مغــــرب المــتــصـوّفـة

ما المقصود بـ “مغرب المتصوّفة” ؟ سؤال يواجهنا منذ البداية، حتى إن درجنا على ترك عناوين الكتب جانبا وانصبّ تعريفنا النقدي بها على مضامينها. وهل تحتمل المميزات الناظمة لمجمل تاريخ مجال المغارب بعد بضعة قرون من الانتشار الإسلامي حضور التصوّف كعنصر ناظم لواقعه السياسي والاجتماعي والثقافي ؟
الخصوصيات التي ينجلي عنها المشهد الجغرافي والعمراني حاضرا تجيب بطريقتها الخاصة عن هذا السؤال، إذ يستحيل أن يخلو موقع واحد مهما نأتْ به المسافات وتاهت به الطرق عن حضور ضريح أو روضة أو زاوية أو مشهد لشيخ من شيوخ الصلاح.

هذا التوازي بين التصوّف في مختلف مظاهره (الزهد، والمرابطة، والصلاح، والتزوّي، والطوائف، والطرق) لا يمكن ألاّ يثير فضول الباحث أيّا كان تخصّصه. فقد درجنا مغربا على التعامل مع التصوّف من زاوية علاقته بالدين وبالأحكام الفقهية للشريعة من وجهة نظر السنة المالكية، لذلك تلوّنت المحصّلة التي اكتنـزتها الذاكرة كخطاب شفويّ أو كخبر مكتوب حول التصوّف بالتباس المعنى وتأرجح وجهات النظر بين دونية التحقير وتضخيم الافتتان.

 

لم تتخطّ مواقف الدولة الوطنية ومثقفيها من ظاهرة التصوّف مغربا هاتين الطريقتين الغائمتين، وإن شكّل المجهود الميدانيّ المبذول من قبل المصالح الإدارة والعسكرية المستعمرة لتوصيف هذه الظاهرة وتفكيك كيفية انتظام مؤسساتها – وبصرف النظر عن طبيعة المصالح المستهدفة من قبل تلك المصالح- طريقا سالكة طُمست معالمها بالكامل بعد تصفية الاستعمار. كما أنّ البحث الأكاديميّ المحكّم الذي تأثر على صعيد المنهج مغربا بتوجّهات المدرستين الوضعية ثم الاقتصادية والاجتماعية، لم يكن بوسعه حتى أواسط ثمانينات القرن الماضي أن يعيد النظر في سلم أولوياته بعد أن حُسمت مواصفات النقد الشكليّ للمصادر طبقا لمبدأ التّأكُد من موضوعية المعطى الخبريّ أثناء بناء القراءة التاريخية.
ومع بداية التسعينات كثر الحديث عن الفرد كفاعل اجتماعيّ وتاريخيّ وذلك بالتوازي مع تلاشي توازن الرعب وسقوط الستار الحديديّ وتراجع أهمية الدولة الوطنية كجهاز ناظم لحياة المجتمعات، وعاشت “حرفة المؤرخ” سنوات من “التفتت” انفتح خلالها البحث التاريخيّ على الجوانب الثقافية والاجتماعية والانتروبولوجية، فضلا عن الاهتمام بتاريخ الأديان المقارن وذلك قبل أن يُعَاد الاعتبار إلى التاريخ السياسيّ من بوابة ما سمّته الدراسات التاريخية الحديثة بـ “الرهان البيوغرافي”.(1)


كرّس الاهتمام بالتصوّف إذن – داخل مجال المغارب – رفعا لنوع من الحظرعلى ركام من المصنّفات والوثائق المبعثرة رُكنت لسنوات جانبا وتأثرت سلبا بأشكال التعامل الفوقيّ (اجتزاء الخبر أو المعطى التاريخيّ)، هذا إذا لم تُزهّد العروض البيوبيبليوغرافية Bio-bibliographiques  في مضمونها، دافعة بالباحثين إلى تجاهلها وعدم الاكتراث بوجودها.
راهنت هذه الدراسة على مضمون هذه السّيَرِ المناقبية التي توجد على تماسّ المعرفة الدينية العالِـمة من جانب وما اكتنـزته الذائقة العامة في شكل موروث مشاع، وقاربتها في ذاتها مكافحة إياها بغيرها من الوثائق التاريخية. وضعت لتحقيق هذا الرهان خطة غطت أمدا زمنيا طويلا جاوز السبعة قرون، تم من خلال أقسامها التعرض إلى جذور الظاهرة المدروسة من خلال تفحص سير رموزها من أرباب التصوّف المؤسسين وتفكيك تنظيمها الشبكيّ من خلال التوقف عند مميزات الطوائف والطرق وتعيير نتوءاتها الاحتجاجية قبل موفّى القرن السابع عشر الميلادي من خلال استعراض عيّنات مسارية مقارنة تخصّ ظاهرتي “الجذب” كتعبير عن الضيق بالواقع، و”الاحتجاج” الذي استفاد من آليات “الاحتساب” التقليدية المرتكزة غالبا على إدعاء “المهدوية”.

 

استجاب التعامل مع سير الصلحاء لرغبة معلنة في توسيع مجال البحث التاريخيّ من خلال الانفتاح على مدوّنات مصدرية احتاج رفع الحجر المضروب عليها تجاوز سلبياتها المتمثلة في تعمّد التلفيق وتشويه الخبر الموضوعيّ عبر تكثيفه رمزيا قصد تضخيم وقعه النفسيّ على المتلقي وترجيح العبرة الخُلقية دون سواها. فمنطق السّيَر التي راهنّا على استنطاقها في ذاتها أو مكافحتها مع غيرها من المصادر الأخرى من وجهة نظر البحث التاريخيّ تحديدا، لا يمكن أن يدور موضوعيا إلا حول الدور الذي تلعبه التُرَّهة الملفّقة في صنع الواقعة التاريخية اعتبارا إلى أن التاريخ لا تشكّله الوقائع المادية التي يُستَدلّ على حصولها بفحص اللُقى الأثرية وتوصيف المركبات المعمارية واستنطاق كتب الحوليات والأخبار والتبصّر بوثائق الأرشيف فحسب، بل تُستدعى في إدراك خفاياها مجمل الأحلام والأوهام والتمثّلات والرموز التي ساهمت في حصولها أو تقدّمتها أو نسلت من رحمها.

ما تم البحث عنه داخل تفاصيل هذه السير الانطباعية الموحية بسذاجة ناقليها وخواء وِطاب متلقيها في آن، هو توضيح طبيعة الأدوار التي عادت لأرباب الصلاح في إعادة تركيب الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي بمجال المغارب طوال أمد زمنيّ جسّر الفترتين الوسيطة والحديثة واستغرق سبعة قرون أو تزيد.
فقد شهد النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي حلول الفصائل العربية وانتشارها على مجال المغارب مُعلنة بذلك بداية ما أسماه عبد الله العروي بـ”المعضلة الهلالية”، في حين عرف القرن السابع عشر تجلّي الدولة في مفهومها الترابيّ الحديث ودخولها مغربا في عملية “تمجيل” أعادت تركيب الواقع الاجتماعي والأدوار السياسية والتمثلات الثقافية محوّلة منظوري القبائل الممانعة إلى رعايا غارمين خاضعين لمشيئة الدولة.

 

هذه الصيرورة لم تخضع في تقديرنا مطلقا إلى عملية شدّ عنيف أو استقطاب ثنائيّ جسّمه الصراع بين “دولة المخزن” من ناحية والقبائل الممانعة أو “العاصية” لسلطتها من جانب ثان، فقد لعب الصلاح بتوجهاته التوفيقية السلسة وأسلوب “الاستتباع” الأفقي المبنيّ على مفهوم “الصحبة” المعتمَد من قبل شيوخ الطوائف والطرق – وهو أسلوب دعا أربابه الكافة لتجديد “التوبة” تملّكا للإسلام وتحقيقا للخلاص، واقفين صراحة في صفّ المنتجين مُدعّمين آمال المستقرّين – دورا محوريا في نزع فتيل المواجهة بدفع الأطراف المتصارعة إلى تغليب منطق التفاوض السلمي وتطوير أدوات اللعبة السياسية وقوانينها.

تحوم جميع السير المستحضرة ضمن هذه الدراسة – بصرف النظر على الاستدراكات الكثيرة لمؤلفيها – حول هذه المعاني تحديدا، لذلك تعقّبنا ضمن ما لفّقته مَرْوِياتها قصدا التجارب المسارية لأبطالها، وهي تجارب آثرنا على عكس غيرنا من الباحثين الحفاظ على السياقات المعتمدة في بنائها كي يتفطن القارئ إلى الشُحنة الحسّية أو الوجدانية التي انطوى عليها النسج الروائيّ ومفعول المروية الشفوية المنسجمة بالكامل مع طبيعة الذائقة الفكرية العامة أو القاعدية. إلا أن هذا الاختيار الشكليّ لم يمنعنا منهجيا من مكافحة المعطيات المنقولة ورصد التقاطعات بين مختلف السِّيَر وربطها بتفاصيل وخصوصيات الواقع التاريخيّ لمختلف المراحل المقصودة بالدّرس.

كما لم يَغْرُب عن نظرنا ونحن نعالج مضمون تلك “السير” أن نحاول الاستفادة من النماذج المنهجية المتصلة بالبحوث الاجتماعية والأنتروبولوجية التاريخية، وإن لم يتجاوز طموح تلك المغامرة أحيانا الجوانب الشكلية. فقد جرّبنا الدخول على المدارس الصوفية المؤسسة مغربا كـ”المدينية” (المتأثرة بالقادرية) و”الشاذلية” و”الجزولية” من بوابة التحليل السوسيولوجي، مستدعين في ذلك نماذج بحثية ساهمت مقاربات الألمانيين “ماكس فيبر” وغورغ تزيمال Max Weber et Georg Simmel  والفرنسيين “دجين” و”فورزي” Degènnes et Forsé   والأمريكي “مارك لمباردي Mark Lambardi  ” في فتح أعيننا على قيمتها النظرية ومردودها التطبيقي أيضا.

ساهم هذا التوجه في الحفاظ على النكهة الأدبية للنصوص المدروسة معيدا زيارة المسارات الفردية المعبأة لصلحاء المغارب في علاقتها بمحيطها وتنـزيلها من الإطار القِيَمِي الذي سُجنت داخله لقرون إلى إطار ينفض الغبار عن مضمونها البشري، دون التجني على رأس مال أصحابها الرمزيّ أو الكارزماتي”. نحن إزاء بشر كباقي البشر يحالفه التوفيق حينا وتذهب به الأهواء مذاهب شتى أحيانا كثيرة، غير أن إصرار العديد من أولئك الرجال على “تشييد سدّ ما إزاء محيط لا يقاوم” تأسّيا ببطلة رواية “مارغريت ديراس Marguerite Duras “سدّ على المحيط الهادي Un barrage sur le pacifique”، هو الذي أضفى على تلك “السير” ألقا شديدا، محوّلا الشخصيات التي عرّفت بمسار حياتها ومضمون تجاربها الروحية والدنيوية إلى “متقاسم جمعيّ”.

تعكس المرْوِية المناقبية إذن، بما تأصّل ضمنها من تلقائية ناقليها وعفوية متلقيها تصّورات عامة الناس وقناعاتهم وتمثّـلاتهم الاستيهامية، لذلك فإنّ مقاربة هذه النصوص لا يمكن أن تخرج بطائل إذا ما قصرت همتها في البحث عن المعطى التاريخيّ، فاستمراء الخبر بمعنى قلبه وتشويهه يُشكِل عنصرا ناظما لكل ذاكرة شفوية. لذلك فإنّ ما حاولنا استجلاءه من خلال استنطاق هذه “السير” لم يتجاوز البحث عن المنطق الداخلي للسّرد في محاولة للكشف عمّا ترسّب في الذاكرة من تصوّرات حول تجارب أرباب التصوف والصلاح وحقيقة الحَراك الذي أدخلته تلك التجارب على الواقع السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ داخل مجال المغارب طوال الفترة التاريخية المقصودة بالمعايرة.

والظن أن اختزال محصّلة هذه الدراسة ينتهي بنا إلى الاحتفاظ بجملة من الاستنتاجات  نسجّل من بينها:

 

• نجاعة “التزَوِّي” ونقصد التوسّع في إنشاء الزوايا خلال الفترتين الوسيطة والحديثة في الحدّ من سيطرة الممانعة القبلية بعد اكتساح الفصائل العربية الهلالية لكامل مجال المغارب.
• توسيع الزوايا لآمال المستقرّين والمنجين من خلال ردّ الاعتبار للأنشطة الزراعية.
• تسهيل الزوايا لعملية التوغل ببوادي الدواخل نشرا لأحكام الشرع وتوفيقا بينها وبين مقتضيات العرف والعادة.
• تلاقي مصالح مختلف الطوائف وتركيز اختياراتها الإستراتيجية على الحد من خطورة “الحرابة” ومواجهة التمركز الأجنبيّ على السواحل بعد انتعاش المدّ الطرقيّ.

 

• توصّل الطريقة الجزولية مغربا وهي طريقة تحدّرت عن الشاذلية إلى تكوين “كتلة تاريخية un bloc historique ” كان لها دور حاسم في توفّق الأشراف في بلوغ سدة الحكم بعد الاعتضاد بمؤسسات التصوّف بل والتأكيد على الخروج من معطفها.
• أذكى التدرج في بناء مشروع الدولة الترابية الممركزة و”تمجيلها” الصراع مجددا بين مؤسسات الصلاح ومصالح المخزن وعبّـر “المولّـهون” من “مجاذيب الصوفية” عن الضيق بالواقع المأزوم، في حين جرّب من تمسّك بـ”الاحتساب” وادعى “المهدوية” الاحتجاج سياسيا عن “الشرعية” الحاكمة.
• دفع الاحتقان السياسيّ والاجتماعيّ بالدولة المخزنية إلى إعادة هيكلة علاقاتها بمؤسسات الصلاح وحصر أنشطتها في تصريف ما عاد لها من أملاك، فضلا عن تعهّد الأنشطة الخيرية والتظاهرات الدينية أو الروحية والثقافية.

تلك موضوعيا أبرز الاستنتاجات التي انتهى إليها البحث في خصوصيات التصوّف بمجال المغارب وتفحّص سير رموزه وتحديد الأدوار التي عادت لمؤسساته طوال أمد جسر الفترتين الوسيطة والحديثة. ولئن لم تخرج هذه الدراسة عن الشروط الناظمة لصناعة التاريخ مفضلة الالتزام بمقوماتها والاستفادة من مكاسبها أيضا، فإنّ طبيعة المتن المصدريّ الذي وظفناه لمقاربتها قابلة لانجاز بحوث متنوعة منها ما يتصل بالمأثورات التراثية اللامادية كمدونة الإنشاد وتوصيف الطقوس والمواكب الاحتفالية المقامة بأضرحة الأولياء من وجهة نظر اتنوغرافية، ومنها ما ينفتح على الجوانب”الانتروبولوجية” المتصلة بالممارسات الدينية والثقافية السائدة، تحديدا لكيفية “التثاقف acculturation  ” بينها وتَعْيِيرًا لمقومات التسوية nivellement أو اتجاهها العام نزولا إلى أسفل أو ارتقاء إلى أعلى.

 

وتعكس الأبحاث الميدانية المنجزة منذ موفّى القرن التاسع عشر وطوال القرن الماضي (Westermarck, Bel, Doutée, Berque, Dermenghem, Gellner, Geertz, Eickelman… ) حصيلة معرفية لا تزال رغم التقييمات الموضوعة في شأنها بحاجة إلى مراجعات متأنية وفاحصة تنشد الإنصاف وتُـموضع المجهود المعرفيّ ضمن إطاره الموضوعيّ، مجسّرة علاقة سوية بتوجهاته المنهجية ونتائجه المعرفية. علاقة تسمح بتنـزيل ما تمّ تحقيقه من نتائج- بصرف النظر عن الأهداف المتخفية ورائها – المكانة التي هي بها جديرة.
   (1) تساوقا مع عنوان كتاب المؤرخ الفرنسي الأخير “فرنسوى دوس” : Dosse (François), Le pari biographique, éd., La Découverte, Paris 2004.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This