واقع منظمات حقوق الإنسان في سورية وآفاقها (1/2)

لا تتمتع سورية بسجلّ ممتاز في مجال حقوق الإنسان. ويعتبر مفهوم حقوق الإنسان مفهوما جديدا على الساحة السورية. فمع التطورات السياسية السريعة التي عصفت بالبلاد منذ ستينات القرن الفائت، كانت المفاهيم السياسية مثل الاشتراكية والإمبريالية والقومية والوحدة والديمقراطية هي المتداولة، وفي حين تقدم مفهوم التحرّر الوطنيّ تراجع مفهوم الحريات الفردية وحقوق الإنسان. وقد أعلنت حالة الطوارئ في سورية بالقرار العسكريّ رقم 2 الصادر صبيحة الثامن من آذار، 1963. رغم إقرار دستور للبلاد في عام 1973، إلا أن قانون الطوارئ لم يعدّل، كما أنّ حالة الطوارئ بقيت مستمرّة دون انقطاع على امتداد العقود الأربعة الفائتة.



بدأ إدخال مفهوم حقوق الإنسان إلى ساحة العملين الثقافي والسياسي متأخّرا جدّا عن باقي بلاد الدنيا. بل إنّ أول منظمة معروفة لحقوق الإنسان لم تشكّل إلا مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وهي منظمة لجان الدفاع عن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان.

ومع ذلك لم تكن هذه المنظمة هي أوّل منظمة بالفعل. ففي الستّينات من القرن الماضي تمّ تأسيس جمعية لحقوق الإنسان سميت برابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، وكان مؤسّسوها مجموعة من خيرة المحامين والأطباء السوريين المرموقين منهم د. أحمد  بدر الدين؛ د. أسعد الاسطواني؛ المحامي بشير كعدان؛ المحامي عاكف باكير؛ المحامي عبد الحميد الخليل؛ د. عبد المسيح داغوم؛ د. فايز القوتلي؛ د. مروان محاسني؛ د. موفق الكزبري؛ والمحامي نزار سعيد. ومن الغريب أنّ هذه الجمعية كانت مرخّصة من قبل السلطات المختصة في الحكومة السورية، وقد تم إشهارها بكتاب من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى “رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان بدمشق.” وفي نصّ الكتاب أنّه “عملا بأحكام المادة 9 من قرار رئيس الجمهورية 1330 لسنة 1958، المتضمن اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة، نرسل إليكم طيا نسخة من نظام جمعيتكم الذي تم شهره برقم 700 وتاريخ 8/7/1962، مؤشرا عليه بذلك. تاريخ 5/7/2006؛  توقيع وزير الشؤون الاجتماعية والعمل”.
كان ذلك الكتاب هو الأوّل والأخير الذي يصدر منذ العام 1963 وحتى الآن، فلم يسبق أن منح قبلها ترخيص لجمعية سورية لحقوق الإنسان، ولم يحدث ذلك بعدها أيضا. وأعلنت الرابطة أنّ هدفها “إرساء مبادئ حقوق الإنسان في نفوس المواطنين” وإلى “تطوير هذه المبادئ ونمائها وضمان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والدفاع عنها عملا وفولا”. غير أنّ فاعلية الرابطة ظلت ضعيفة على أية حال، وظلت قائمة حتى تلاشت، دون أن يعلن رسميا عن حلّها.
أما أوّل تحرّك فعليّ لامس قضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سورية، فكان بلا شك تحرّك نقابة المحامين الذي قامت به في نهاية السبعينات. ففي آذار/مارس 1978، قام مجموعة من المحامين بصياغة كتاب، وجمعوا عليه توقيع ربع أعضاء الهيئة العامة لمحاميي دمشق، للمطالبة بعقد جلسة للهيئة لمناقشة قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان. وقبل موعد انعقاد الهيئة العامة بأيام، اجتمع ثلاثة محامين يمثلون تيارات مختلفة داخل النقابة، وهم هيثم المالح ومروان الحصري ونزار عوايني، واتفقوا صياغة مشروع لمسألة حقوق الإنسان والحريات الأساسية.


وفي 22/6/1978، عقد مجلس نقابة المحامين في دمشق جلسة رسمية درست فيه حالة الطوارئ والأحكام العرفية في البلاد، حيث تلي مشروع القرار فنال شبه إجماع. وصدر عن فرع نقابة دمشق للمحامين قرار يرى أنه التزاما من النقابة “برفع الظلم عن وإزالة الحيف والدفاع عن المواطن (…) وإيمانا منها بأنّ قانون الطوارئ المعمول به حاليا لم يحقّق الغاية من إصداره بل أدّى إلى عكس ذلك. فضلا عن أنه قد أسيء استعماله إساءات بالغة، واستعمل في ما لا علاقة له بالحرب (…) واعتقادا منها بأن لا شيء يساعد على قوة الوطن ومنعته وازدهاره مثل الأوضاع الطبيعية، وهو الأمر الذي لا يأتلف مع قانون الطوارئ والأحكام العرفية المعلنة، ذلك أنّ الدفاع عن حدود الوطن يبدأ من الدفاع عن كرامة المواطن (…) فإنّ الهيئة العامة لفرع نقابة المحامين في دمشق (…) تطلب من المؤتمر العام  ما يلي:
أولا: المطالبة برفع حالة الطوارئ المعلنة بالأمر العسكريّ رقم 2، تاريخ 38/3/1963، فورا.

ثانيا: السعي لتعديل قانون الطوارئ بحيث يقيد إعلان تلك الحالة بأضيق الحدود والقيود، وعلى أن تقصر مدنها بثلاثة أشهر قابلة للتمديد إلى مدة مماثلة بعد استفتاء الشعب مباشرة.
ثالثا: اعتبار الأحكام العرفية الصادرة خلافا لأحكام قانون الطوارئ والتي أضحت شبه مؤسسة تشريعية سرية معدومة انعداما مطلقا، والطلب إلى الأساتذة المحامين والقضاة إهمالها وعدم التقيد بمضمونها وعدم المرافعة استنادا إليها ومقاطعتها مقاطعة تامة.

رابعا: اعتبار أي محام، وخاصة محامي الدوائر الرسمية والمؤسسات العامة وجهات القطاع العام، (…) يشير على تلك الجهات بالعمل والسعي لاستصدار أوامر عرفية بمصادرة أموال المواطنين والاستيلاء عليها وحجز حريتهم وتجاوز الأحكام القضائية (…) إنما يرتكب زلة مسلكية يجب مساءلته عليها أمام مجلس التأديب…
خامسا: السعي لإلغاء المحاكم الاستثنائية تحت أي تسمية كانت، وإحالة القضايا المعروضة عليها إلى المراجع المختصة في القضاء العادي، واعتبار أنّ كل ما صدر عنها ويصدر من أحكام خلافا لأحكام القانون ومبادئ العدالة إنما هو معدوم.
سادسا: الطلب إلى الأساتذة المحامين عدم المثول والمرافعة أمام المحاكم الاستثنائية، ومقاطعتها مقاطعة تامة تحت طائلة المساءلة المسلكية أمام مجلس التأديب، وذلك حتى لا تكون مؤسسة المحاماة المقدسة ستارا يضفي الشرعية على أعمال تلك المحاكم.
سابعا: تحريم جميع صور الكبت والقهر والقمع والتعذيب الجسدي والنفسي المنافية للكرامة الإنسانية والوطنية، وتطبيق مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء العادي، وتمكينه من أداء واجباته بحرية تامة وإنهاء كل حالات الاعتقال الكيفي وإطلاق سراح المعتقلين بسبب الرأي أو الفكر أو العقيدة، أو إحالتهم إلى القضاء العادي لمحاكمتهم محاكمات عادلة وعلنية يؤمن لهم فيها حق الدفاع وتحترم فيها حقوقهم الأساسية.

ثامنا: التصدي لجميع أنواع الاعتقال والاتهام والامتهان وفرض العقوبة، التي تمارسها جهات غير قضائية لا تخضع إجراءاتها لأي رقابة قانونية أو قضائية.

تاسعا اعتبار مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الدستور الأساسيّ للمواطن وتقديم أحكامه على أيّ نصّ تشريعيّ محلّيّ مهما كان نوعه في حال تعارض أحكامهما.


بعد صدور القرار، شكلت نقابة دمشق ما سمّي بلجنة الحريات العامة وبدأت اللجنة تتحرك وتقوم بعمل جيد ضمن النقابة، كما راحت اللجنة تشكل ضغطا معنويا وتقدم مشروعات قرارات أخرى وتنشط ماديا لتطبيق قرار نقابة المحامين، واستمر عملها منذ تأسيسها في صيف 1978 وحتى مطلع العام 1980. وقامت مجلة لوموند ديبلوماتيك بنشر القرار بعد شهر من صدوره. واستلم نقيب المحامين آنذاك صباح الركابي رسالة من اتحاد الحقوقيين العالمي يشيد الاتحاد بالقرار رقم واحد ويقول إنه خطوة عظيمة في سورية، ووجه الاتحاد دعوة إلى الركابي لزيارة فرنسا.

 

وكان تحرك المحامين بداية لتحرك نقابيين مهنيين آخرين، بينهم اتحاد الكتاب ونقابة المهندسين وأساتذة الجامعات. وكان من الممكن لهذه الحركة أن تسفر عن نتائج مختلفة لولا وقوع حدث استثنائيّ في تاريخ سورية المعاصر هو قيام جماعة “الإخوان المسلمين” بتحركات عنفية في سورية، استهدفت في البداية رموزا من السلطة السورية، ثم امتدت لتشمل رموزا مهمة في القضاء والتعليم الجامعي وشخصيات مجتمعية مرموقة، من مثل الأستاذ والمحامي محمد الفاضل، الذي كان لاغتياله أثر كبير على السلطة السورية والشارع. والأسوأ أن تحرك الإخوان تطور ليمتد إلى قطاعات شعبية واسعة في بعض المدن السورية، مثل حلب وحماة، التي شهدت أكبر صدام مسلح بين الجماعة والسلطة، انتهى باقتحام قوات سورية خاصة للمدينة ومقتل آلاف من شباب المدينة، ومن ثمّ تدمير أحياء كاملة من المدينة القديمة وإعادة بنائها بشكل عصريّ، بشوارع واسعة، بدلا من الحواري القديمة التي كانت تسهل عملية اختفاء مقاتلي الإخوان المسلمين وهربهم.
وقد اتهمت السلطة جماعة الإخوان المسلمين بقتل “المئات، إن لم يكن الآلاف من خيرة أبناء الشعب السوري،” وبنشر ” الفتنة وإشعال الحــرب الأهليــــة في سوريا منذ عام 1975– 1986 وخاصة بين أعوام 1976–  1982،” واتهمتهم بأنهم “اختطفوا مدينة حماه في شباط 1982 وقتلوا على الفور المئات من مواطنيهـا الأبرياء ومن مسؤوليهـا في الحـزب والدولــة، وبسلاح ثقيل ومتوسط ومحطات اتصـال متطورة حصلوا عليها بتمويل ودعـم مـن (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين.”  وتتساءل “هل يوجد دولة في الدنيا تخدم نفسها، تقبل بأن تخطف لها طائرة أو باخرة أو سيارة، ويقتل الخاطفون ما تطوله أيديهم، ثم لا تقوم تلك الدولـة باستخدام القـوة لتحرير الطائرة أو الباخرة ، فكيف إذا كان المخطوف مدينة بكاملها ؟ وهل حدثت عمليـة تحرير لطائرة مخطوفة، إلا وسقط فيها أبريــاء، فكيف بتحرير مدينة مخطوفة؟! وخاصة عندما تمادى القتلة الخاطفون في ذبح وقتل الأبرياء قبل أن تتمكن الدولة من وضع حد لعملية الخطف؟”

 

ومهما يكن، ومهما تكن الحقيقة، فالحقيقة الأخرى التي  مراء فيها أن الصراع بين السلطة السورية والإخوان المسلمين أنهى زمنا من التراخي السلطويّ الذي تميز به بداية عهد الرئيس السوريّ الراحل حافظ الأسد، وسارت الأمر باتجاه تصعيد، صار معه الحديث عن حقوق الإنسان أمرا من المحرمات. واستمر الوضع على هذه الحالة، حتى نهاية التسعينات، حين أدخل إلى الساحة المجتمعية السورية مصطلح بدا غريبا في تلك الأثناء: حقوق الإنسان.

 

وكان ذلك على أيدي حفنة من الناشطين السياسيين السابقين الذين اعتقل بعضهم لسنوات بتهمة العمل في منظمات سياسية محظورة. وقد تخلى هؤلاء الأفراد عن العمل السياسي لصالح العمل الحقوقي. وينبغي الاعتراف لهذه المجموعة بقصب السبق في هذا المجال. ذلك أن نشاط المحامين في العام 1978 لم يسمّ الأمور بمسمياتها، ولم يتحدث عن حقوق الإنسان كمفهوم وكواقع، أما رابطة حقوق الإنسان فلم تقدم سوى اسم لا يذكره معظم السوريين. بالمقابل، يعتبر الكثيرون في سورية والعالم العربي تشكيل “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان” في 10/11/1989 بداية انطلاق الحركة الحديثة لحقوق الإنسان في سوريا.

 

وتقول ناشطة حقوقية مرموقة في سورية ومن مؤسّسي الجمعية في مرحلته الثانية، حسيبة عبد الرحمن- إنّ تأسيس الجمعية جاء “بتأثير المدّ الديمقراطيّ الذي انتشر في العالم بعد سقوط الأنظمة الشمولية في أوربا الشرقية والانهيار المدوّي والدراماتيكيّ للسلطة في رومانيا وتأثيره في النخب السياسية والثقافية بالعالم الثالث ومنها سوريا، ولعلّ أحلاماً كبيرة داعبت البعض في لعب دور سياسيّ قادم”.

 

وترى الناشطة عينها أنّ هذا المناخ الدوليّ شكّل أرضية ملائمة للإعلان عن قيام اللجان “كجمعية أهلية طوعيه ولكن بآليات عمل حزبية سرية تأثراً بالمحيط السياسيّ السائد آنذاك وكنتيجة للشروط الموضوعية القائمة.” وهي غياب الحريات السياسية من جهة و غياب إرث الجمعيات الأهلية في سورية. وتضيف أنّ تاريخ سورية الحديث “تاريخ أحزاب وهذا ما ترك أثره على مختلف الأنشطة وأدوات التعبير وما تزال الجمعيات تفتقد إلى رؤى وآليات عمل خاصة بالعمل الأهليّ وتتعثّر به، وتعيش حالة خلل وظيفيّ إن كان في البنية أو الأهداف رغم انهيار وسقوط مرحلة أيديولوجية وسياسية بأكملها لكن ثقافتها النظرية والميدانية لا تزال هي السائدة”.

 

وبسبب انعدام الخبرة في هذا المجال، وبسبب الماضي السياسيّ لمؤسّسي اللجان، فقد خلطت اللجان بين تجربتها الحقوقية وتجربة الأحزاب السياسية في التنظيم والخطاب، بحيث كان يصعب التمييز بين بياناتها وبيانات المعارضة السياسية (وخاصة اليسارية) في تلك الفترة. وكان آخر بيان أصدرته في العام 1991، بيانا سياسيا بامتياز، بمناسبة إعادة انتخاب الرئيس الراحل حافظ الأسد.  وهو ما اعتبره البعض “الشعرة التي قصمت وقضمت المنظمة وأودت بها إلى السجن نهاية كانون أول عام 1991.”


وصدرت أحكام قاسية بحق مؤسسي اللجان وناشطيها، تراوحت بين ثلاث وعشر سنوات وتجريدهم من الحقوق المدنية، وهو ما يمنعهم في حال إطلاق سراحهم من المشاركة في العملية السياسية والانخراط في وظائف الدولة.

بقي فرع اللجان في الخارج يعمل ويصدر البيانات ويطالب بإطلاق سراح أعضاء المنظمة وبقية معتقلي الرأي واستطاعت المنظمة بالخارج إطلاق حملة عالمية للإفراج عن أكثم نعيسة الناطق باسم المنظمة، توّجت أخيرا بإطلاق سراحه فعلا في عام 1997 وكان قد أطلق سراح مجموعة من اللجان في وقت سابق وبقيت مجموعة أخرى في السجن حتى غاية 2001.


حقوق الإنسان في العهد الجديد

بعد تولّي الرئيس السوري بشار الأسد سدة الحكم في سورية، وبعد خطاب القسم الذي أداه في تموز 2000، بدأ محامون وسياسيون وناشطون في مجال حقوق الإنسان بتشكيل جمعيات غير حكومية للدفاع عن حقوق الإنسان ورفض كل أشكال التعدّي على هذه الحقوق. وقد حاولت معظم هذه الجمعيات تقديم طلبات للترخيص، إلا أنّ هذه الطلبات رفضت جميعا.

 

وقد أعادت لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان تأسيس المنظمة في الداخل. وفي 15/9/2000، تم الإعلان عن إعادة التأسيس ليكون أول خطوة علنية في سوريا منذ سنوات طوال. وقد تم في الاجتماع تأسيس مجلس أمناء جديد من ثلاثة عشر عضوا، بينهم سيدة واحدة، وانتخب مجلس الأمناء أكثم نعيسة رئيسا للمجلس، كما انتخب مكتب أمناء لإدارة العمل اليوميّ، وتألّف المكتب من أكثم نعيسة، حسيبة عبد الرحمن، حازم نهار، أحمد درويش، جديع نوفل، وغياث نعيسة.

 

مع إعادة تشكيل اللجان، بدأت مرحلة جديدة من العمل العلنيّ في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سورية. وبدأت اللجان تصدر بيانات وترصد الخروقات، وتوجت سنتها الأولى بإصدار تقريرها السنوي الأول، من 34 صفحة، في العام 2001 عن “الحريات العامة وانتهاكات حقوق الإنسان في العام 2000 والانفراجات في العام ذاته والمنفيين الطوعيين والجولان والانتفاضة الفلسطينية.

 

وجاء في التقرير: “بعد سنوات من العسف المباشر والقهر الأمني الشديد، تشهد البلاد بعض الانفراجات على المستوى الأمنيّ، في عهد الرئيس بشار الأسد. وتترافق هذه الانفراجات ذات الطابع الأمنيّ بانفراجات على المستويين السياسيّ والاقتصاديّ.

 

بيد أن المنظمة الحقوقية الأولى، والتي خلطت بين السياسيّ والحقوقيّ، حملت معها بذور المرض الرئيس الذي تتمتع بها الأحزاب السياسية في سورية: الانقسام. وسرعان ما بدأت بذور الخلاف داخل اللجان، بسبب ما أسماه ناشطون مرموقون “تفرّد رئيس اللجان التاريخيّ أكثم نعيسة، بمنصب الرئيس واحتكار الإعلام والتقدير الذي ينبغي أن يعود إلى المنظمة وليس إلى شخص واحد.”

 

ويقول بعض المتابعين لقضايا الحقوقيين السوريين إنّ نعيسة بدأ يفقد بريقه  الذي حازه في نشاطه عبر السنوات. وقد ساهم هو في ذلك، عندما يحتجّ على أيّ ظهور لأيّ ناشط غيره في أيّ مجال داخلي أو محفل خارجي. ويستشهدون على ذلك بالرسالة القوية التي وجهها إلى السيد حجاج نايل، مدير البرنامج العربي لحقوق الإنسان الذي كرّم في العام 2002 المحامي هيثم المالح. واتّهم نعيسة البرنامج باستخدام “ذات الوسائل التي تستخدمها السلطات العربية،” وذلك من خلال تكريم “شخصيات حقوقية ليس لها تاريخ.” وقد أدّت الرسالة المذكورة إلى اضطراب في الوسط الحقوقي السوريّ وداخل اللجان نفسها مما دفع بأحد أعضاء مكتب الأمناء في اللجان إلى توجيه رسالة اعتذار إلى المحامي هيثم المالح بسبب تهجم نعيسة عليه.
 أما البرنامج العربي فوجّه رسالة قوية إلى نعيسة يذكره بتاريخ المالح النضاليّ، من جانب ويذكّره بأنّ البرنامج لم يأل جهدا في الدفاع عن نعيسة وزملائه عندما كانوا في السجن، وإطلاقه أربع حملات دولية من أجل إطلاق سراح نعيسة بسبب سوء وضعه الصحيّ.

 

كان ذلك بداية النهاية بالنسبة لتاريخ نعيسة، ولئن لم يحسم الخلاف في اجتماع الهيئة العامة في القاهرة عام 2003 في شهر تشرين أوّل، حيث أعيد انتخاب أكثم نعيسة رئيسا للجان، فإنّ الخلاف حسم في اجتماع الجمعية العمومية الثانية في أواخر آب  عام 2006 في عمان، حيث انتخب مجلس أمناء وانتخب مكتب أمانة وانتخب دانيال سعود رئيسا للجان.

 

على أنّ نعيسة لم يستسلم لذلك، فبادر مع اثنين من أشقائه وبعض أنصاره إلى الاحتفاظ باسم اللجان، ولكنه توقّف عن النشاط منذئذ، باستثناء بعض البيانات التي يصدرها بين الفينة والأخرى، والتي تؤيّد بشكل أو بآخر الحكومة السورية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This