جدلية الديني والسياسي في الفكر العربي الإسلامي

تمثل جدلية الديني والسياسي في الإسلام إشكاليته الرئيسة والتي لم تحسم قط، مما يؤذن أنها ستسيطر بالفعل على نقاشات النخبة الثقافية في المستقبل المنظور. وسنحاول هنا إلقاء المزيد من الضوء على تداخل الديني والسياسي مبرزين منطلقات التفاعل، بصفة خاصة، بين كلا السلطتين: السياسية والدينية، مع توضيح الأشكال الفعلية التي تعكس وتجسد مثل هذا التفاعل على أرض الواقع.

إن التساؤل الأساسي الذي يفرض نفسه، وبقوة هنا، هو: هل يمكن للسلطة الدينية أن تحتفظ باستقلالها في ظل تعاطيها والسلطة السياسية؟ وما هي موازين الربح والخسارة الناتجة عن مثل هذا التعاطي، سلبا أو إيجابا، بالنسبة لكل طرف على حدة؟!.

يمكن القول، إن من شأن السلطة، كل سلطة، أن تبحث عن غطاء ديني يُسْبِغُ على قراراتها وأفعالها الشرعية من جهة، ويحولُ دون غضْبة المحكومين عبر خطاب ديني مؤدلج يُحِثُ على الالتزام بأخلاقيات الصبر والطاعة والرضا والقناعة، فيما أصحاب السلطة يرفلون في النعيم المقيم، من جهة ثانية.

وفي كل الأحوال، يضمن المستبد خضوع الرعية له، فيما يستحوذ رجل الدين المنزلة الأعلى إلى جانب السلطان وفي نفوس الجماهير التي تأتمر بأمره وتنتهي بنواهيه تحت رعاية ومباركة السلطة القائمة.

تبدو العلاقة إذاً بين ممثلي السلطتين، الدينية والسياسية، محصورة بشكل رئيس في تحقيق المنفعة لكلا الجانبين، وهو أمر تحرص عليه أشد الحرص كل سلطة على حدة في توطيد أركانها وحفظ مكانتها ضمن ترتبية الهرم السلطوي.

وفي الإسلام يتداخل كل من السياسي والديني بشكل مثير للانتباه. فبعد أن وطد النبي دعائمه السياسية بالمدينة وفق أسس دينية، قامت الخلافة من بعده على اعتبار أنها امتداد شرعي لحكمه. لكن سرعان ما استعرَّ الصراع السياسي في النصف الثاني من خلافة عثمان وانتهى بمقتله، ثم أفلت الزمام من يد علي بعد حرب ضروس دامت لسنوات خمسة مع معاوية، وكان ما كان من مقتله (علي) هو الآخر. وفي كل أولئك، كانت الأطراف المتصارعة تستند جميعا إلى النص الديني في التمسك بموقفها حتى الموت، مع أن الخلاف كان في الأصل سياسيا!!.

ومع نشأة الفرق والمذاهب الإسلامية، أخذ الاستدلال بالنص الديني والاحتماء به ينحو نحو التكلف ووضع الأحاديث المكذوبة لصالح كل فرقة ضد الأخرى. بيد أن القاسم المشترك الذي جمع السلطة القائمة ومعارضيها في نفس الآن، إنما تجسد في محاولة كل فيصل سياسي استمالة ممثلي السلطة الدينية نحو هذه الفرقة أو تلك. وفي الواقع، عارض الكثير من الفقهاء والمتصوفة الانتظام ضمن نسق سياسي أو توجه سلطوي ما، وقاوموا العديد من الإغراءات التي قدمت لهم، ووقف بعضهم، حتى من حروب علي ومعاوية، على الحياد بينما مال البعض الآخر إلى هذا الفريق أو ذاك.

ولما انتهى الأمر إلى معاوية وتأسست الدولة الأموية وتحولت الخلافة إلى ملك عضوض، سعى خلفاء بني أمية جميعا، ومن بعدهم بنو العباس، لاستقطاب النخب الدينية إلى صفهم. وكانت مواقف كل من: حجر بن عدي، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وابن السماك، والثوري، والأوزاعي، والحسن البصري، وأحمد بن المثنى، وابن حنبل، والحلاج، وغيرهم الكثير، تقف في وجه السلطة وتعارضها وقد أودي بحياة بعضهم في سبيل التعرض للحق.

وفي كل أولئك، تداخل الديني والسياسي لدرجة بات يصعب معها التفريق بينهما. وفي المقابل، عد الخلفاء والسلاطين والأمراء أفعالهم الخارجة عن الشرع سياسة. مع تقرير الفقهاء أن “الشرع هو السياسة لا عمل السلطان بهواه ورأيه. وكانوا يقتلون من لا يجوز قتله ويفعلون مالا يحل فعله ويسمون ذلك سياسة. وهذا تعاط على الشريعة يشبه المراغمة”(1) فيما يؤكد السخاوي.

وفي الواقع، تلخص الجملة الأخيرة: “تعاط يشبه المراغمة” استراتيجية تعامل السلطة السياسية مع الدين وممثليه. فحين وقف الوليد بن عبد الملك يخطب خطبته الأولى في الناس صاح قائلا: “أيها الناس، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد، أيها الناس من أبدى ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه!!”.(2) إذ تكشف هذه الرواية ومثيلاتها عن تجلي الخطاب الديني في السياسي.

ويقع ضمن هذا الإطار تأويل آية الطاعة وإخراجها من النطاق الضيق الذي أنزلت بشأنه وتعميمها، ونقصد بها قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”.(3) فمع أن المقصود بأولي الأمر هنا “خالد بن الوليد” الذي بعثه النبي على رأس سرية كان من ضمنها عمار بن ياسر، والذي أجار رجلا مشركا رغم اعتراض قائده، فلما رجعا المدينة وقصا على الرسول الأمر، أيد خالدا ونزلت الآية لتحث على طاعته والرجوع إلى الله ورسوله حال حدوث نزاع حول حكم ما. نقول إنه على الرغم من خصوصية الآية، إلا أن عددا لا بأس به من المفسرين– وبإيعاز من السلطة ربما- أفتوا بأن المقصود بأولي الأمر هنا هم “الأمراء، أي أهل السلطة”.(4)

وإذا انتقلنا إلى تحديد المعنى المقصود بالسياسة في الإسلام، لوجدنا أنها إنما تعرف وفقا لوظيفتها  إذ تعني “استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل (…) وتدبير المعاش مع العموم على سنن العدل والاستقامة”.(5) وبهذا، تشمل السياسة كلا من مفهوم الحكم ووظيفته دون أن تشير إلى عنصر “القهر” المتضمن بداهة في كل سلطة قائمة. فوفقا لهذا التعريف، تكمن مهمة الدولة في النصح والإرشاد، لا القهر المتعالي حتى على الوازع الديني في دولة كانت تقوم في الأساس على المرجعية الدينية وتستند إليها، وهي مفارقة، ضمن أخرى متعددة، أفرزها التاريخ السياسي في الإسلام.

في الإسلام تعني السياسية إذاً “ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد(…) وهي لا تنحصر فيما نطق به الشرع، وإنما تشمل ما لم يخالف ما نطق به الشرع (…) وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلا فهي من الشرع. وتقسيم بعضهم الحكم إلى: شريعة، وسياسة، كتقسيم غيرهم الدين إلى: شريعة، وحقيقة “.(6)

يرتبط تعريف السياسة في الإسلام، والحالة هذه، بمفهوم خلافة الإنسان على الأرض وتحقيق السعادة الأخروية، ما دامت غايتها تنحصر في تحقيق الصلاح والمصلحة التي تجعل نجاة المرء في الدنيا طريقا للنجاة في الآخرة. وهي بذلك لا تعني “مطلق تدبير المعاش وتنميته وفق المعايير الدنيوية وحدها، بل التدبير المحكوم بمعايير سنن العدل والاستقامة التي وضعها الخالق لخليقته إطارا وفلسفة حاكمة لسياسة العمران “.(7)

وتبعا لهذا، فإنها نوعان: “سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة، تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها”.(8) وبديهي أن يخالف هذا المضمون ما اصطلحت عليه الأدبيات السياسية في الفكر المعاصر، حيث ينحصر هدف السياسة في تدبير حاجات الإنسان الدنيوية، واستبعاد الدين كلية من دائرتها، وأخيرا فصل الأخلاق عن السياسة حسبما دعا ميكيافلي (1469– 1527م) في كتابه “الأمير” والذي يعد بمثابة ثورة في مجال علم السياسة، وبالأخص علاقة هذا العلم بكل من الدين والأخلاق.

فعلى خلاف الرؤية المثالية للسياسة في الأدبيات الإسلامية، يقرر مكيافلي في الأمير أن الحاكم ينبغي عليه أن يتجاوز معاني الخير والشر، ويتوجه نحو بناء الدولة القوية، مستخدما في سبيل ذلك كافة الوسائل بغض النظر عن أحكامنا الأخلاقية عليها، وأن السياسي لا يحتاج إلى الفضائل في شيء وإنما “يحتاج إلى القوة المعنوية Virtu والتي يجب أن يتحلى بها أيضا شعبه(…) فالسياسة ليست ما تمليه الأخلاق، ولكنها الدروس المستفادة من التاريخ وتنظير الماضي”.(9)

إنها، وبكلمة واحدة، “فن الممكن”، وعليه ينبغي للسياسي أن يستخدم كافة الوسائل المتاحة وغير المتاحة أخلاقية كانت أو غير أخلاقية، من أجل الوصول إلى أهدافه المعلنة وغير المعلنة أيضا. وأن يكون معيار العمل السياسي مقدار ما يحققه للدولة من مكاسب ومصالح. ومن الممكن إيجاز فلسفة الأمير السياسية في النقاط التالية:

1) السياسة هي ممارسة الممكن وليس ما يجب أن يكون.
2) تهدف السياسة بالأساس إلى الاستحواذ والبقاء والاستمرار على/في السلطة، فهي الطرق والوسائل والآليات المستخدمة للإبقاء على السيطرة.
3) إن سيطرة الممارسة تتجه بدورها إلى إخضاع الكل الاجتماعي (بما فيه الديني/الأخلاقي).
4) السياسة ممارسة واقعية تبحث في الواقع، ولأجل الواقع، عما يمكن السلطة من الاستمرارية، “فأي محاولة لإخضاع السلطة إلى الأتوبيا Utopie تؤدي إلى فقدانها”.(10)

وفي هذا السياق يؤكد ماكفير أن إشكالية السلطة – بما فيها السياسية- إنما تكمن في التصورات المثالية عنها.

لقد كان اهتمام مكيافلي الرئيس منصبا على التوعية بكيفية الوصول إلى السلطة، ومن ثم الاحتفاظ بها، “إلا أنه من الخطأ أن نستشف من ذلك أن “المكيافللية” مذهب منفصل تماما راديكاليا عن الأخلاق، فرغم حججه التي تعكس عدم إمكانية تبرير السلطة السياسية على أساس قواعد كنسية، أو دينية، قدر مكيافللي أهمية المحافظة على الالتزام بالصالح العام بين أعضاء المجتمع”.(11) وذلك من خلال إحلال الفضائل المدنية محل الأخلاق الدينية.

وفي السياق ذاته، يعرف البعض السلطة السياسية بأنها “مجموعة الديناميات الطوعية والقهرية المتصلة بالتنظيم الاجتماعي الملزم لمقومات الحياة المجتمعية، المادية والمعنوية، لأغراض الدفاع عن كيان الجماعة وضمان معاشها، وتكاثر النوع فيها، وذلك وفق إدارة السلطة المعبرة عن مصالح واتجاهات الفئات الاجتماعية صاحبة الهيمنة على مصادر القوة في المجتمع”.(12)

غير أن هذا التعريف إنما يجعل أغراض السلطة محصورة في مهام ثلاثة: الأمن– القوت– بقاء النوع. ومعلوم أن مهامها تتجاوز ذلك بكثير، وأن مجالها أوسع وقدراتها الرادعة لتأمين الطاعة والانصياع لا حدود لها، ذلك أن الجانب القهري Obligatory واستخدام عناصر القمع والاضطهاد، تعلو في السلطة السياسية بالذات ما يسمى بالديناميات الطوعية Voluntary، أي أنها تتضمن القهر بداهة، وقلما تخلو منه ممارسة أو خطابا، والجانب الواقعي في مثل هذا التعريف يتمثل في الإقرار بنخبوية الأهداف السلطوية، حيث تظل توجهاتها محكومة بتحقيق مصالح فئات نخبوية/صفوية تسيطر على مصادر القوة والثروة وتمثل جماعات ضاغطة في اتخاذ القرارات الملائمة لمصالحها أو منع القرارات التي لا تخدم أهدافها المعلنة أو الخفية على حد سواء.

على أننا نصادف في إطار الفكر الإسلامي مفهوما آخر يقع في ترادف مع السلطة السياسية واستعمل كثيرا في أدبياتها الإسلامية، وهو مفهوم الحكم، حيث يحكم الإنسان إما نفسه، بمعنى أنه يمارس سلطة عليها كإرادة حرة ملتزمة، وإما يحكم الآخرين، كنوع من السلطة التي له عليهم. وفي السياق الأخير، يعني الحكم “الممارسة العينية للسلطة، أي العملية التي تخرجها من عالم المجرد والمبدئي إلى عالم الحس والمحقق. ولكن، لما كانت القدرة التأثيرية بين الناس يمكن أن تتخذ شكل السيطرة، فإن الحكم يمكن بطبيعة الحال أن يكون ممارسة عينية للسيطرة، بقدر ما تنبني علاقة الأمر على القوة الجبرية “.(13)

وختاما، إن قراءة سريعة لتاريخ السلطة في الإسلام لتكشف عن طبيعة تداخل السلطتين السياسية والدينية بشكل لافت وحضور الأخيرة بقوة ضمن سياقات وتضاعيف الأولى. أما فيما يتعلق بالتساؤل حول أنماط التفاعل ما بين السلطتين: استقلالا، وتحالفا، واندماجا، فهو ما نأمل مناقشته في مقال لاحق. 

الإحالات والمراجع:

1) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، طبعة بغداد، 1963، ص 90.
2) ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1998م، ج 9، ص 75.
3) سورة النساء، آية رقم 59.
4) هادي العلوي: محطات في التاريخ والتراث، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية، نيقوسيا- قبرص، 2000، ص 74.
5) أبو البقاء: الكليات، تحقيق : عدنان درويش، محمد المصري، طبعة دمشق، 1982، فصل السين، ص 200.
6) ابن القيم: إعلام الموقعين، طبعة بيروت، 1973، ج 4، ص 372، 375. وأيضا: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق : جميل غازي، طبعة القاهرة، 1988، ص 17، 19.
7) محمد عمارة: الإسلام والسياسة، مجلة منبر الحوار، دار الكوثر، بيروت، السنة السابعة، العدد 26، خريف 1992، ص 69.
8) إعلام الموقعين، مصدر سابق، ص 375.
9) عبد المنعم الحفني: الموسوعة الفلسفية، دار المعارف، تونس، 1992، مادة “مكيافلي”، ص 443، 444.
10) رضا الزواري: من العقيدة إلى السياسةـ أو نشأة مجال الأمير/الملك في التاريخ العربي الإسلامي، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، الجمعية القانونية للدراسات الفلسفية، السنة الأولى، العدد الثاني، مارس 1984م، ص 40.
11) ستيفن ديلو: التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة: ربيع وهبة، مراجعة: علا أبو زيد، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، عدد 467، 2003، ص 209.
12) محمد عبد الشفيع عيسى: أصل السلطة السياسية وطبيعتها بين الانثروبولوجيا والفلسفة، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، 2004، ص 27.
13) ناصيف نصار: منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر، دار أمواج، بيروت، الطبعة الثانية، 2001، ص 13.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق