الأمم المتحدة. رغم أهمية الخطابات الثقافية المتبادلة حول التأويلات المتعارضة لحقوق الإنسان إلا أنّ مثل هذه اللقاءات الرسمية لا تستطيع لوحدها أن توقف حركة لولب الأفكار المُقَوْلَبَة. بل يتحقق تغيّر الذهنية المنشود بالأحرى من خلال تحسين شروط الحياة والتخفّف الملموس من الضغط والاضطهاد. عندما تصبح الثقة قادرةً على أن تتطور عبر ممارسة التواصل اليوميّ، عندها فقط ينتشر تنويرٌ فعالٌ وجليّ في وسائل الإعلام والمدارس والبيوت ولا يحدث ذلك إلا عبر التأثير في المقدمات الثقافية والسياسية الخاصة.

في سياقٍ كهذا، يغدو النمط المعياريّ الذي تُقدِّم فيه الثقافة نفسها في مواجهة الثقافات الأُخرى ضرورياً لنا نحن أيضاً. ففي سيرورة مراجعته لصورته الشخصية، قد يستطيع الغرب أن يتعلَّم على سبيل المثال ما الذي يجب عليه فعله من أجل تغيير سياسته إذا ما أراد لها أن تبدو كقوَّة ذات تأثير حضاريّ. أما إذا لم تستطع السياسة تدجين الرأسمالية منفلتة الحدود فلن يكون من الممكن وقف التدمير التراتبيّ للمجتمع الدوليّ. بالنظر إلى نتائجها الأكثر تدميراً، يكون على دينامية الاقتصاد العالميّ غير المتكافئة أن تتوازن، وهذا أضعف الإيمان، نظراً لما تسببه من حرمان وبؤس لمناطق وقارَّات بأكملها. وهذا لا يتعلق فقط بالتمييز والإذلال والإساءة للثقافات الأُخرى، فما يُسمّى “صدام الحضارات” [kampf der kulturen] هو البرقع الذي يحجب المصالح الماديّة الحيوية للغرب مثل (الوصول إلى حقول النفط والتزوّد بمصادر الطاقة على سبيل المثال).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This